محمد الأمين سعيديما الفرقُ بين قصيدة جميلة ولوحة فنية مبهرة؟ بينها وبين قطعة موسيقية تسلبُ الروح؟ بينها وبين جرح يوضِّبُ أغراضه ويتركُ أثرا لن ينساهُ الجسدُ على كل حال؟ لا فرقَ أبدا ما دام الإبداعُ واحدا في الأخير، والمبدع الخلاَّقُ واحدا أيضا. كما أنَّ اليدَ التي كتبت القصيدة البهية ليستْ نقيضا لليد التي أسرتْ صورة هاربة في المخيالِ على صدر اللوحة، ولا هي نقيض لليد التي داعبتْ شهوة الأوتار وأجهشتْ بالروعة؛ هي ليستْ نقيضا لهما لأنَّ الإبداع واحدٌ وإنْ اختلفتْ عنهما بسبب اختلاف الحرفة وتغيُّر الأدوات.
وما دام الحديثُ عن الإبداعِ، هذا العالم الأوسع من أفهامنا الضيقة، فإنَّ الاقترابَ من مساءلة طبيعته أمرٌ مشروعٌ شرط أنْ يخلو من ادِّعاء الإحاطة به، أو معرفته معرفة تامة. لكن انطلاقا من النماذج الإبداعية الخالدة يظهرُ لنا الإبداع أبعد ما يكونُ عن تقديم الإجاباتِ لأنه يتكئ على السؤال ليختبِر مدى متانة اليقينيات التي تغمرُ هذا العالم، أو ليُدخِل الإنسان إلى مغامرة التساؤلات الكبرى والحفر عميقا في الوجود، في الذاتِ، في الماضي والحاضر والمستقبل، مغامرة تفتح باب الرؤى على مشراعيه لاستقبال كائنات المعنى المشاكسة، أو لتأثيث مدنٍ مستحدثة للمعاني تدفع إلى إعادة صياغة خارطة الاستيعابِ الإنسانيِّ للجديد وتقبُّله للمفاجئ والمربك على حدٍّ سواء.
لو أنَّ كائنا ما أعطيَ الاختيار فيما يجب أنْ يكون عليه: طائرا، إنسانا، زهرة، أسدا، نملة… إلخ، إنَّ الاختيارَ اليقينيَّ طبعا سيكونُ لهذا الكائن المحظوظ الذي أعطي له هذا الخيار المغري والمستحيل، لكنَّ اقتراح الإجاباتِ المحتملةِ المربكة والتساؤلات الأكثر إرباكا، ربما، سيكونُ من مهمة الشاعر أو الرسام، من مهمة المبدع عموما. وربما لو سألنا الشاعر الجاهليَّ تميم بن مقبل عن هذا الاحتمال لأجابنا بقوله:
ما أطيب العيش لو أنَّ الفتى حجرٌ تنبو الحوادث عنه وهْو ملمومُإنَّ هذا البيت الذي ينبي عن نفسية الجاهليِّ، كما يرى أدونيس، التي تخشى من هشاشة الإنسان وضعفه، وتسعى إلى كسر هذه الهشاشة والتغلب عليها في الآن ذاته، يحطم جميع آفاق توقع السامع الذي ينتظر أمنية تتناسب مع جملة: ‘ ما أطيب العيش’، وربما سيطرح المتلقي مرارا على نفسه هذا السؤال: هل يطيبُ العيش لو أنَّ الفتى حجر؟ ولو أراد القارئ الإجابة عنه لما استطاعَ لأنَّ وعيه الوجودي غير وعي تميم بن مقبل، وبيئته وظروفه غير بيئة وظروف الشاعر الجاهليِّ، ومن هنا تفرُّد هذا البيت وبقاؤه.
في أي عتبة من عتبات الإبداعِ نقفُ إذن؟ وبأيِّ وعي ٍ إبداعيٍّ وجماليٍّ نقتربُ من القصيدة أو القصة أو اللوحة أو الرواية؟ أحيانا يبدو الوعي بعسْر التجربة الإبداعية وبخصوصياتها أهمّ من ممارسة الكتابة أو الرسم أو الموسيقى، لأنَّ لوحات سلفادور دالي السوريالية مثلا سبقها وعي عميقٌ بالسوريالية كفلسفة وكجمالية، ولولا هذا الوعي الرهيبُ ما كنا، ربما، سنرى لوحات ذائبة كأنها الحلمُ موقعة باسم صاحب الشارب المِقَصِّيِّ، أقصد دالي.
إنَّ كثيرا من النظريات العلمية والتقنيات التكنولوجية تبدو أكثر أدبية وجمالية من نصوصنا المترهلة، وعلى الرغم من دقة تلك النظريات إلا أنَّ التفكُّرَ في أسسها وفي بلورتها يبدي عظمة الخيال الذي يختفي وراء تلك النظرية أو التقنية. شخصيا قد أقرأ قصة أو قصيدة فلا أخرج بالمتعة وبالتساؤل الذين أخرج بهما بعد الاشتغال على بعض التقنيات والبرمجيات الموجودة في جهاز الآي فون مثلا. وعلى الرغم من اختلاف المجالين بين العلم والأدب إلا أنَّ كثيرا من النصوص الآن تقصِّر عن منح الجمالية المطلوبة والمعنى الجديد، وتكتفي بوصف العالم والأحداث حتى لا تكادُ تجد اختلافا بينها وبين قناة الجزيرة أو قناة الـ bbc. الإبداع أوسع من أفهامنا الضيقة، ومن الصعب الوقوف على عتباته، ومن الغباء ادعاءُ معرفته بما يكفي لكتابة نصوص جميلة تقاوم صهيل الفناء القادم عن قريب، أما امتطاء حصان الخلودِ فذلك حلم لا يبلغه إلا القليلون، فليسَ جميعنا المتنبي. كاتب من الجزائر