ثلاث عواقب لوقف العمل بمعاهدة الصواريخ متوسطة المدى

فالح الحمراني
حجم الخط
0

بعد ان تجاهلت واشنطن وموسكو دعاوى بعضهما على البعض الآخر بشأن الالتزام بأحكام المعاهدة التي تشكل أحد أعمدة الأمن الدولي، شهدت الساحة السياسية العالمية في الثاني من آب/أغسطس الحالي، حدثا قد تنطوي تداعياته على نتائج خطيرة، بما في ذلك على منطقة الشرق الأوسط، ويدفع لتفعيل عملية العودة إلى سباق التسلح، ويعمق من جديد الانقسام الدولي، ويضع العالم، كما كان في الحرب الباردة السابقة، تحت هراوة استخدام أسلحة الدمار الشامل. وتبقى معاهدة سالت 3 الموقعة عام 2010 الوحيدة سارية المفعول بين روسيا والولايات المتحدة بصدد الحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية.

بمبادرة من الولايات المتحدة الأمريكية أوقف في الثاني آب/أغسطس سريان مفعول معاهدة تصفية الصواريخ المتوسطة والقريبة المدى، التي أبرمها الرئيسان حينها الأمريكي رونالد ريغان، والسوفييتي ميخائيل غورباتشيف في واشنطن عام 1987. وكان الرئيس الأمريكي الحالي ترامب قد أعرب في العام الماضي عن نيته الانسحاب من هذه الاتفاقية، وانهال على موسكو بوابل من التهم بانتهاك هذه الاتفاقية. فيما قال وزير الخارجية الأمريكية بهذا الصدد: “في 2 شباط/فبراير منحت الولايات المتحدة روسيا نصف عام للعودة إلى تنفيذ معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى” وزعم ان روسيا رفضت ذلك، لهذا فان سريان مفعول المعاهدة ينتهي مع انتهاء المهلة التي حددتها واشنطن في الثاني من آب/اغسطس الحالي. وحسب تقديره: “أن روسيا وحدها تتحمل المسؤولية عن ذلك”.

ويرى المحللون أن خروج الولايات المتحدة من المعاهدة سيؤدي إلى ثلاث عواقب سلبية على الأمن الدولي: أولا: سيتم انزال ضربة منهجية في النظام القائم على الرقابة على الأسلحة النووية، وثانيا: سيؤدي هذا إلى تعقد الأوضاع في أوروبا، وآسيا، ومنطقة آسيا ـ المحيط الهادي، وثالثا: سيكون من الصعب عقب إضعاف الرقابة على الأسلحة، إقامة نظام مؤتمن في مجال التكنولوجيات.

وفي الرد على تجميد الولايات المتحدة مشاركتها في الاتفاقية، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في الرابع من آذار/مارس الماضي على مرسوم يقضي بوقف موسكو تنفيذ أحكام معاهدة تصفية الصواريخ متوسطة وقريبة المدى. وكانت روسيا باعتبارها الوريث الشرعي للاتحاد السوفييتي ملزمة بالامتثال لأحكام هذه المعاهدة. ويذكر ان هذه المعاهدة حظرت على الطرفين إنتاج ونشر وتطوير الصواريخ البالستية والمجنحة ذات المرابطة الأرضية مدى من 500 إلى 5500 كم، وحظرت كذلك نشر وتطوير وإنتاج منصات لإطلاقها. وأفادت روسيا أنها وحتى حتى عام 1991 قامت بتصفية 1846 صاروخا من هذا النوع. واكتفت الولايات المتحدة بتصفية 846 وأبقت جزءا من ترسانتها لأغراض التدريب، وقامت بتفكيك الرؤوس من الصواريخ البالستية التي لم تجرِ تصفيتها. وتلزم اتفاقية معاهدة تصفية الصواريخ المتوسطة والقريبة المدى الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا حاليا تصفية صواريخ “أر سي دي ـ 10” و “بي ـ 12” و “بي ـ  14” البالستية، والمجنحة ذات المرابطة الأرضية “بي كي ـ 55” و “أوتي بي ـ “22 و “اوتي بي 23 اوكا”. فيما فرضت على الجانب الأمريكي تصفية صواريخ ” بيرشينغ -1أي” و”بيرشينغ ـ 2″  البالستية، والصواريخ المجنحة “توماهوك” ذات المرابطة الأرضية.

وتنحصر دعاوى واشنطن بصدد عدم مراعاة موسكو أحكام المعاهدة، على إنتاج موسكو لصاروخ مجنح من طراز 9M729. وتؤكد واشنطن ان هذا الصاروخ حلق خلال إجراء التجربة عليه في ميدان “كابوستين يار” إلى مدى أبعد من 500كم، فيما تصر روسيا على أن أقصى مدى لهذا الصاروخ هو 480 كم. وكانت موسكو من جانبها قد لفتت أنظار واشنطن إلى الطائرات الضاربة، من دون طيار التي تماثل وفق تقديرها، الصواريخ متوسطة المدى. وتشير روسيا أيضا إلى ان الولايات المتحدة تستخدم، خلال أجراء تجارب على نظام الدفاع المضاد للصواريخ، صواريخ تتمتع بمواصفات الصواريخ متوسطة المدى. وأبدت موسكو في 2014 اعتراضها على نشر النظام المضاد للصواريخ في رومانيا وبولندا، التي حسب رأيها يمكن ان تنتهك أحكام المعاهدة المثيرة للجدل.

وتساور موسكو الهواجس من تداعيات وقف سريان مفعول المعاهدة، واحتمالات التحركات الأمريكية بعد ذلك، وخاصة العودة إلى نشر الصواريخ في أوروبا، كما كان عليه الحال في الحرب الباردة. ولم يستبعد نائب وزير الخارجية الروسية سيرغي ريابكوف احتمال نشر روسيا الصواريخ التي حظرتها المعاهدة، ردا على نشر أمريكا مثل تلك الصواريخ. ويرجح المراقب العسكري لصحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” أن الولايات المتحدة ستنشر هذا النوع من الصواريخ بالقرب من الحدود الروسية: في الشرق الأقصى، في اليابان وكوريا الجنوبية. وفي مسرح العمليات القتالية الأوروبي يمكن ان تنشرها في خط طويل بين بحرين: من البلطيق إلى البحر الأسود، وكذلك في النرويج. ويمكن ان ترد روسيا على ذلك بنشر أنظمة صواريخها البالستية والمجنحة، في فنزولا والهندوراس وكوبا، وكذلك في أقصى الشرق الروسي.

وضمن هذا السياق أشار الرئيس فلاديمير بوتين خلال اجتماعه بأعضاء مجلس الأمن الروسي إلى ان بلاده، وعندما تتأكد من أن الولايات المتحدة انتهت من تطوير وإنتاج صواريخ متوسطة وقريبة المدى، ستضطر للبدء في تطوير صواريخ مماثلة. وأضاف: أن الوسائل المتوفرة لدى روسيا في الوقت الحالي: من الصواريخ ذات المرابطة الجوية من نوع “X-101” و “كينجال” ذات المرابطة البحرية و “كاليبر” علاوة على المنظومات الواعدة بما في ذلك الأنظمة ما فوق الصوت من نوع “تسيركون” ستؤمن الرد على التهديدات الفعلية التي ستتعرض لها روسيا جراء خروج الولايات المتحدة الأمريكية من المعاهدة. وقال بوتين “إن مسؤولية ما حدث يقع بالكامل على الجانب الأمريكي”. وكلف الرئيس الروسي وزارتي الدفاع والخارجية، ومؤسسة الاستخبارات الخارجية الروسية، بمراقبة خطوات الولايات المتحدة اللاحقة، بتطوير الصواريخ المتوسطة والقريبة المدى ونشرها. وحسب رأيه فإن تحرك الولايات المتحدة الذي أفضى إلى تصفية المعاهدة “سيجر خلفه تعويم وزعزعة القاعدة التي يقوم عليها الأمن العالمي بما في ذلك معاهدة الأسلحة الهجومية الاستراتيجية ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”. ومثل هذا السيناريو، كما يؤكد بوتين،  “يعني استئناف سباق التسلح من دون رادع، ولتجنب الفوضى، التي لا توجد فيها قواعد وقيود وقوانين، يجب علينا مرة أخرى أن نزن جميع العواقب الخطيرة المحتملة وبدء حوار جاد” وأضاف” إن روسيا مستعدة لذلك”.

وأحدث وقف سريان مفعول المعاهدة على وجه السرعة استقطابا دوليا واضحا. وضمن هذا السياق اتهم الأمين العام لحلف الناتو يينس ستولتينبيرغ روسيا “بالاستخفاف” بالقواعد والمعايير، مما أدى، في رأيه، إلى وقف سريان مفعول المعاهدة. وقال: “إن الصواريخ الروسية الحديثة متنقلة، ومن الصعب الكشف عنها، وأنها تختصر وقت الإنذار لعدة دقائق، وتخفض من سقف استخدام الأسلحة النووية في النزاعات المسلحة” مضيفا: “أن هذا يجعل العالم أقل أمنا للجميع”. من ناحيتها قالت الصين، إنها وروسيا ستقويان التعاون الاستراتيجي، وتتصديان لخطط أمريكا في نشر صواريخ متوسطة المدى في آسيا، وحذرت اليابان وكوريا الجنوبية من المشاركة في الخطط الأمريكية تلك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية