الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية: معركة افكار تنذر بتحول حقيقي في السياسة الفرنسية

حجم الخط
0

بوعلام غبشي

لم تخرج نتائج الدور الاول من الرئاسيات الفرنسية، عن تكهنات استطلاعات الراي، التي كثيرا ما اعيب عليها، علي ان حدسها اصبح يخونها في التقدير الصائب لمنحي تصويت الناخب الفرنسي، بموجب محطات سياسية مختلفة.

وأتي في المقدمة مرشح اليمين الحاكم نيكولا ساركوزي، متبوعا بممثلة الاشتراكيين في هذه الانتخابات سيكولين رويال، بفارق من النقاط يتعدي اربعة في المائة، بعيدا عن فرانسوا بيرو رافع شعار الوسط في الساحة السياسية الفرنسية، عن حزبه الاتحاد الديمقراطي الفرنسي. اما المرتبة الرابعة، فكانت من نصيب جون ماري لوبان، مرشح اليمين المتطرف، الذي استعاد حجمه الحقيقي بالنظر الي ما افرزته صناديق الاقتراع، علي خلاف انتخابات 2002 التي صورته في هيئة شبح يلاحق عن قرب السلطة ببلد فولتير، فيما لم يسجل اليسار الراديكالي، ممثلا في النضال العمالي والعصبة الشيوعية الثورية، اضافة الي مناهضي العولمة، تقدما ملموسا، كما اظهرت نتائج هذا الدور ان كلا من حزب الخضر وكذا الحزب الشيوعي، وعلي الرغم من اشعاعهما في اوساط المجتمع الفرنسي، فكلاهما لم يغادرا منطقة الاحزاب الصغيرة في المشهد السياسي الفرنسي. والاقبال المكثف للناخبين الفرنسيين علي صناديق الاقتراع رفع من معدل المشاركة السياسية في الرئاسيات الفرنسية اذ تعدت 80%، وهو حجم مهم في تاريخ استحقاقات هذا البلد منذ 1965، مما انعكس علي نسب التصويت المحصل عليها من طرف المحتلين للمراتب الثلاثة الاولي، سواء تعلق الامر بساركوزي او رويال، فكل منهما حصد نسبة قياسية من الاصوات في المسار الانتخابي لحزبيهما، فيما ضاعف بيرو، مفاجأة هذا الدور، لثلاث مرات من رصيده السياسي، مقارنة مع الرئاسيات الفارطة، واصبح بالتالي طرفا مهما في الترتيبات السياسية المقبلة، بالنسبة لقطبي الساحة السياسية الفرنسية، بيمينها ويسارها. واعاد الملاحظون هذا الارتفاع القياسي في معدل المشاركة الي تردي الاوضاع الاجتماعية لـ فرنسا السفلي، كما قال يوما الوزير الاول السابق رفران، في اشارة الي الطبقات الدنيا من الهرم المجتمعي الفرنسي. وتطلع هؤلاء الي تحسين حياتهم الاجتماعية من خلال التصويت لبرنامج سياسي يرون فيه الاقرب لمطامحهم المستقبلية، وان كان المهتمون لا يخفون مساهمة ما سمي بالزلزال الانتخابي لـ2002 ، بعد صعود جون ماري لوبان للدورالثاني، في سابقة هي الاولي من نوعها في الحياة السياسية الفرنسية، اعادت حسابات السياسيين التقليديين الي نقطة الصفر. ويمثل ساركوزي في هذه الانتخابات الوجه الجديد لليمين الفرنسي، الذي يبدو ان تصاعد شعبية غريمه التاريخي اليمين المتطرف في اوساط شرائح المجتمع الفرنسي، اجبره علي تعديل سياسته في التعاطي مع ملفات بعينها، خصوصا الهجرة والامن، جواد طروادة لوبان واتباعه. وانضمام فيلة اليمين الحاكم في غضون التحضير لهذه الانتخابات للصف الساركوزي، وكان اخرهم جاك شيراك، بالرغم مما كتب عن كون هذا التناغم بين الجبهة الشيراكية والجبهة الساركوزية، بالنظر للحروب الطاحنة التي دارت بينهما في السنوات الاخيرة، خصوصا لما اجهر وزير الداخلية الاسبق للعموم بطموحه في الوصول الي الاليزي، ينطوي علي صفقات، يبقي هذا التكتل بين جناحي اليمين الحاكم تاكيد ضمني علي ان الطروحات الساركوزية، التي عادة ما اعتبرها زعيم اليمين المتطرف علي انها استنسخت من افكاره، التي ما فتيء ينادي بها، هي عملة تلقي رواجا ناجحا لدي الناخبين الفرنسيين اليوم. وان كان يعيب عليه ان عمله السياسي تنقصه جرعات انسانية، لا سيما لما يتعلق الامر بموضوع المهاجرين غير الشرعيين، وتبريره عبر عنه في وقت سابق، عندما قال ان فرنسا لا يمكن لها ان تحوي بؤس العالم. وساركوزي كما يقدم نفسه باستمرار السلطة والعدالة، يري ان الدولة فقدت هيبتها وحان الظرف لاسترجاعها، فأتي بوصفات امنية لم تلق الترحيب في الكثير من المناسبات من المنظمات الحقوقية، وقوي المعارضة ممثلة في اليسار، ثم الوسط. ونجاحه في هذه الانتخابات يعني تغييرا جذريا في السياسة الخارجية الفرنسية وهو ما تنتظره اسرائيل بفارغ الصبر، التي غالبا ما اعابت علي دبلوماسية باريس تعاطفها مع مجموعة من قضايا العالم العربي. وينظر اليه بعض المحللين انه سيكون بلير الثاني في فرنسا بالنسبة لامريكا. وانسلال بعض رجال الحزب الاشتراكي من صف رويال، والتحاقهم بمرشح اليمين والانتخابات لم تزل في مراحلها التمهيدية بدعوي عدم اقتناعهم بمدي انخراطها في هذه الرئاسيات، او لاعتقادهم بان برنامج خصمها اكثر واقعية، مما تطرحه هي من افكار تتغيا من خلالها اصلاح ما يمكن اصلاحه في جهاز الدولة بقطاعاتها المختلفة، زيادة علي الاشارات التي كانت تصدر من حين لاخر من طرف بعض صقور حزبها، والتي لم تكن تاتي لتخدم شعبيتها بقدر ما استغلها خصومها السياسيون في شن هجمات عليها، باعتبار محدودية قوتها في جمع اسرتها الاشتراكية من حولها، يعني طبقا لتحليلاتهم، عدم قدرتها علي توحيد كل الفرنسيين من حولها. وكلها عوامل اضرت بصورتها مع بدايات هذه الانتخابات، الا ان نتائج الدور الاول اقنعت الكثيرين، وفي مقدمتهم الغاضبين من الأطر المحسوبة علي حزبها، ان المرشحة الاشتراكية لها حظوظ وافرة للفوز في هذه الاستحقاقات. وبرزت رويال وهي تدخل معركة الدور الثاني بوجه منتعش من جراء تجاوز الدور الاول بنجاح. وبدت حتي الان، وهي تخوض المرحلة النهائية من سباق الاليزي، كامراة سياسية تمتلك برنامجا حقيقيا عكس ما كان يردده منافسوها، نقيضا في عمومه لذلك الذي يحمله خصمها اليميني ساركوزي. واذا كانت مرشحة الرئاسيات تعيب علي خصمها علاقاته الحميمية مع قوي اقتصادية واعلامية فهي تزعم انها امراة حرة ولا تخضع لاي شكل من الضغوطات، وتسوق خطابا ينجذب اليه الفرنسيون المتحدرون من الهجرة والطبقات الشعبية. وعلي خلاف ساركوزي، لها رؤيتها الخاصة حول السياسة الخارجية الفرنسية، التي تستمد فلسفتها من تصورات معسكر اليساريين في بلدها، الذين يتطلعون الي اعطاء العلاقات الدولية ملحها الحقيقي. وحصول فرانسوا بيرو، مرشح الاتحاد الديمقراطي الفرنسي، علي 18% من الاصوات فرضه كطرف اساسي في معادلات امتحان 6 ايار (مايو)، تاريخ اجراء الدور الثاني من هذه الانتخابات، وان كان المرشحون لهذا الدور، كل من جانبه فعل ادواته في جلبه لصالحه، الا ان بيرو له جاذبية خاصة تجاه رويال، لاختلافه القائم مع سياسة ساركوزي التي يعتبرها تخدم مصالح الاغنياء ويصفها بكونها تخلق التفرقة بين الفرنسيين اكثر مما تجمعهم، وهو نفس تصور المرشحة الاشتراكية، التي تتهم ساركوزي بشحن مجموعة ضد اخري في المجتمع الواحد وعلي انه يرنو الي تحول صادم، فيما تسعي هي، حسب مفهومها، الي التحول الهادئ. وتوضح هذا التقارب بشكل جلي باتفاق الطرفين، بعد جدل في الاوساط الاعلامية حول المنبر المستعد لعقد جلسة نقاش بينهما، قد تعلن عن خيارات مشتركة لدخول ما تبقي من الجزء الاخير والحاسم في المعركة الانتخابية. وتوحدت باقي مكونات اليسار بدورها خلف رويال، بهدف قطع الطريق علي مرشح الاتحاد من اجل حركة شعبية، حتي ان احدي المنظمات الصغيرة المحسوبة علي اقصي اليسار، النضال العمالي، برئاسة زعيمتها اغليث لاكويي، رفعت شعار جميعا ضد ساركوزي، في سابقة تعد الاولي من نوعها، في المسار الانتخابي لهذه المنظمة، وهي تضم صوتها الي صوت الاشتراكيين. ووجود هكذا منظمات في الصف الرويالي (نسبة الي رويال)، سيعقد من دور مرشحة الرئاسيات في الجمع بين النقيضين، حزب الوسط، ويعد تنظيما يمينيا مذهبيا من جهة، واليسار من جهة اخري، في معركتها الانتخابية، خصوصا ان بعض اقطاب هذا الاخير سبق ان عبروا عن لاءاتهم الثلاثة لاي تنسيق مع الاتحاد الديمقراطي الفرنسي. فهل ستعمل سيكولين رويال بمنطق الضرورات تبيح المحظورات، وتدخل في توافقات مع حزب بيرو، ما دام ان الدور الاول من هذه الانتخابات، فرزت تنظيمه كقوة سياسية، سيجازف اي طرف في النهائايات ان لم يدمجه في حساباته، ام ستنصت لنداء الرفاق، وتكمل المشوار بيسار متجانس لا يزن الكثير انتخابيا، في رهان علي ثقة ممكنة نحوها، من جانب الناخب الفرنسي؟ ويري المرشحان للدور النهائي من الانتخابات الفرنسية، ان معركة هذا الدور هي معركة افكار، لان الفرنسيين في حاجة للاستماع بتمعن لهما، حتي يطلع بشيء من الدقة علي تفاصيل برنامج كل منهما. واول من بادر باطلاق هكذا دعوة، كان نيكولا ساركوزي في اول تصريح له مباشرة بعد ظهور نتائج الدور الاول، محاولا ان يقدم صورة مغايرة عنه، وهو المعروف بردوده المنفعلة، عارضا علي الفائزة الاشتراكية، نقاشا فكريا في احترام متبادل، دون سب او مس بالاخر. وهي لغة مصبوغة بلمسات المقربين منه، لان غليانه المستميد الذي تفور منه خطاباته، سلوك معروف به، يخيف الكثير من الفرنسيين، حتي ان اقرب الاقربين منه، اعلنوا جهرا انهم يعملون علي توجيه النصح له، لاكساب تدخلاته نوعا من الوداعة. وكان مرشح الحزب الحاكم يعي ما يقول لما دعا سيكولين الي الاحترام المتبادل، لان جره الي حيث اهم نقاط ضعفه باستفزازه، ممكن ان تزج به في ساحة حرب تنذر بهزيمته. لكن، وكما عكسته حرارة الجدل حتي الان، انتصرت لغة البرامج السياسية في هذه المرحلة من عمرالرئاسيات، وكشفت عن كون المرشحين يمتلكان تصورين متباينين لقيادة الجمهورية الفرنسية لخمس سنوات. ويوم السادس من شهر ايار (مايو)، سيوضح بالارقام اي منهما كان مقنعا بالنسبة لغالبية الفرنسيين. فهل سيفتح قصر الاليزي ابوابه لاول امراة في تاريخ الجمهورية الفرنسية؟ ام سيستضيف، وهي سابقة كذلك، فرنسيا يتحدر من الهجرة ـ المجر ـ؟ في كل الاحوال بلد دوغول مقبل علي تحول حقيقي، سينبعث غدا من رئاسة الدولة. ہ صحافي مغربي ـ فرنسا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية