الروائي السوداني حمّور زيادة في “الغرق”: حكايات القهر وامتزاج الواقع بالأسطورة

سيد احمد علي بلال
حجم الخط
0

يعج فضاء رواية “الغرق” للسوداني حمور زيادة بعدّة عناصر سردية، ففيها حكايات صراع عائلتين على زعامة القرية وحكايات حب وغرق وكراهية واضطهاد عرقي وجنسي وحراسة أعراف جماعة سكانية ومكونات إثنية ذات تراتبية ملحوظة تأخذ طابع الطوائف فيها “أهل الأرض” و”الغجر” و”المقتلعين” و”البدو”.

يعود تاريخ وقوع أحداث الرواية لعام 1969 مع صعود دكتاتورية نميري العسكرية، والرواية تهتم بالبعد الاجتماعي للقرية أكثر من اهتمامها بالواقع المعيشي المستند إلى الزراعة. لذلك تبدو تجليّات الواقع المعيشي وكأنها تتراجع أمام البعد الاجتماعيّ.

تتسم الرواية بالجمل القصيرة وسيادة اللغة العربية الفصحى كما تتخلّلها مقاطع شعرية، فكأن كاتبها كان متنازعا بين إعطاء روحه للرواية أم للشعر مثلما ضحى العمدة محمد سعيد الناير، أحد أقطاب الرواية، بحلم ان يكون أفنديّا وشاعرا في المدينة وعاد إلى أهله تاركاً الدراسة في كلية غردون التذكارية بعد وفاة والده امتثالاً لطلب أهله لتقلد منصب العمدة كي لا تذهب العموديّة لبيت آل البدري، المنافس لبيتهم على زعامة القرية.

من أمثلة هذه الشاعريّة المقاطع الشعرية المشتتة في الرواية، مثل: “تتنهد الشمس شفقها الأخير، وتهم بالغوص في الغياب. رائحة البرسيم الرطب تغزو الدنيا” ومنه أيضا وصفه للصبيّة عبير ذات الثلاثة عشر ربيعا: “تمشي فيزغرد الماء تحت قدميها الطفلتين، تصفق فيطرب النيل، تضحك فيرقص النخيل”.

ثمة شعر غنائي متنوّع يتضمن عينات مما يسمى بأغاني البنات والحنين للبعيدين وأغاني الفخر وتمجيد جنود قوة دفاع السودان الذين شاركوا في الحرب العالميّة الثانية إلى جانب جيوش المستعمر الانكليزي وجيوش الحلفاء، بالإضافة إلى أغاني الإذاعة السودانية لفناني التيار العريض للمجتمع مثل محمد وردي وفناني المنطقة مثل النعام آدم.

هناك عدة شخصيات تتشارك في بطولة الرواية في مقدمتها الذكوريّة من بيت الناير (العمدة) الذي يستأثر بالعمودية في القرية وهم ثلاث شخصيات (الاخوة محمد سعيد-العمدة، وبشير-زوج سكينة، والرشيد-أصغر الاخوة) فقد صار أكبرهم محمد سعيد العمدة، وتسلّطت زوجته الرضية، اجتماعيّاً إذ صارت طاغية يتأسس طغيانها على قناعتها بواجب حماية الأعراف والتقاليد. أما التشكيلة الأسرية الهامة الأخرى في الرواية فهي سلالة تنحدر من امرأة مسترقة وتتكون المجموعة من ابنة تلك المرأة عز القوم، وحفيدتها فايت ندو وبنت حفيدتها عبير.

تكشف الرواية أشكال قهر تقع على السلالة النسوية التي تعرضت جدتها للاقتلاع، إذ اشترتها العافية جّدة آل البدري وأهدتها لابنها الناير. وتكشف المأساة من خلال تسليط ضوء باهر على غرفة بنتها عز القوم: “شهدت تلك الغرفة رجالا يدخلون جنح الليل، سمر، وأنين وتوسلات لا تُستجاب، ونخر ذكور في عز انفلات شهواتهم، وولادات كثيرة، أعقبها موت المواليد، ما نجى من أكثر من عشرين ولادة إلاّ ثلاثة أصغرهم فايت ندو”. فايت ندو نفسها تعرضت للاغتصاب من جانب عبدالحفيظ ابن العمدة محمد سعيد.

