ملامح الإبداعية الفلسفية العربية: من أجل التنوير العربي.

حجم الخط
0

يوسف بن عديإن المتتبع لأعمال الدكتور محمد المصباحي الفكرية والفلسفية، بشكل دقيق، لا يستغرب من كلامه عن فكر الحداثة وتحولاتها الحاصلة أو بالأحرى قراءته لبعض مشاهد التنوير ولواحقه: العقلانية والفردانية والذاتية والاستقلالية.. والمتمثلة في نزعات ليبرالية تحررية وفلسفات عقلانية تواصلية وتيارات سوسيولوجية نقدية. وعلة ذلك أن الرجل لم يتردد في ممارسة النقد والمراجعة ذات المعنى الحداثي العميق حتى في عبق الفلسفات الوسطوية ومقولاتها العقلية والوحدوية.. ومن الواضح، أن تفكيك محمد المصباحي لمفهوم الإنسان القروسطوي، على سبيل المثال، الخالي من كل ملامح فردانية تنويرية بحكم هيمنة مقولة العقل الهيولاني واطلاقية الحقيقة، لدليل آخر على مدى استيعاب الكاتب فكر الحداثة ومرجعياتها المختلفة، ومحاولة تعقله بحذر شديد وهو يقوم بعملية إنزال الرؤية الحداثية النقدية على اشتكالات فلسفية عربية وواقعها المعاصر. وهذا لعمري، بعيد التحقق لدى بعض دعاة الحداثة، الذين لم يبرحوا دائرة التقليد، بل قل ظلوا متشبثين بأسوأ منه ألا وهو تقليد التقليد، ألم ترَ أن تقليد الحداثة يخالف الحداثة ذاتها من حيث أنها تدعو إلى الانفلات من وصاية الفكر؟ ويترتب من هذا، أن لحظة الحداثة في الكتابة الفلسفية، النظرية والعملية، عند الكاتب محمد المصباحي هي لحظة مركزية تم استجماع عناصرها ومكوناتها المنهجية والتأويلية والمعرفية في كتابه الأخير: ‘ من أجل حداثة متعددة الأصوات، ورش لفلسفات الحق والثقافة والسياسة والدين’ (منشورات دار الطليعة،2010). ولعل الرهان، من خلال النص المومأ إليه أعلاه، هو اعتبار أن التنوير هو الأفق الأعلى لكل فكر فلسفي عقلاني مهما تعددت الانتقادات وتباينت المراجعات لمقولة التنوير من قبل النزعات المابعد – الحداثية (post-modernisme). إذ أن ماهيته (التنوير) تبقى ثابتة، على الرغم من اختلاف أشكالها وإمكاناتها وأطيافها.

لقد أقر المغربي إلى بيان فرضيته المركزية من جراء اعتبار أن من داخل الحداثة هناك، في الحقيقة، حداثات أو خطابات أو أصوات تختلف من فليسوف لآخر وفق موجهات القراءة وآليات التأويل. وهذا بطبيعة الحال إجلاء لتصور تقليدي بائس يروم حصر الحداثة في عقلانية صارمة أو ذاتية مغلقة أو مثالية مطلقة ومدرسة اجتماعية واقتصادية كلاسيكية. على هذا الأساس، كان مقصد الكتاب هو التفكير في قضايا العقل العملي المتصلة بفلسفات السياسة والحق والثقافة ومجتمع المعرفة والتعدد الثقافي وحقوق الإنسان.. الخ.

ومن البين أيضا، أن من عناصر الرؤية المنهجية للدكتور المصباحي هو محاولته النظر إلى علاقة التراث بالحداثة في اطارعلاقة الكل بالجزء في سياق منطق جدلي لا تغيب فيه خصوصيات الهوية المرنة المستوعبة لمصائرها التاريخية ورهاناتها المستقبلية. بمعنى أدق لم يذهب كتاب: ‘ من اجل حداثة متعددة الأصوات’ إلى رفع شعار نقد التراث الفلسفي العربي ومراجعته الا بغية تحقيق أمرين أساسيين وهما:

أما الأمر الأول، فهو بيان مدى محدودية التفكير الفلسفي العربي مع الفارابي وابن باجة وابن رشد.. وهذا ليس محصلة بأن الكاتب يدعو إلى الانقطاع عن التراث ومعه، بقدر ما هو محاولة تفجير أسئلة واستشكالات فلسفية ونظرية رفيعة تكون كمنفذ لترسيخ قناعة فكرية مفادها أن للتراث مناحي وأصواتاً وفقه المنطق الفينومينولوجي الذي يعتبر أن المعنى ملتصق بالذات ومدى قدرتها على إضفاء الدلالات عليه (أي التراث). وأما الأمر الثاني، فهو التماهي مع الفكر الكوني العالمي المتجلي في تيارات حقوقية وإنسانية تحررية.. والتي تدعو إلى الإنارة والتنوير والأنوار، وتكرس العقلانية والمعاقلة والعاقلية والتعاقل.. عن طريق تقويض القصور الذاتي والموضوعي.

لقد كان الجمع بين تقويض التراث من الداخل ومحدوديته وما بين إبراز التعدد الخطابي أو الإشكالي، إن صح التعبير، في مسارات الحداثة وما بعدها عن طريق استثمار مفاهيم ومقولات مركزية في قراءة فلسفات الحداثة، وذلك لم يتحقق الا بشرط إفراغها، أي المقولات الأرسطية التقليدية، من مضامينها ومحتوياتها الإيديولوجية والمذهبية، وهذا آية على مكنة الرجل في ترسيخ معالم الإبداع الفلسفي العربي. فانظر كيف يعمل المصباحي على توظيف نظرية القوة والفعل، ونظرية الفعل والانفعال، في بناء دلالات جديدة في جوف الحداثة الغربية.. وهكذا، جاء كتاب: ‘من أجل حداثة متعددة الأصوات’، كتعبير قوي عن محاورته لفلاسفة محدثين من أمثال: هوبز وكانط وهابرماس وهيدجر ومحمد عزيز الحبابي وناصيف نصار والعروي.. الخ. وهو اختيار يشي بان الأمر يتعلق بقناعة فكرية راسخة، تتمثل بضرورة إيجاد فضاء متعدد لجميع الهويات والجماعات الثقافية والحساسيات الفكرية والسياسية، بعيدا عن ترسيخ ثقافة الكلام عن الحق باسم الإنسانية، لان ذلك سلب حق الغير في التعبير عن ذاته. ولعل ‘الفعل بما هو إنساني يفترض اعتبار الآخر ذاتا لا موضوعا'(من أجل حداثة متعددة الأصوات، ورش لفلسفات الحق والثقافة والسياسة والدين’/دار الطليعة،2010-ص160)، وهذا هو معنى التنوير الكانطي الذي يتأسس عن طريق ‘ تخليص الذات من جبنها وكسلها'(المصدر ذاته، ص،15)، وتحريرها ‘ من وصاية الغير… وتوجيهه لها’ (المصدر ذاته، ص15). وينتج عن هذا، أن الحرية هي محركة ‘ الحداثة وصورتها وغايتها في آن واحد’ (المصدر ذاته،-215). أخال أن ‘ كانط’ قد عمل على ترسيخ هذه الحرية في تفكيره في الدين من حيث هو دين خالص. يقول الصباحي: ‘ لذلك كان لا بد من وجود الفاعل هو الحرية، وان كانت من الأشياء في ذاتها'(المصدر ذاته، ص41). ومن المؤكد، أن تطوير هذا التصور الفلسفي الحداثي لفكرة الدين قد كان من قبل ‘ هابرماس’ أيضا الذي اعتبر أن مسألة ‘ التعدد الثقافي’ هو من ‘ نتائج الإقرار بتعدد العقل والعقلانيات والتخلي عن الإيمان التقليدي بفعل الحداثة الواحد ووحدانية كلية وشمولية'(المصدر ذاته، ص81). وهكذا، ان مبدأ المساواة والحرية لا يتم الا من خلال الالتزام بقواعد ‘ النقاشات الديمقراطية التي تسعى للوصول إلى حلول وسطى مبنية على أسس عقلانية وملبية مصالح الجميع'(المصدر ذاته، ص 88 و89)، إذ أن الثقافات التراثية، كما يقول د. المصباحي، لا تضمن بقاءها الا عن ‘ طريق العمل على تجديد نفسها بنفسها في ظل التغيير المستمر الجاري في عالم اليوم'(المصدر ذاته، ص115). وغني عن البيان، أن ‘ ليو شتراوس’، كما يقدمه الكتاب، صوت آخر من أصوات الحداثة الذي يروم العودة إلى تاريخ الفلسفة من ‘ أجل تأسيس اللاهوت السياسي’. يقول المصباحي في هذا المعرض: ‘ كان مشروع شتراوس السياسي يرمي إلى ربط السياسي بالديني، يتوسط الفلسفة أو بالأحرى أزمة الحاضر’ (المصدر ذاته، ص157). من المعلوم أيضا، أن تطوير المصباحي لفرضيته لم يتم الا عن طريق بيان محدودية فلسفة ‘ هوبز’ السياسية، كوجه من أوجه الحداثة، والتي أقل ما يقال عنها أنها بعيدة عن ‘ الحساسية المعاصرة لحقوق الإنسان'(المصدر ذاته، ص67)، وذلك بعلة بناء ‘ هوبز’ لعملية إدماج حقيقي ما بين ‘ المصلحة الخاصة بالمصلحة العامة’ عن طريق ‘ الواحد بالعدد’. وهو ارتداد صارخ على التنوير الكانطي من داخل فكر الحداثة ذاته. وكأن الحداثة لا تتمخض الا من بؤرة التناقض والتضاد.

والحاصل، بالتبعة، أن محاور الكتاب الأربعة إنما تتخللها وجهات نظر نقدية تتجلى في مظهرين.

فأما المظهر الأول، فينجلي في عملية بناء ـ المؤلف – لرؤية جديدة للتراث الفلسفي العربي القروسطوي عن طريق بيان محدوديته المضمونية والمعرفية وانسداد افقه التاريخي. يقول المصباحي في سياق نقد فلسفة ابن باجة: ‘ فمثلا عندما كان يفكر ابن باجة في مفهوم ‘ الاتصال’ مع العقل الفعال، فقد كان يفعل ذلك انطلاقا من المفاهيم العلمية مما أدى به إلى أن يزج بفكره في طريق مسدود'(المصدر ذاته، ص58)، ويقول كذلك: ‘ وبهذه الجهة، لم يكن كانط يخشى ـ كما كان بالنسبة لابن رشد – من تنوير الشعب والجمهور..'(المصدر ذاته، ص22 و23)، بل امتدت هذه الرؤية النقدية الجذرية الى تقويض مرتكزات الفكر الفلسفي العربي على وجه العموم المتمثل في غياب ‘ الذات’ لأننا لم نستطع بعد تحقيق حتى لحظته الأساسية والأصلية، لحظة الذاتية'(المصدر ذاته، ص25)، على الرغم من وجود عمليات البحث عن الحلول للمأزق الفكري والوجودي من قبيل تجريح مسار المقاربة التوحيدية بدل المقاربة التقابلية، والتي هي’ مقاربة تنظر إلى العقل الإنساني بوصفه عقلا واحدا، وأن الاختلاف فيه ينحصر في كيفية ملء مقولاته وجهة استعمالها (الزمان، الفعل، الانفعال، الأخلاق، المواطنة، وحقوق الإنسان..)، فتكون العقول كالشرائع واحدة بالقوة كثيرة بالفعل.'(المصدر ذاته، ص234). وأما المظهر الثاني فيتمثل في رصد المؤلف لحالة المغرب المعاصر وما طرأ عليه من تحولات ايجابية من رفع المحنة عن الفلسفة، وافساح المجال لحقوق الإنسان.. بيد أن الأمر ما زال وفق تعيينات تشخيصية التي قام بها د. المصباحي تتطلب’ القيام بما يشبه ثورة ثقافية أو أخلاقية، يكون هدفها إعادة ثقة الإنسان المغربي في موطنته ووطنيته، أن يتصالح مع انتمائه لدولته ووطنه..'(المصدر ذاته، ص202)، وهذا معناه أن استرداد الإنسان المغربي لكرامته هو أن يعامل ‘ كذات لا كموضوع. وهذا هو طريق حداثتنا في هذه اللحظة’ (المصدر ذاته، ص202). ويتحصل من جميع ما تقدم، أن التفكير في الحداثة من قبل محمد المصباحي لم يكن الا من أجل إبراز محدودية التراث الفلسفي العربي وتخلفه عن ركب الحداثة والتنوير والحرية والحق والتعدد الثقافي الخ، هذا من جهة أولى. وأما من جهة ثانية، فهو العمل المستمر والدؤوب على النظر والتأمل في التراث في اختلافه وتكوثره، وتعدديته، في منأى عن التطابق والهوية، وفحص الحداثة في تعدد أصواتها وتنوع خطاباتها، وتنوع تياراتها الفلسفية والفكرية والمنهجية والتأويلية.. وهذا هو رهان الفيلسوف في ارتباطه مع تاريخ الفلسفة، لرسم طريق الاستقلال الفلسفي العربي. كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية