حوار مع يشار كمال

في الفرع التركي لمتحف مدام توسو لتماثيل الشمع، الذي افتتح منذ حوالي عامين ونصف العام، في وسط شارع الاستقلال الشهير في إسطنبول، وضم تماثيل بالغة الدقة لمشاهير أتراك وعالميين، من التاريخ والعصر الحاضر، وقريبا من المدخل يوجد تمثال لرجل جالس على مقعد، يرتدي بدلة زرقاء ورباط عنق أزرق، وتبدو يداه متحركتين، كأنهما تفسران حديثا غامضا مع أحد ما.
قد يبدو ذلك الرجل غامضا لكثيرين جاءوا لالتقاط الصور مع الممثل توم كروز، الذي يركب دراجة بخارية، لا بد شارك بها في مغامرة، أو ليونيل ميسي، ساحر الكرة، أو ديفيد بيكهام، أو حتى مع ممثل مثل بروس ويليز، أو مغن مثل التركي باريش مانجو، الذي كان من رواد الروك في تركيا، وصنع مجدا للموسيقى في تلك الأنحاء في فترة ما، ومات في سن مبكرة، لكن الرجل الجالس، لن يكون غامضا لمن يتابعون حركة الأدب، ويلتقطون السير والكتابات الجيدة من هنا وهناك، إنه يشار كمال، أحد أهم كتاب القصة والرواية في تركيا، وتبدو أهميته من كونه رائدا حقيقيا لفن الكتابة، ورجلا عاش سنوات طويلة، ظل ينتج فيها بلا كلل، فكان أن كتب القصة والرواية والسيناريو، وشارك في أحداث ثقافية وسياسية، وحصل على جوائز أيضا.
تعرفت إلى تمثال يشار كمال بسهولة، وجلست أستمع إلى حديثه المتخيل، الذي توضحه حركة اليد، وربما كان حديثا ساخرا لأن عينه اليمنى كانت مغلقة، أو في حالة غمز، وتلك من علامات حديث السخرية، الذي أتقنه يشار كمال في كتاباته، ونجد حتى عناوين بعض رواياته، يحمل تلك المعاني المغطاة بالسخرية، هنا أشير إلى كاتب آخر من جيل كمال، وترجم الكثير من سخريته إلى اللغة العربية، هو عزيز نسين، صاحب القصص القصيرة التي تنسج بفن عال، وتحول فكرة بسيطة جدا، إلى مؤثر انفعالي رهيب، ينتزع الضحكة من أي عمق تكون فيه.
لم يكن المتحف مزدحما، قريبا من موقع يشار كمال، كان يشاركه الحجرة وليام شكسبير، الذي تحسه واقفا متعجلا، بعكس كمال الذي تبدو جلسته راسخة كما قلت، ومستعدا للحديث. كان الزوار يمرون بسرعة في تلك الحجرة، فارين إلى مواقع نجومهم، وبالتالي كان ثمة متسع من الظروف لأحاور كمال بخيال تعود على مثل تلك الحوارات، وأتلقى منه إجابات يصيغها الخيال أيضا، ولعلها تكون قريبة من لغته التي كتب بها «محمد النحيل» و»جناية سوق الحدادين» و»الطيور المجنحة» وغيرها من عشرات الروايات والقصص القصيرة والمقالات، وحقيقة أنا يعجبني مثل هؤلاء الكتاب الذين لم يستلوا المعرفة من المدارس والجامعات، وإنما من دروب الحياة ودهاليزها، وسراديبها أيضا، وقد ولد كمال في زمن بعيد، زمن كانت تسيطر فيه عصابات محلية على القرى، وكان خاله من زعماء تلك العصابات، ولعل وجوده في وسط كهذا منحه قدرا من الحكايات لن يتوفر لغيره من الكتاب، وحتى الكتاب الأتراك الذين أتوا بعد ذلك، مثل أورهان باموق، وإليف شافاك، ونديم قل، هؤلاء سيكتبون الحاضر كما عاشوه، وسيكتبون التاريخ كما يتصورونه، أو كما ورد في الكتب التي دونته، لكن الحكايات القديمة الحية، صعب توافرها في الحياة الروتينية التي نعيشها الآن، وقد جربت ذلك في كتابتي، حين كنت أعيش لفترة في بلدة بعيدة في شرق السودان،حيث تتوفر مثل تلك الأجواء والحكايات وقد شكلت تلك الامتصاصات من هناك، خامات جيدة ما تزال تنسج في كتابتي حتى الآن، أشياء يمكن تصديقها، وأشياء لا يمكن تصديقها أبدا، فقط للذين يعرفون بإمكانية حدوثها.

لم يكن المتحف مزدحما، قريبا من موقع يشار كمال، كان يشاركه الحجرة وليام شكسبير، الذي تحسه واقفا متعجلا، بعكس كمال الذي تبدو جلسته راسخة كما قلت، ومستعدا للحديث.

جلست كثيرا أحاور الكاتب العجوز الموهوب في زمانه، الذي ترك إرثا جيدا لعشاق الكتابة القصصية الجيدة، سواء كانوا من مواطنيه المحليين، أو غيرهم، حيث أن بعض أعماله ترجمت للغات كثيرة مثل الإنكليزية والفرنسية، والفارسية وغيرها. وحين نهضت لأذهب وأتفقد باقي تماثيل المكان المتنوعة، خلت عينه المغمضة تنفتح فجأة وتنغلق مرة أخرى.
أيضا لفت نظري أن حجرة يشار كمال، تأتي مباشرة بعد الحجرة التي يوجد فيها تمثال المعماري المشهور سنان، وهو كما تصوره النحات، رجلا متوسط القامة، شعره كثيف وأبيض يتدلى حتى كتفيه، ولعل سنان من مشاهير المعمار في العالم، وهو الذي وضع أساس العمارة الإسلامية الذكية، ليس من ناحية الشكل فقط ولكن من ناحية دخول الشمس إلى المكان، وانعكاسات الضوء، وغير ذلك من المميزات المكانية التي يعرفها مهندسو المعمار.
الحقيقة، إن وجود كاتب مثل يشار كمال، من ضمن مجموعة مختارة من السلاطين القدامى والنجوم الموسيقيين والرياضيين، وكمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، يعطي انطباعا جيدا على احتفاء تلك الدولة بكتابها أيضا، واعتبارهم نجوما يستحقون أن يخلدوا مثل الرياضيين والفنانين، صحيح أنه كاتب واحد فقط بينما يوجد عشرات غيره، غائبين عن المكان، «وكنت أتوقع وجود أورهان باموق باعتباره التركي الحاصل على جائزة نوبل، لكن لم أجده»، إلا أن المكان يعتبر صغيرا، وكان لا بد من اختيارات، وتم اختيار ممثل للكتابة الجيدة، ولعل كتابا آخرين يضافون في المستقبل، وكان من الممكن أن يكتفي المتحف بالسلاطين والممثلين أمثال (مهند) الذي يحظى بأكبر قدر من الصور معه، لذلك لا بأس.
اسطنبول عموما، تحتوي على علامات كثيرة بجانب متحف الشمع، يمكن الوثوق بإبهارها، والذهاب إليها في نزهة، ولا أعني أماكن الترفيه، فتلك يمكن العثور عليها في أي مكان وأعني أماكن المعرفة، فنحن نعيش في زمن كثرت فيه مصادر المعرفة، لكن ليست كلها صحيحة، خاصة مع وجود الإنترنت، فالذي يستطيع دخول الإنترنت، يستطيع أن يكتب ما يخطر بباله، وهناك من يؤلفون تاريخ الأمكنة وينشرونه، ومن يكتبون سيرا خاطئة لرموز رحلوا وينشرونها أيضا، وتبقى الآثار والكتابات الأصلية، في الأماكن المتخمة برموز الحياة الماضية، هي معيارنا لمعرفة شيء من تلك الحقب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية