قال إنّ التصوف تجربة وهو يمارسه كنوعٍ شعريّ… الشاعر المغربي إسماعيل زويريق: لا أومن بفكرة قتل الأب أو الرجوع إلى الأصل

حاوره: عبد اللطيف الوراري
حجم الخط
0

هو شاعر وفنّان تشكيلي، ومهتمّ بشعر الأطفال ورحّالة لا تراه إلا وعلى كتفه حقيبة مُعدّة بكل لوازم السفر. يعتبر من أكثر شعراء المغرب غزارة إنتاج؛ إذ أصدر ما يزيد عن أربعين كتابًا، إلا أنّه عُرف أكثر بشعر المديح النبوي، لاسيما في ديوانه «على النهج» الذي جاء في ثلاثة أجزاء واحتوى على 312 ألف بيت، وفيه أعاد الاعتبار للسيرة النبوية، ولسيرة الصحابة الذين وجد في حياتهم «ما يدعو إلى الاندهاش». ولا تخلو كتاباته من الاستناد إلى المعجم الصوفي، وإن كان لا يدّعي كونه متصوّفًا لأن التصوُّف عنده ممارسة. ويؤكد أنّ ما يكتبه، في هذا السياق، «ليس استياء من الحاضر، فالشاعر في جميع الأحقاب يعيش مستاءً من حاضره ومتذمّرًا من واقعه».

■ في هذا العمر، كيف تنظر إلى تجربتك الشعرية، هل أنت راض عنها؟
□ ما أرى الزمن إلا متأهّبا لابتلاعنا قبل أن نقول لقد تمّ ما نسعى إليه، وتأخر بنا العمر ولم يتأخر عنا الشعر، فكيف أنفذ إلى مظانّ الإجابة. إن الرضى عن الشيء لا يتأتى، قد نخفف في حمل أنفسنا على قول الكلمة الفصل. وما دامت القصيدة لا يمكن أن تستوعب الكثير مما يتشكل منه هذا الوجود، فقد آن أن أقول وبكل صدق إن الرضى عن هذه التجربة يضعني خارج التجربة.
■ قلّ أن نجد اسم الشاعر إسماعيل زويرق ضمن جيل من أجيال الشعر المغربي الحديث، إلا ما يرد باعتباره أحد ممثلي القصيدة العمودية في المغرب.
□ ما أرى في من يدّعي هذا إلا ما لا يمت إلى الحقيقة بصلة. فأول ديوان صدر لي هو ديوان «نخلة الغرباء»، ثم «طائر الأرق»، «بوابات الريح»، «خيمة الياسمين»… وبعده. وهي دواوين تنتمي إلى الشعر الحداثي البعيد عن الإرواء والتقفية. إن مصدر مصائبنا هو عدم الاطلاع على ما هو موجود في الساحة. ولا أخفيك من تعرضوا لما كتب عن الشعراء لا تربطني بهم صلة، لذلك لم يضعوا في الحسبان وجود شاعر اسمه إسماعيل أبو عدنان، والناقد ينبغي أن يبني علاقته على التصافي، ولو لاح له في الأفق ما يعكر ذلك الصفو من دخان زائل. فلباب الحقيقة أنني أكتب في كل الأشكال الشعرية ولي دواوين فيها بالعشرات، فتحت يدي الآن 54 ديوانا يبقى جلها متأثّرا بالحساسية الجديدة. وإن كنت لا أراها جديدة، فأنا أكتب القصيدة العمودية منذ سنة 1960 ويرجع الفضل في ذلك إلى الشاعر أبو بكر الجرموني. وأكتب القصيدة التفعيلية بدءا من سنة 1974، ويرجع الفضل في ذلك إلى الشاعر الحسين القمري الذي كانت بيني وبينه مراسلات جميلة ومودة.

القلق يصنع المعجزات، ومن معجزاته أنه يتعالى على الشكل السائد، فلا غرو إذا استحدثت أشكال أخرى، فعصرنا عصر قلق وإنسانه إنسان قلق. وأكثر الناس فيه قلقا هؤلاء الشعراء. القلق هو الذي صنع قصيدة «الكوليرا» لنازك الملائكة.

■ هل للقصيدة العمودية اليوم من معنى في سياق الحداثات الشعرية المتعاقبة منذ عقود؟ وهل لا يزال التراث ملهما للشعرية المعاصرة في وقت صعود الموضات وصيحات «قتل الأب»؟ ثم بم تفسر عودة هذه القصيدة مع شعراء شباب موهوبين؟
□ الرجوع إلى الأصل وفكرة قتل الأب لا أومن بها بتاتا: «آباؤكم خير منكم إلى يوم القيامة»، والقصيدة العمودية لها أصحابها ولها نفوذها في الأوساط الثقافية، ولا أخفيكم أن جمهور المثقفين في الأمسيات الشعرية التي شاركت فيها يتفاعل مع القصيدة العمودية لا مع القصيدة الحداثية بكل أشكالها، بمعنى أن القصيدة العمودية جماهيرية، بخلاف قصيدة النثر أو ما عداها. لقد وجد الشباب في القصيدة العمودية ما لم يجدوه في قصيدة النثر، وخصوصا بعد أن فتح الشرق أبوابه لكل دابّ وهابّ، من أجل الحصول على جائزة هي حلمه الوحيد، والطريق الأقرب إلى الإثراء. أعرف أشخاصا يشاركون في كل جائزة، ويعيدون الكرة في كل فشل يُمنون به. إذن، الرجوع إلى القصيدة العمودية ليس معناه أنّ هناك دافعا آخر غير هذا الدافع إلا القلة القليلة، وهذه القلة لا تنفي القاعدة.
■ ما رأيك في قصيدة النثر؟ وإلى أيّ مدى تتفق مع من يقول بأنها الشكل النهائي للشعر؟
□ عرف الشعر على امتداد قرون أشكالا وأنواعا، منها ما حافظ على بناء القصيدة الأصل قافية ووزنا، ومنها ما تجاوز ذلك. طغت أشكالٌ على السطح وغارت أشكال إلى القاع. وهذا لم يؤثر على القصيدة الأولى، بل صمدت كل الصمود وعاشت محتفظة بكل مقوماتها وستعيش إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إنّها الشكل الأول الذي استطاع العربي أن يسخره للتعبير عما يجيش بين جوانحه. تنفلت القصيدة من ربقة التقليد وسرعان ما تعود وهي أكثر اطمئنانا.
الموشّحات التي ذهبت بعيدا لم يعد لها وجود في عصرنا هذا، وقلّما نجد شاعرا يقلد فطاحل هذا الشكل؛ يقلد فقط. ولم يأت بجديد. قصيدة النثر قد لا تكون الشكل النهائي للشعر، ومن يدري فمجال الإبداع لا تحدّه ضفاف، والإنسان توّاقٌ إلى ارتياد المجهول لا تثنيه رياح، ولا ترده جماح. الناس يميلون إلى الجديد، في الجديد يجدون لذة، ولو كان هذا الجديد تافها. وقد سبق من الأشكال ما سار في الناس، مما اخترعه أهل الأندلس كالموشح، مثلا. كما ظهر الزجل وشاع في كل الأقطار العربية، وأصبح لدى العامة بديلا عن الفصيح والمواليا والكان وكان والقوما. هذه زاحمت القصيدة العمودية وإن كانت في أغلبها تلتزم بما تلتزم به من وزن وقافية. ويبقى للقصيدة الأصل الصدارة، فقد توارت هذه الأشكال خلف حجاب الزمان، وبقيت القصيدة الأم تصارع، وما شهدته في زماننا من تغيرات تشكّلت عنها أشكال أخرى لم تؤثر في صيرورتها. ومما يجدر ذكره ما ذهب إليه بعض الشعراء في استحداث أشكال أخرى غير ما هو سائر، كاختلاف الإرواء في قصيدة واحدة، أو كالرباعيات التي أكثر منها الشعراء، والشعر المرسل الذي ألغى القافية واحتفظ بالوزن، وفي ديوان الزهاوي ما يثبت ذلك.أشكالٌ تعدّدت ولكنها بادت مما يؤكد أن الأقدمين حاولوا التخلي عن الأصل والتماس التحرر في ما أحدثوا، ولكن الزمان قلب لهم ظهر المجنّ وأصبح ما اخترعوه محورا من محاور تاريخ الشعر وتطوره عند العرب، ألم تأت قصيدة التفعيلة وسادت وها هي الآن تختفي كلّيا أو تكاد… وما أظنُّ ما ساد على وجه البياض من أشكال يتحمس لها شباب اليوم يسود إلى آخر الزمان. يصاب الإنسان بالقلق، والقلق دافع من دوافع الابتكار والابتكار يتجاوز المعنى أحيانا إلى الشكل، وما ظهر من الأشكال لا يمكن أن ينفي ما عداها مما سيأتي ذات زمان.
إنّ القلق يصنع المعجزات، ومن معجزاته أنه يتعالى على الشكل السائد، فلا غرو إذا استحدثت أشكال أخرى، فعصرنا عصر قلق وإنسانه إنسان قلق. وأكثر الناس فيه قلقا هؤلاء الشعراء. القلق هو الذي صنع قصيدة «الكوليرا» لنازك الملائكة. والقلق الذي صنع من محمد الماغوط شاعرا، والقلق هو الذي صنع قصيدة الشذرة وللمتأمل فيها يرى أن بين ألفاظها يندسُّ القلق بكل تجلياته.
■ في مشروعك الشعري نجد ثمة نزوعا إلى ما يمكن الاصطلاح عليه بالشعرية الدينية التي مصادرها من القرآن والسنة ومن تاريخ الصحابة كما في عملك (على النهج). هل هو استياء الشاعر من حاضره، وإيحاء بالغربة التي يعيشها؟
□ بدأت هذا المشروع سنة 2002 وعزمت على أن آتي فيه بما يضمن لي حقّ وجوده. المشروع لم يكتمل بعد. في كل مجموعة أنزع إلى الفدفدة بعيدا بجناح قد لا تسعفه الفدفدة إلا على وجه هذا السراب الممتد إلى ما لا نهاية. الحياة سراب، وهي تتبدى حافلة به لمن يحسن التأمل فيها. الشعرية الدينية ليست استياء من الحاضر، فالشاعر في جميع الأحقاب يعيش مستاء من حاضره، يعيش متذمّرا من واقعه. نلاحظ هذا في أشعار البوصيري، والنبهاني، وشوقي والبارودي وسواهم. وإذا كان كذلك فالواقع هو هو في كلّ زمان ومكان، لا وجود لزمان فاضل، ولا لمكان فاضل، إن الأحداث تتكرر، وهذا التكرار هو الذي أنطق المشاعر وعاد بها إلى المنابع التي كانت خير ملاذ لكل من أراد السير على هدي الأولين، ولا أقول إن زمان الصحابة كان زمانا مثاليا، والدليل ما وقع في عهد الخلفاء الراشدين، وما انتهت به حياتهم. فأنا لا أعيش غربة، ولا أنا مستاء من هذا الحاضر، ولكن ما أتوق إليه هو غير ما أنا أعيشه، ولهذا أطلقت العنان للبوح هروبا من صمت لا يأتي إلا بما يملأ آذان الأطلال نعيبا. ومن قال بأنني أستمد من حياة الصحابة منهجا أدعو له، فهو يضرب في غير ما أضرب والطريق إلى المنتهى لا توحدنا. في حياة الصحابة ما يدعونا إلى الاندهاش، وكيف لا وهم الذين تخرجوا من مدرسة المصطفى، تلك المدرسة التي لا تحدّها جدران، تربيتها أسست على المنهج الرباني وتعاليمها استقت من النور الإلهي أصولها، وكيف لا نلتمس فيها الملاذ كلما ادلهمّتْ أمامنا السبل. الخلفاء الراشدون ملكوا العالم القديم من أقصاه إلى أقصاه، وكم باتوا وقد عصبوا بطونهم من الجوع، همّهم في الحياة أن يعيش الناس لا أن يعيشوا هم… في سيرة هؤلاء تنطبع أنوار التجلي، ومنها يستقي الشاعر.

