جمال سلامة
كما غيري من ضحايا النكبة اعتدت في مثل هذه الايام من كل عام علي اعادة قراءة الكارثة الوطنية التي حلت بشعبنا عام 1948من حيث لماذا؟ وكيف؟ وهل تمكــــن الشعب الفلسطيني وحـركته الوطنيــــة بعــــد ستين عاما من احتوائها؟ ام تجددت؟ واعيد انتاجها بطبعة جديدة واكثر مأساوية؟
ولم اجد اكثر دقة في وصف الكارثة وتشخيصها مما ورد في كلمة ممثل الهيئة العربية العليا (القيادة الفلسطينية آنذاك) في دورتي الامم المتحدة عامي 47 و48 وتحديدا في الفقرة التالية: ندر في التاريخ، ولو في التاريخ المعاصر علي الاقل، ان اكرهت اغلبية السكان في بلد ما علي التشرد وانتزعت من ديارها انتزاعا، علي ايدي قلة شرسة اصلها اجنبي.
ومع ذلك فان الذي حدث في فلسطين عام 1948 هو هذا النادر العجيب، فقد اجلي عن الديار نحو مليون فلسطيني، واضطروا الي ترك مدنهم وقراهم، سلبت منهم اراضيهم واملاكهم واموالهم واصبحوا لاجئين ليس لهم اي مورد للحياة.
بمثل هذه الكلمات وصف ممثل الهيئة العربية العليا آنذاك احدي النتائج المروعة، والأشد خطورة فيما نجم عن اغتصاب فلسطين بعد هزيمة سبع جيوش عربية، وتنصيب اسرائيل علي 78% من مساحة فلسطين، التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني منذ نهاية الحرب العالمية الاولي.
الا ان الهزيمة السياسية كانت اسوأ بكثير من الهزيمة العسكرية، فالدول العربية انذاك رفضت قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 181 القاضي بتقسيم فلسطين، وبالتالي رفضت طلب حكومة عموم فلسطين بالاعلان عـــن قيام دولـــة فلسـسطين الي جانب الدولة اليهودية التي تم الاعلان عنها بموجب ذلك القرار. وعبثا حاولت القيادة الفلسطينية وقتها، وباءت كل محـــــاولاتها بالفشل تحت طائلة اتهامها بالخيانة من ملك الاردن وملك مصر ونوري السعيد في العراق. وذلك لغايات في نفس يعقوب، فالتطلعات العربية حينها كانت جارية لحسم المستقبل السياسي للفلسطينيين والاراضي الفلسطينية التي لم يشملها الاحتلال الاسرائيلي.. وهذا ما كان، فقد اعلن الاردن عن ضم الضفة الغربية ومصادرة الهوية الفلسطينية، وتربعت مصر علي قطاع غزة، واسدل الستار علي محاولة الفلسطينيين السياسية في بعث كيانهم فوق ما تبقي من اراضيهم. ولئن استطاع الفلسطينيون لاحقا احداث تغيير جوهري بشأن اعادة ترتيب العلاقة ما بين حركتهم الوطنية من جهة والدول العربية وجيوشها من الجهة الثانية باعتماد الكفاح المسلح. فبدلا من استمرار هذه العلاقة علي اساس المتغير العربي المستقل، والمتغير الفلسطيني التابع، وان النضال العربي بديل للنضال الفلسطيني او حاو له. استرد الفلسطينيون وعيهم الذاتي وقلبوا طرفي المعادلة، واصبح الكفاح الفلسطيني المسلح طليعة النضال العربي من اجل التحرير وليس العكس. واصبحت منظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وقد تطلب ذلك منهم الكثير من التضحيات ما كان لها ان تتطاير في سماء اوسلو وتدفن في حديقة البيت الابيض وشرم الشيخ وواي ريفر، وواي بلانتيشن… من هنا كانت الكارثة الوطنية الفلسطينية بطبعتها الجديده، فالكارثة الاولي صنعتها بريطانيا والحركة الصهيونية، والثانية صنعناها بأيدينا لانفسنا. فالدولة الفلسطينية المستقلة بقيت حلما رغم الاعتراف باسرائيل وبحقها في العيش بأمن وسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها، ونبذ العنف. والكارثة اعيد انتاجها بأيد فلسطينية علي شكل دولة مستقلة تم الاعلان عنها نظريا ولكنها غير موجودة عمليا، مما احدث ارباكا وخلطا وانقساما في المجتمع وفي المفاهيم. كارثة علي شكل سلطة وطنية لا سلطة لها، وحكومة منزوعة الصلاحيات وغير قادرة علي رص صفوف الشعب الفلسطيني والتخفيف من معاناته، وحفظ امنه ولا حتي توحيد اجهزة الأمن المتعددة الولاءات، وعاجزة عن تصريف اعمالها ومد جسورها الي العالم الخارجي.
لقد تفاقمت الأزمة الي مستوي كارثة انسانية تحذر المنظمات الدولية وكذلك جامعة الدول العربية من تحولها الي فوضي عارمة تطيح بما تبقي من تماسك اجتماعي.
واذا كان مفهوما ان تستكمل اسرائيل حربها علي الشعب الفلسطيني بكل الاشكال بما فيها تشديد الحصار عليه لاذلاله وتخليه عن حقوقه المشروعة بالحرية والاستقلال، ومفهوما ان الولايات المتحدة تدعم ذلك، وان الدول العربية تذعن لذلك، ولكن من غير المفهوم ان تحجم الاوساط السياسية الفلسطينية عن اجراء مراجعة نقدية لتجربتها ولما وصلت اليه الاوضاع من ترد؟ ومن غير المفهوم ولا المقبول وطنيا واخلاقيا ان ينأي الاثرياء والتجار الفلسطينيون بانفسهم عن معاناة شعبهم تحت الاحتلال، وكان عليهم ان يقرأوا عن دعم اثرياء اليهود وتجارهم للحركة الصهيونية ودورهم في بناء الدولة اليهودية وتزويدها بالمال والمهاجرين والسلاح. في كتابه طبخة اوسلو يقول الكاتب الكبير ممدوح نوفل…. بناء علي استدعاء من ابو عمار وصل المليونير الفلسطيني حسيب صباغ رئيس شركة كونسوليديتد اضخم شركات الانشاء والمقاولات في العالم العربي، ومعه باسل عقل علي رأس وفد من المليونيرات ورجال الاعمال الفلسطينيين علي متن طائرة خاصة، وشرح لهم ابو عمار ملابسات اتفاق اوسلو، ثم قال لهم هذا ما استطعت تحقيقه لشعبنا في هذه المرحلة، انا قمت بواجبي، وجاء الآن دور روتشيلد فلسطين ليبني الدولة، ونحن مفلسون يا اخوان. فقال الصباغ: سنبني دولتنا يا ابو عمار وسوف نجعلها نموذجية. وتعهد بجمع 100 مليون دولار فورا وقال: سأعمل مع اخواني علي القيام بواجباتنا….. وذهب ولم يعد لا هو ولا اخوانه. واعاد ابو عمار الاتصال به معاتبا بقوله، يا ابو سهيل.. روتشيلد فلسطين لم يف بوعده، رد الصباغ… يا ابو عمار لان بن غوريون فلسطيني لم يقم بدوره…. وكان المقصود حسب المؤلف اعطاء المليونيرات دورا في القرار السياسي الفلسطيني.
ہ كاتب ومحلل سياسي 8