تلخّص الرواية مصير أبناء وبنات عز القوم فتقول: إن فايت ندو كانت صبيّة وكان عبدالحفيظ صبيّاً “كان سكراناً وجاء يطلب عز القوم وهي على أعتاب الستين، أنفقت كل سنواتها رقيق في بيت العمدة تخدم في المطبخ وتصنع العرقي وتشبع الرجال. ولدت أكثر من عشرين بطناً أو يزيد من ألف رجل أو يزيد لا تعرف من أنجبت من منْ لا تحصي ولا تهتم، تطيع وتدعو للإنكليز، وتدعو على العرب، ويموت أطفالها.

في محور آخر تتناول الرواية مجموعة الغجر وفي هذا الإطار تعرض قصة الغجرية بهيّة التي ارتضت ان تلعب دوراً غريباً بمقابل مادي مع الحفظ على السريّة إلى جانب العافية (أم أل الناير) إذ تنوب عنها، بعد اتفاق بينهما، في عملية جلد تساهم في إثارة الزوج جنسيا ينتقل بعدها إلى ممارسة الجنس مع زوجته العافية، وهي قصة مثيرة للاستغراب من حيث دمجها في السياق العام للرواية، ونسبتها إلى شخصية مركزية، ومثيرة للتساؤل في اعتماد سريتها على الغجر المشهورين بالفضائحية، وإفشاء الأسرار حتى الشخصية منها.

يتحرك السرد في فضاء الرواية بحرية بعد أن يطلقه الروائي مازجا الواقعي بالأسطوري فنجده يحيل بعض الروايات إلى والدة عز القوم بعد أن خرفت، وهي امرأة مسترقة كانت العافية جدّة أل البدري قد اشترتها وأهدتها لابنها النائر كما ستتوالد وتتأسطر روايات أخرى على طريقة تلك المرأة أم عز القوم.

قصة العافية وبهية “تحكيها عز القوم عن امها الخرفة. ما حكاها قبلها بشر، ولا عرف الناس حقيقتها من خرافتها لكنها تفسر بعض ما تراه قرية حجر نارتي ولا تفهمه” وفي موقع آخر يرد أن “حكاية العافية وبهيّة لا يعرف لها زمان ولا تبدو تفاصيلها دقيقة، هي حكايات الأهالي، تتغيّر في كل مرّة تحكى يضاف شيء هنا ويضاف شيء هناك، يتبدل اسم مكان….”.

ويحدث الشيء نفسه في تطور السرد في ما يتعلق بالامباشى بابكر ساتي، زوج سكينة الأول المتوفي، الذي لقي حتفه في الحرب في بلدة كرن، التي خلدتها أغاني فخر وتمجيد محاربين ورد بعضها في الرواية. يقول الراوي في ما يتعلق بحكاية بابكر ساتي، زوج سكينة السابق وأحد أبطال تلك الحرب “ستتضخم الحكاية بمرور السنوات، وكلما يذكر بابكر ساتي سيتعاظم دوره في المعركة حتى يصبح بعد سنوات فارسها الوحيد، المقاتل الفرد الذي فتح كرن وأجلى عنها الطليان ثم سقط صريع رصاصاتهم المرتبكة وهم يفرون أمامه”.

لا تخلو الرواية من قصة حب خالدة تسكن وجدان القرية وهي قصة بشير وسكينة. رأى بشير سكينة يوم مولدها وكان طفلاً في الرابعة من العمر، وأعجبته هيئة الرضيعة فعبر عن إعجابه بها؛ وهكذا استبطن بشير نوعا من المحبة الصامتة ولكن بسبب الخلاف بين الأسرتين تردد وتأّخر في خطوبتها  إلى أن اتى الامباشى بابكر ساتي الذي ينتمي إلى القرية المجاورة وتزوجها؛ وظل بشير متيما بها خلال طفولته وصباه إلى أن لقي بابكر ساتي مصرعه فذهب وطلبها من أبيها في يوم وفاة زوجها وأمام حشد كبير من الناس ما أثار موجة غضب وفجر نزاعات، لكن والد البنت استطاع ان يعالج المشكلة بحكمة قادت في نهاية المطاف إلى زواج بشير وسكينة.

التعبير الأشد وضوحاً لانتهاكات عائلة الناير الجنسية والإنسانية للنساء المنحدرات من سلالة الاسترقاق السابق هي ان عبد الحفيظ ابن العمدة هو الوالد الحقيقي لعبير بنت فايت ندو بينما عمه الرشيد شقيق العمدة هو اب مولود عبير الذي أعطته الرضية لصبري زعيم الغجر.

كانت أم عبير تحلم أن تكون ابنتها عبير طبيبة، فسمتها أولاً شهرزاد تيمناً بابنة أخ الرضية لكن الرضية استشاطت غضباً حينما علمت بذلك وهددت بقتل فايت ندو ومولودتها لولا تدخل العمدة زوجها الذي قام بإجراء تسوية، إذ أمر زوجته أن تترك له الأمر كي يحله بنفسه (بطريقة حكيمة) فمزق شهادة ميلاد البنت أمام زوجته، وأمر الأم أن تذهب إلى سجل المواليد بالمدينة وتختار لبنتها أيّ اسم آخر تشاء غير شهرزاد وقد صحبت فايت ندو في هذا المسعى الشخصية المحبوبة سكينة، أما عبير التي عانت من الرضية كارثة إخراجها من المدرسة ثم انتزاع مولودها فإنها انتحرت غرقاً بعد أن فقدت الأمل في اعتراف الرشيد أو المساعد الطبي بأبوة ابنها ثم جاء انتزاع الرضية عنوة للمولود واعطائه للغجري صبري واستسلام أم عبير لذلك كقاصمة الظهر.

يدقق الراوي في وصف الجماعات والأفراد ولا ينسى التطرق للطقوس، فمثلا يصف الغجر قائلا: “لا يعبئون إذا شتموا ولا يملون إن رُفضوا، يأتون في جماعات، ويغادرون في جماعات، يرتزقون بالارتحال، ويقتاتون بالالتقاط”. ويصف الرضية وصفاً يجعلها طاغية، إذ أنها التي تحمي التقاليد وتمارس الفصادة والختان، وانّها كانت “كالفيضان والهبوب ورائق النخيل وقوة كاسحة تحمي التراث وسلطة بيت الناير” مضيفا أنها كانت “تحتقر العبيد والإماء، وتروض الزوج الناشز، وتحرض الرجال وتختن الصبيان والبنات. وتقرع الشباب العابثين”.

وترصد الرواية مجموعة من الطقوس مثل تغطية الرأس عند دخول الرجال على النساء والملل من الخطب المستعادة في المساجد وغيرها. أما عنصر الحداثة في هذه الرواية الريفيّة فيمثله المساعد الطبي احمد شقرب المنهمك أيضا في علاقة جنسية مع الصبيّة عبير فإن حظه من الحداثة لا يتجاوز العيادة شبه الفارغة ورف الكتب والراديو.

يبدو أن الكاتب ظل مسكوناً بالغرق منذ روايته “شوق الدرويش” فقد قال عنه:

“في اللحظة التي يدرك فيها الإنسان كل شيء يعلم أنها لحظة الموت. كتلك الرؤيا الغيبية التي تجتاح الغريق وهو يلفظ مع النهر أنفاسه – ص458 من شوق الدرويش”.

ربما ورد عند الراوي سلوك قدماء مصريين أو نوبيين وهم يزفون العرائس بالإله النيلي.

النيل في الرواية مكان انتحاري غرقاً لليائسين والمنتظرين لجثث الغرقى. هناك تلك المرأة الصامتة، فاطمة أم سعاد “تأتي ملتفة بثوبها تناظر الجثة الغارقة تعاينها لعلها سعاد” لعلها ابنتها سعاد التي غرقت. يُقال إن الجثث القديمة للغرقى تخرج مع الجثث الجديدة. فاطمة لم تكف عن هذا الانتظار منذ غرق بنتها سعاد قبل 28 عاماً. وعلى نفس هذا الطريق ذهبت عبير بعد أن أخذت الرضية مولودها وأعطته للغجري. من هنا ذهبت وتتبع عبد الرازق أثر أقدامها إلى أن انتهى إلى المياه. ومن عمق المأساة يأتي صدى ما قالته فايت ندو لبنتها عبير ذات يأس “نحن وحيدتان ليس لنا أحد. لا تغرنك الهياكل والعمائم والكلمات الحنونة ودعاء خالي. نحن وحيدتان ليس لنا أهل ولا مال ولا احترام. كل اللاتي يعانقنني يضمرن لي احتقاراً. ليست الرضية وحدها من تحتقرنا – نحن المتناسلون من اللامكان في قرية تتفاخر بالأنساب. لا يحترمنا أحد إلا بمقدار ما يحتاجون الينا ونظهر لهم من أدب وطاعة. أنت لست بنت البدري ولا من بيت الناير ولا أبوك صاحب أطيان انت بنت فايت ندو. ليس لك غيري وليس لي غيرك”.

حمّور زيادة: “الغرق”

دار العين للنشر، القاهرة 2018

260 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية