أنطاكيا – «القدس العربي»: تشهد مناطق عدة في جنوب سوريا (درعا والقنيطرة) تزايداً في وتيرة هجرة السكان، وتحديداً في أوساط الشباب. وأكدت مصادر محلية لـ»القدس العربي» أن الأوضاع الاقتصادية في الجنوب السوري، تتجه منذ توقيع اتفاق التسوية الذي تم التوصل إليه في تموز/يوليو 2018، بين فصائل المعارضة سابقاً والنظام السوري برعاية روسية، إلى مزيدٍ من التدهور، وذلك نتيجة غياب النشاط الاقتـصادي والاستـثماري عن المـنطقة.
وفي هذا الصدد، عدّ تقرير نشرته مؤخراً منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة»، معدلات الهجرة التي سُجلت خلال العام الجاري 2019، بأنها «الأضخم منذ العام 2014». وقدّر التقرير الذي حمل عنوان «سوريا: موجات نزوح قسرية صامتة لآلاف السكان في القنيطرة ودرعا»، قدر أعداد الذين غادروا المنطقة ما بعد التسوية، بما يزيد عن 40 ألف شاب، بمعدل يومي يتراوح بين 10- 20 شخصاً، على الرغم من تشكيك بعض المطلعين بدقة هذا الرقم. وعن أسباب النزوح، جاء التقرير على أسباب متعددة في مقدمتها، الوضع الأمني غير المستقر، إذ سجل الجنوب مؤخراً تزايداً في عمليات الاغتيال التي تطال في الغالب ناشطين ومعارضين سابقين. وإلى جانب ذلك، ساهمت عمليات الاعتقال التي تشنها أجهزة المخابرات السورية ضد أبناء الجنوب، في دفعهم إلى الهجرة، علماً بأن التكلفة المالية لعمليات التهريب تصل إلى 3 آلاف دولار أمريكي.
ومن بين الأسباب التي تدفع بالشباب إلى الهجرة، الوضع الخدمي والمعيشي، حيث يعاني الجنوب من تراجع حاد في المستوى المعيشي وانخفاض معدلات الدخل، وتضخم هائل في الأسعار، عززها تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، ويضاف إلى ذلك تفشي ظاهرة البطالة، فليس هنالك فرص عمل، وتم صرف أعداد ضخمة من الموظفين لأسباب عدة، بعضها بحجج عدم أداء الخدمة الإلزامية، وبعضها العمل في مؤسسات معارضة للنظام السوري في سنوات سابقة لاتفاق التسوية.
والأهم من ذلك كله، وفق التقرير، أن أكثر من 90% من الشبان في الجنوب السوري هم من المتخلّفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية في صفوف جيش النظام، لذا يهاجرون هرباً من أداء هذه الخدمة، ويفضلون سلوك طرق التهريب المحفوفة بالمخاطر، والسبب في ذلك يعود إلى مدة الخدمة الطويلة، إذ من غير المعروف متى سيتم تسريحهم، فضلاً عن زج العديد ممن التحقوا بالخدمة العسكرية على جبهات القتال المشتعلة شمال البلاد، إذ لا تكاد تخلو عائلة في الجنوب السوري من وجود شاب أو اثنين مطلوبين للخدمة العسكرية.
كذلك يشعر السكان بالفرق في الخدمات وتقديم المساعدات، عما كانت عليه قبل توقيع اتفاق التسوية، حيث غاب دور المنظمات الدولية في تقديم المساعدات والخدمات الإنسانية، واقتصر العمل على منظمة الهلال الأحمر العربي السوري- فرعي درعا والقنيطرة، مع بعض الجمعيات المحلية التي يقتصر عملها على الدعم النفسي وإقامة الندوات، وساهم ذلك في تراجع حاد في المستوى المعيشي وانخفاض معدلات الدخل، وتفشي البطالة.
وعن الوجهة التي يقصدها أبناء الجنوب، بيّن الناطق باسم «تجمع أحرار حوران»، أبو محمود الحوراني، في حديثه لـ»القدس العربي»، أن غالبية الشباب يتوجهون إلى شمال غربي سوريا (إدلب)، عن طريق عدد من المهربين، من بينهم ضباط في جيش النظام. وأكد في المقابل، أن نسبة كبيرة منهم يقصدون لبنان، ويضطرون إلى دفع مبالغ مالية للمرور على حواجز النظام السوري. وفي تعليقه على الأرقام التي ذكرها التقرير (40 ألف شاب منذ مطلع العام الجاري)، شكك الحوراني في الأرقام التي ذكرها التقرير، بقوله «نعم، هناك نزوح وهجرة، لكن هذا الرقم كبير جداً».
وقال مصدر عسكري من الجنوب السوري، إن ما يجري من نزوح وهجرة من الجنوب يأتي في إطار سياسة إيرانية تهدف إلى إفراغ الجنوب من سكانه. وأضاف المصدر لـ»القدس العربي» طالباً عدم الكشف عن اسمه، أن عمليات التهريب تتم بالتواطؤ بين مهربين وضباط من «الفرقة الرابعة» التي يقودها ماهر الأسد شقيق رئيس النظام بشار الأسد، والمرتبطة بإيران. وحسب المصدر: «تعتقد إيران أن غالبية الشباب الذين يريدون الهجرة هم من المعارضين لتوسع نفوذ إيران في الجنوب السوري، وهي لذلك تسهل عمليات التهريب، تخلصاً من هؤلاء الذين يشكلون حجر عثرة أمام تنفيذ مشروعها الهادف إلى السيطرة عسكرياً واجتماعياً واقتصادياً على الجنوب السوري»، كما قال.