اليوان “الضعيف” عندما يهدد الدولار “القوي”

إبراهيم نوار
حجم الخط
1

في سياق الحرب الاقتصادية الشاملة التي تخوضها الولايات المتحدة ضد الصين، يحاول الرئيس الأمريكي تجريد بكين من أحد مقومات قوتها الاقتصادية مبكرا. مصدر قوة الصين الذي لم تطوره ولم تستخدمه بعد، يتمثل في عملتها الوطنية “اليوان” الأضعف كثيرا قياسا إلى حجمها كأكبر قوة تجارية في العالم. نصيب اليوان في سلة عملات الاحتياطي النقدي العالمي حاليا يقل عن 2 في المئة مقابل حوالي 60 في المئة للدولار. المسافة بعيدة جدا بين اليوان والدولار، لكن ترامب يضغط بقوة على مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي لتخفيض أسعار الفائدة، بهدف إضعاف الدولار وشن حرب على اليوان. نتائج الحرب التجارية بعد عام تؤكد أن الصين لم تتأثر كثيرا، صادراتها إلى العالم إرتفعت في نهاية تموز/يوليو بنسبة 3.3 في المئة بينما وارداتها انخفضت بنسبة 5.6 في المئة، وكان أكبر انخفاض هو مع الولايات المتحدة بنسبة 20 في المئة تقريبا، مع تراجع في صادراتها إليها بنسبة 6.5 في المئة. الفائض التجاري الصيني مع العالم في تموز/يوليو زاد بنسبة 64 في المئة عما كان عليه قبل عام! لذلك فإن ترامب يضيف الآن سلاح الحرب ضد اليوان إلى أسلحة رفع الرسوم الجمركية، ووقف الصادرات التكنولوجية، وحصار الشركات الصينية الرائدة مثل هواوي.

المثير للدهشة هو أن الصين لم تتألم من محاولات ترامب شن حرب ضد عملتها، بينما هو يملأ العالم ضجيجا، متهما الصين بالتلاعب في سعر العملة، بينما اليوان في حقيقة الأمر، يرزح تحت ضغوط الحرب التجارية، والإضطرابات السياسية في هونغ كونغ، وتراجع معدلات النمو. وقد طلب ترامب توجيه مندوب الولايات المتحدة في صندوق النقد الدولي بتقديم شكوى رسمية ضد الصين بتهمة “التلاعب في أسعار اليوان”! الصندوق لم يعلق حتى الآن على الاتهام الأمريكي، لكن بعثته التي أنهت مؤخرا مهمة في بكين، طبقا للمادة الرابعة من اتفاقية عضوية الصندوق، أكدت أن سعر صرف اليوان يتماشى مع المتغيرات الاقتصادية الرئيسية في المدى الطويل.

الذي يسعى إليه ترامب بشكواه أمام صندوق النقد الدولي، هو الحصول على تأييد للاتهام، يبرر له فرض المزيد من الرسوم الجمركية الانتقامية ضد الصين قد تزيد عن 50 في المئة مقابل     35 في المئة حاليا. ويتردد الآن بقوة في أركان الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي، أنه يعتزم زيادة الرسوم الجمركية على الواردات من الصين إلى 45 في المئة، بهدف تخفيف العجز التجاري الأمريكي.

والحقيقة أن اتهام ترامب للصين بـ “التلاعب في سعر اليوان” لا يجد مبررا موضوعيا، حتى باستخدام المعايير الأمريكية التي وضعتها وزارة الخزانة في واشنطن. وطبقا لهذه المعايير فإن الولايات المتحدة تستطيع توجيه اتهام إلى أي دولة بالتلاعب في أسعار عملتها الوطنية، إذا حققت فائضا تجارية يصل إلى 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد قامت الوزارة بتخفيض هذه النسبة مؤخرا إلى 2 في المئة فقط، في محاولة لابتزاز شركائها التجاريين لشراء المزيد من البضائع الأمريكية. المشكلة التي يواجهها ترامب مع الصين، هي أن فائضها التجاري يقل عن 2 في المئة من الناتج المحلي، ومن ثم فإننا إذا افترضنا في أسوأ الأحوال إخضاع الصين للمعايير الأمريكية، فلن يسفر ذلك عن الحصول على دليل يثبت تورطها في “التلاعب” بقيمة عملتها.

وقد علت صيحات الرئيس الأمريكي ضد (اليوان) منذ 5 آب/أغسطس الحالي، عندما هبطت قيمة العملة الصينية إلى أقل من 7 يوان مقابل الدولار، وهي القيمة الوسطى التي استقر عندها معدل التبادل بين العملتين خلال السنوات العشر الأخيرة تقريبا. وربما اعتقد ترامب أن بنك الشعب الصيني “البنك المركزي” قام عمدا بتخفيض سعر صرف اليوان، ردا على عزم الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية إضافية على ما تبلغ قيمته 300 مليار دولار من وارداتها من الصين إعتبارا من أول أيلول/سبتمبر المقبل. لكن الحقيقة أن الصين تقاوم التأثير السلبي للرسوم الجمركية الإضافية بطرق أخرى، منها زيادة المبيعات في السوق المحلية، وفتح أسواق جديدة لصادراتها، وإعادة توطين الكثير من الصناعات الصينية في الخارج، خصوصا في فيتنام وإندونيسيا والفلبين وكمبوديا والهند، والانتقال إلى الصناعات التكنولوجية عالية القيمة المضافة، كما أنها تتحمل أيضا تراجعا في معدلات النمو. ومن أجل المحافظة على استقرار قيمة اليوان، وهو أمر ضروري للمحافظة على التماسك الاقتصادي الداخلي، فإن بنك الشعب الصيني تدخل في الأيام الأخيرة، لرفع السعر إلى مستوى 7 يوان للدولار.

وتعتمد فلسفة السياسة النقدية في الصين، على توفير درجة عالية من المرونة لسعر صرف اليوان مقابل العملات الرئيسية، وذلك لخدمة احتياجات التنمية الاقتصادية. ومن هنا فإن التلاعب في أسعار العملات أو في معدلات الفائدة على الإيداع والاقتراض غير مسموح به، لأنه يمثل خطرا على عملية التنمية. ويتمسك البنك بسياسة نقدية مرنة، تتيح للعملة الوطنية القدرة على مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية بجدارة، وبأقل قدر ممكن من الخسائر. ومع أن اليوان “الضعيف” يمكن أن يعزز القوة التنافسية للصادرات الصينية أكثر وأكثر، فإن مضاره قد تتجاوز هذا المكسب. ومن أخطر هذه المضار تقليل الثقة في العملة، وهروب رؤوس الأموال إلى الخارج. ونظرا لأن الصادرات الصينية تستحوذ على نصيب كبير في أسواق العالم، فإن المحافظة على قدرتها التنافسية يتطلب أولا ضمان استمرار نمو الإنتاج بمعدلات مرتفعة، ويتطلب ثانيا الانتقال من صناعات قليلة القيمة المضافة مثل الأثاث والأقمشة إلى صناعات تكنولوجية عظيمة القيمة المضافة مثل أجهزة الذكاء الاصطناعي وأنظمة الاتصالات المتقدمة، ومعدات إنتاج الطاقة المتجددة وصناعات الطيران والفضاء. الصين لا تنافس الولايات المتحدة في نطاق الحلقات الأدنى من الإنتاج، مثل فول الصويا واللحوم البترول والغاز، وإنما تسعى إلى تكريس تفوقها في مجال الصناعات المتقدمة. ولتحقيق ذلك يجب أن يتمتع الاقتصاد بقدر كبير من الاستقرار النقدي واستقرار سعر العملة الوطنية والبعد عن التقلبات والصدمات.

وبينما يتجه دونالد ترامب إلى اختيارات قصيرة المدى، ضيقة الأفق في حربه الاقتصادية مع العالم، مثل تسييس أسعار الفائدة والرسوم الجمركية، فإن الصين تعمل بثبات في اتجاه توسيع وتطوير طاقاتها الإنتاجية، والمحافظة على معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادي، خصوصا في قطاعات الصناعات المتقدمة. وعلى الرغم من أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين انخفض في النصف الأول من العام الحالي إلى 6.3 في المئة فإن هذا المعدل يظل أعلى من ضعف معدل النمو الذي حققته الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها والذي بلغ 2.8 في المئة. هذا المعدل السريع للنمو في الصين، على الرغم من أنه يقل عن معدلات النمو التاريخية التي تحققت خلال العقود الماضية، إلا أنه يضمن استمرار تسارع النمو والتقدم على طريق كسب معركة المنافسة الاقتصادية ضد الولايات المتحدة.

في حربه الاقتصادية مع الصين يردد الرئيس الأمريكي حججا واهية، مثل أن الصين تسرق التكنولوجيا الأمريكية ثم تعيد تصديرها إليها، ومثل أن الصين تتعمد تخفيض سعر اليوان من أجل زيادة القوة التنافسية لمنتجاتها في أسواق العالم، بينما هو فشل في تقديم خطة اقتصادية واضحة المعالم من أجل زيادة قدرة الولايات المتحدة على المنافسة، مكتفيا بإصدار قرارات لفتح الولايات المتحدة أرضا وبحرا للتنقيب عن النفط والغاز، حتى أصبحت فعلا أكبر منتج للنفط في العالم. إن هذه السياسة التي يستند إليها ترامب قد تتسبب فعلا في حدوث أضرار قصيرة المدى للمنافسين مثل الصين، لكنها لن توقفهم عن التقدم، ولن تساعد واشنطن على التوسع في أسواق العالم، خصوصا أسواق المنتجات المتقدمة التي يتسع نطاق تصنيعها في الصين لأنها أكفأ من الناحية الإنتاجية، وأكثر قدرة على المنافسة من الناحية التجارية.

الأسوأ في حربه الاقتصادية مع الصين لم يواجهه ترامب بعد. ويتمثل الأسوأ في أن بكين تنفذ بهدوء شديد خطة طموحة طويلة الأجل لتحويل اليوان إلى عملة دولية واسعة التداول. وهي في ذلك تستخدم العديد من الأدوات والسياسات، مثل زيادة احتياطيها من الذهب، وتقليل نسبة ما تحتفظ به من الدولار، والتوسع في عقد اتفاقات لتسوية المبادلات باستخدام العملات الوطنية مقابل اليوان، ومنح القروض، وتمويل احتياجات مشروعات مبادرة الحزام والطريق باستخدام اليوان. وتستهدف الصين بلا مواربة حاليا أن يصبح اليوان هو ثالث أكبر عملة متداولة في العالم بعد الدولار واليورو خلال العقدين القادمين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية