جولييت بينوش… فنانة تشكيلية

حجم الخط
0

بيورت- القدس العربي»: تفاصيل صغيرة هي التي تكشف- ربما- مستوى الممثل الحقيقي، ومدى احتواءه للشخصيّة التي يؤديها، حيث أنّ الجميع قادر على الصراخ وحفظ أسطر طويلة، لكن القدرة على تحويل حركة صغيرة إلى مفتاح للشخصيّة، وتحويل الوجه إلى لوحة فنيّة هو أمر آخر، ومستوى آخر. جولييت بينوش الممثلة الفرنسية الحائزة على «الأوسكار- 1996» تلعب في فيلم «كلمات وصور» دور الفنانة ومدرسة الفن «دينا ديلسانتو» المريضة بنوع خاص من التهاب المفاصل، يعيق حركتها وقدرتها على الرسم، وتقول في مشهدٍ متقدّم في الفيلم لتلميذتها: (لقد اعتدت أن ارسم ما أنظر إليه ويستحوذ على انتباهي، لكنني الآن أحاول أن أنظر إلى ما يمكنني رسمه). في الفيلم تكرّر «ديلسانتو» لأختها أنها قادرة على العناية بتفاصيلها الخاصة لوحدها، وهذا التكرار من مفاتيح قراءة الشخصيّة، إلاّ أنّ حركة يدها الممسكة بالفرشاة وهي تلوّح بها بنزقٍ يمتزجُ فيه الترفّع بالغضب، في حركة ليست مبالغ بها، ولا مصطنعة، تستوقف المتفرّج.
إلاّ أنّ القراءة أكثر حول فيلم المخرج الاسترالي «فريد تشيبسي Fred Schepisi» تكشف لنا أنّ بينوش التي بدأت مسيرتها الفنية في الخامسة عشر من عمرها في مدرسة خاصة بدراسة الفنون هي التي رسمت اللوحات المعروضة في الفيلم، والتي تنفّذها «دلسانتو» خلال معركتها مع أستاذ الأدب الإنكليزي في المدرسة الإعدادية (جاك ماركوس- كلايف أوين).
الفيلم الذي يحتفي بالكلمات والفن، يتطلّب منّا دقّة مماثلة، فهي ليست معركة بل هو «نِزال» بين عاشقين للفن، الأوّل يرى أنّ الكلمات مخادعة، والصور هي الأقدر على إظهار الحقيقة كما هي، بقسوتها وآلامها، والثاني يرى أنّه: (في البدء كانت الكلمة). نِزال يثير اهتمام كلا المتنازعين والطلبة الذين تخندقوا خلفهما، وهذا كل ما يتطلبه الأمر، حماسة ومشاكسة تهب رونقاً لليوم الروتيني. إلاّ أنّ النزال غير عادل في حقيقة الأمر، لأسبابٍ كثيرة، من أهمّها أنّ شكل قص حكاية النزال هذا هي السينما، وهو فنٌ بصري. يُضاف إلى هذا حضور «بينوش» الآسر التي تتجاوز دورها من ممثل ممتلئ بالشخصية الدرامية التي يؤديها، من طرفٍ في النزال، إلى لون يمتد على مساحة الشاشة البيضاء، وكأنّ الفيلم بورتريه عن هذه الشخصية. «بينوش» هنا لا تؤدي، بل هي «تلعب» كما في المعنى الأصلي لكلمة «لعب/ PLAY» والتي منها اشتقت مرادفة «PLAY- مسرحية». مُعيدةٌ لنا في رهافة أدائها وقوّتها الشخصية مسحات من أداء «ميرل ستريب» في الفيلم الشهير «جسور بلدة ماديسون تاون» (1995)، في غضبها المكبوت وآلامها كفنانة نجد أنفسنا أمام لوحة أكثر مُعاصرة للفنانة المكسيكية «فريدا كاهلو» (1907-1954)- إن جاز لنا القول- وفي ابتسامتها الطفولية تذكر بالسحر الذي لفّ عملها في كل من «أزرق» (1993)، و»شوكولا» (2000).
البارز الذي يكسر من رتابة الفيلم هو «التكنيك»، فكما طلبت «كاهلو» وضعَ مرآة فوق سريرها وهي مستقلية والمعدن يُلملم جسدها المُتهشّم، لتشكل هذه المرآة (وسيلة) من وسائل الفنان في الرسم، تبحث «ديلسانتو» عن استعاضات تمكنها من الرسم وجسدها يخونها. فتتحوّل كرسي المكتب إلى وسيلة، وتتحوّل أداة معدنية مُعلّقة بالسقف إلى وسيلة، الأولى جسد، والثانية يد. هذه ليست إكسسوارت في الفيلم، وإن كانت كذلك في حياة معظمنا، في استطالات لروح وجسد فنان. وقد استغلّ المخرج خبرة «بينوش» فصوّر المشاهد وهي ترسم، ليتحوّل الرسم هنا إلى مستوى آخر، إلى جزء من عملية فنية أخرى، وهو بدوره خلقٌ فني.
إلاّ أنّ هذا لم يُخفف من رتابة خفيّة تتسللّ إلى المشاهد، ربما يكمن سببها الحقيقي في الظلم الذي جرى في ضوءه النزال الدرامي، فالنص الذي كتبه «جيرالد ديبيغو» لم يحتفِ بالكلمات كما يجب، أكثر من الاقتباسات، دون أن يمسك جوهر الفكرة بمتانة، بل بقي استعراضاً للكلمات، يقترب أحياناً من الثرثرة، وهذا حين تبقى الكلمات المفككة لا تنجح في تشكيل وحدّة درامية متناسقة والمشهد، خاصّة أمام لوحات «بينوش» التي أجاد الطاقم الفني تصويراً (إيان بيكر)، ومونتاجاً (بيتر هونس) إبرازها وتسليط الضوء عليها، لتعوّض عن قلّة كلام «ديلسانتو» وهو ما يتناسب درامياً وشخصيتها، وحتى الموسيقى التي اشتغل عليها (باول غرابوفسكي) تموضعت في سياق انحاز بالفيلم إلى مصلحة «ديلسانتو» والصور.
إلاّ أنّ الفيلم في مُجمله يأتي كتحيّة (حُبْ) إلى أفلام الدراما الرومانسية، التي يخف بريق مسحتها الفنيّة المُشعّة رويداً رويداً في عصرنا الحديث الذي ينتصر للمكننة على الكلمة والصورة، مُفككاً التواصل الاجتماعي، مُفرغاً الأحلام من وَهجها، محوّلاً الصورة إلى شريط إخباري مُزيّف أو دعائي.

يارا بدر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية