ثمة تعريفات متعددة للدولة الريعية أبرزها “أنها تستمد كل أو جزء كبير من إيراداتها الوطنية عن طريق تأجير الموارد المحلية لعملاء خارجيين”. ومن بين الدول الريعية في الوطن العربي، السعودية والإمارات العربية المتحدة والعراق وإيران والكويت وقطر، وكذلك في أمريكا اللاتينية وشمال أفريقيا مثل فنزويلا ونيجيريا والجزائر. أما التعريف الأشمل للدولة الريعية، فهي “الدولة التي تعيش على العائدات الريعية المتأتية من الخارج بشكل منتظم مقابل ضعف العمليات الإنتاجية المحلية “، وفي هذه الحالة يجب أن يكون دافع الريع أجنبيًا، وبدونه لا يؤثر على مجمل الدخل لأن الريع ليس حصيلة إنتاج معين وإنما حصيلة إعادة توزيع الثروة من دافع الريع، ولذلك ينبغي أن يكون مدفوعًا من الخارج ليؤثر على دخل الدولة كتحويل من خارج الدولة لداخلها.
ويجمع الاقتصاديون على تعريف مفهوم الدولة الريعية، بأنها “الدولة التي تحصل على جزء كبير من دخْلها من موارد طبيعية أو زراعية أو استخراجية على شكل ريع، وتتحكم في السيطرة عليه وتوزيعه”. وقد تبنّت سلطة الائتلاف الدولية الانتقالية منهجية الأرض الجديدة، في ظل غياب المعلومات عن كيفية إدارة المدن فعلياً. فالدولة الريعية لا تنتظر الدعم من مواطنيها بل تستحوذ على مصادر الدعم الذاتية، ريوع النفط، والغاز، والمعادن .. الخ” لحماية موقعها ومصالحها ضد التهديدات الداخلية حصريًا.
الموازنة
عند قراءة الموازنة العراقية بإيراداتها ونفقاتها نلحظ جانبين مهمين: الأول يبيّن بأن الإيرادات النفطية تحتل النسبة الأكبر من إجمالي إيرادات الموازنة، والثاني يكشف أنّ الرواتب والأجور التي يُطلَق عليها نفقات الأفراد العاملين في الموازنة تشكّل النسبة الأكبر والأهم في بند “النفقات التشغيلية” ولمناقشة هذين الأمرين لا بد من الدخول في هيكل الإيرادات وهيكل النفقات للموازنة العامة للحكومة.
يبدو أنّ النفقات التشغيلية والاستثمارية في الموازنة قد شكّلت مبلغا ضخما وذلك بحدود 900 تريليون دينار باستثناء سنة 2014 والتي لم تُقَرّ بقانون، ومن هنا بلغت النفقات التشغيلية 625 تريليون، أي بحدود 600 مليار دولار فيما كانت النفقات الاستثمارية 272 تريليون دينار فشكّلت الاستثمارية ما نسبته 30 في المئة من مجموع النفقات. وقد تجاوزت الصادرات النفطية 98 في المئة من مجموع الصادرات، وتراوحت باقي الصادرات بين 1 في المئة و2 في المئة من مجموع الصادرات ما يعني غياب شبه كامل لهذا النشاط، وبالمقابل تركز الاستيراد على السلع الاستهلاكية، وغياب السلع الإنتاجية، ومستلزمات الإنتاج، ويؤشر ذلك على غياب الاستثمار المحلي والأجنبي المباشر في العراق فلم يؤشر تدفقًا داخلاً ولا رصيدًا متراكما للاستثمار الأجنبي المباشر، بينما بلغت مديونية العراق الآن حسب مصادر رسمية 133 مليار دولار حيث تسعى الحكومات جاهدة للتغلّب على العجز في موازنتها بعدة طرق منها: تغطية العجز من الاحتياطي العام للدولة، أو عن طريق فرض الرسوم والضرائب، أو الإقتراض.
في دراسة للأمم المتحدة 2018 احتل العراق المرتبة 108 عالميًا وبلغ نصيب الفرد 7,391 دولار سنويًا والعاشرة عربياً، إذ جاءت قطر في المرتبة الأولى عالميًا وبلغ نصيب الفرد مبلغ 98,814 دولار، وتليها اللوكسمبورغ، بينما تحتل سنغافورة المرتبة الثالثة.
بطالة وفقر مُدقع
تشير تقديرات وزارة التخطيط العراقية إلى أن نسبة البطالة في العراق قد بلغت 35 في المئة، من بينها 14 في المئة نسبة الخريجين العاطلين عن العمل، وهي نسبة يرى مختصون أنها مرتفعة جدًا، قياسًا بالإمكانيات الاقتصادية المتاحة لواحد من أغنى بلدان العالم بما يحتويه من كميات نفطية هائلة وثروات أخرى. وأن معدل بطالة الشباب في العراق يبلغ أكثر من 40 في المئة.
وحسب إحصائية البنك الدولي فإن “نسبة الفقر في العراق وصلت إلى 41.2 في المئة في المناطق المحررة، و30 في المئة في المناطق الجنوبية، و23 في المئة في الوسط، و12.5 في المئة في إقليم كردستان”.
وقامت الحكومة بترشيد قائمة السلع الأساسية المدعومة في منتصف عام 2009 فألغت بحكم الواقع الدعم على أسعار الشاي والفول والصابون والمنظِّفات والحليب وكانت هذه المواد متاحة جميعًا على البطاقات التموينية قبل هذا التاريخ.
يعيش حوالي 23 في المئة من السكان تحت خط الفقر، وما يثير الانتباه هو التفاوت الملحوظ في مستويات الفقر مرتفعة جدًا في الريف لدرجة أن نسبة الحرمان هناك بلغت 65 في المئة أي أنها تعادل ثلاثة أضعاف النسبة في المناطق الحضرية.
الخصخصة
علينا أن نفرِّق بين القطاع الخاص والخصخصة؛ فالخصخصة تعني أساسًا بيع ممتلكات وأصول الدولة إلى القطاع الخاص، وهي لا تعني إضافة جديدة للمنتوج الاجتماعي الإجمالي بقدر ما تعني تغيير الملكية. لقد أقدمت أكثر من 160 دولة نامية على إعادة هيكلة وتجديد مصانعها ومؤسساتها الإنتاجية فلماذا لا يتبنى العراق هذا المنحى الناجح بدلاً من الحديث السمج عن المشاريع الوهمية التي يشير لها المسؤولون في الدولة وفي مجلس النواب علمًا بأنها بلغت 6000 مشروع وهمي رُصد لها بحدود 200 مليار دولار.
وعلى الرغم من أن بريطانيا دولة كبيرة ومتقدمة إلاّ أنّ هناك حرصًا شديدًا على ألا تقع ملكية محلات “هارودز” بلندن في أيدي إخوان محمد الفايد المصريين، وألا تزيد حصة مكتب الاستثمار الكويتي في شركة البترول البريطانية بعد تحويلها للقطاع الخاص عن 9 في المئة.
تجربة سنغافورة
في الختام لابد أن نتساءل: كيف نعالج حال الاقتصاد العراقي؟ هل نعتمد البرنامج الحكومي الداعي للتحوّل إلى القطاع الخاص أم نبقى كما كنّا عليه؟ أليس من المعقول أن ننتبه إلى التجارب الاقتصادية الناجحة في سنغافورة وبعض بلدان أمريكا اللاتينية مثل البرازيل والأرجنتين والأكوادور وبيرو؟ ونظرًا لقراءتنا المتعمقة للدول النامية التي وجدت الحلول الناجعة، وبما أنّ بلدان أمريكا اللاتينية المُشار إليها تحتاج إلى مساحة واسعة فسنتوقف عند تجربة سنغافورة التي انتقلت من دولة مغمورة من دول العالم الثالث إلى دولة حديثة من دول الصف الأول تطوّر فيها الاقتصاد بسرعة مذهلة بحيث تضاعف نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ما بين 1966 و2013 خمس عشرة مرة، أي بمعدل ثلاث مرات أسرع من نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية. ويؤكد لي كوان يو رئيس جمهورية سنغافورة السابق قائلاً: “كلما اخترت أصحاب المواهب والكفاءة كوزراء وإداريين ومهنيين كانت سياساتنا أكثر فعالية وأكثر نجاحًا”.
تبنّت سنغافورة استراتيجيتين أساسيتين: الأولى تعتمد على استيراد أحدث التطورات التكنولوجية العالمية لزيادة إنتاجية رأس المال والعمالة وذلك من خلال تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتوظيف المواهب الأجنبية كوسيلة لنقل المعرفة. بينما ترتكز الاستراتيجية الثانية على توفير البيئة القانونية، والفكرية، والحوكمة الرشيدة للنمو، ورعاية المواهب المكتسبة من أجل خلق مجالات للابتكار والتقدم التكنولوجي. وفي هذا الصدد، تحتل سنغافورة المرتبة الأولى في نظام الحوافز الاقتصادية لاقتصاد قائم على المعرفة، والرابعة في العالم من حيث الابتكار في مؤشر اقتصاد المعرفة للبنك الدولي.
كانت سنغافورة تحمل لقب الدولة الأكثر فسادًا في العالم لكنها أصبحت خلال الثلاثين سنة الأخيرة، وبشهادة كل الدول والمحللين الاقتصاديين وغيرهم، الدولة الأقل فسادًاعلى المستوى العالمي على وفق معايير منظمة الشفافية العالمية، بينما يشير التقرير ذاته الى أن العراق يقع في أسفل سُلّم الدول في العالم فيما يخص قيمة مدركات الفساد خلال الفترة الممتدة من سنة 2003 حتى عام 2012. وفي عام 2011 كان العراق يحتل المركز رقم 175 ويأتي بعده السودان والصومال فقط، في حين تربعت كلُ من الدنمارك وفنلندا ونيوزلندا والسويد على المركزالأول، وتأتي سنغافورة في المركز الثاني. أما على مستوى البلدان العربية. فيأتي العراق في الترتيب العشرين في حين تتقاسم كل من الأمارات وقطر المركز الأول عربيًا، والمركز 27 دوليًا.