لا يمكن أن نرجع إلى الوراء. ما أراه أتى على الأخضر واليابس أتى على المعالم التي نشعر في وجودها بوجودنا. دُمّر الكثير، ولكنه لم يدمر حصيلة ما تعلمناه طــيلة قرون مضــت.

■ إلى أي حد استطاعت مثل هذه التجربة أن تقدم إجابة نوعية عن مشكلة العلاقة بين الشعر والمعرفة بالتاريخ على نحو مختلف عما نجده في مشاريع أخرى تمزج بين الصوفي والعرفاني كما عند محمد السرغيني وأحمد بلحاج آية وأرهام أو أمينة المريني؟
□ لا يمكن لأي شاعر يريد أن يكتب في هذا المجال أن يعتمد على ما تحمله ذاكرته من معارف تتعلق بالسيرة النبوية، أو سيرة الصحابة، لا بد له أن يطلع على ما جاء في الأمهات والمصادر، وأن يبني معرفته على ما تزخر به تلك المنابع من أخبار، علما بأن الحيطة واجبة. إذ كل ما جاء، باستثناء ما جاء في كتاب الله، يمكن أن يكون فيه ما لا يقبله عقل. كتب السير مليئة بالأخبار التي تحتاج إلى شيء من التمحيص، لم أذهب في ما كتبت مُغاليا، ولا حائدا عما أراه صوابا، فسيرة المصطفى مليئة بالعبر ومليئة بالحكم ومليئة بالمعجزات، التي تؤكد أنه لم يأت بما أتى به من فراغ. حاولت أن أقف وسطا، وهذا ملموس في كلّ ما كتبت.
كتاباتي لا تخلو من الاستناد إلى المعجم الصوفي، بل إن بعض القصائد مقدماتها تنبني على هذا الجانب بناء يجعلها واضحة، وإن كنت أرى أن الصوفية أو التصوف ممارسة قبل كل شيء. فالذين كتبوا في هذا الباب كانوا صوفية بحقّ، لم يكونوا يلبسون بدلة من آخر صرخة ظهرت في المحيط، مع كرافتة مشدودة بفراشة ذهبية. لا أحد في زماننا صوفيٌّ بالمعنى المعروف، واستعمال المعجم لا يعني أننا صوفيّون. في ديواني «بوابة الريح»، دراسة قامت بها إحدى الطالبات حول المعجم الصوفي فيه تحت إشراف عبد الناصر لقاح، وقد جاء ذلك المعجم عفويّا… لا غير. الصوفيُّ بلا سجادة، أشبه بواعظ بلا رفادة. لا صوفية في عصرنا، واستعمال المعجم لا يعني أنك صوفي، حامل السيف لا يعني أنه بطل، ولا ما كل من ينطق الفرنسية فهو فرنسي. ولا كل من ينطق بالصينية فهو صيني. والحقيقة كما يقولون من فيوضات الأزل، وهذا تلاحظه في ديوان «أسفار الطين». التصوُّف عندي ممارسة، وأنا لا أمارس التصوف. أنا لست متصوّفا، ولا علم لي بأحد يمكن أن أدرجه في خانة الصوفية في عصرنا هذا، ولا في لائحة المتصوفة.
ابن عجيبة مثلا رحمه الله كان صوفيّا، وفي سيرته ما ينمُّ عن أنه لقي الأمرين كي يلحق بركب المتصوفة المجايلين له.
■ ظل اسمك مقترنا بمراكش، لكنّك كثير السفر عنها، إذ لا تُرى إلا وحقيبتك على استعداد. ما حكايتك مع هذه الحاضرة؟
□ أنا كثير الأسفار، بل أجد نفسي أحيانا وقد استولت عليها الكآبة لا أرى الراحة والانتعاش إلا في السفر بعيدا عن مراكش. لم أترك مدينة في المغرب إلا وزرتها. ولي ديوان سميته «بالشعر أزوّق هذا المدى»، كلّه حول المدن التي زرتها قبل إصدار هذا الديوان. وبين ثنايا دواويني الأخرى تجد الكثير من القصائد حول مدن مغربية قمت بزيارتها في إطار سياحي أو ثقافي، فأنا رحالة بالدرجة الأولى، بل إنّ حقيبتي مُعدّة بكل اللوازم للسفر، فمن قال أنا لا أحب السفر فهذا لا يعرفني.
■ هل لك طقوس في الكتابة؟ وهل تعود إلى القصيدة من أجل تنقيحها وإعادة كتابتها؟
□ لا طقوس لديّ، ولكن يعجبني أن أكتب في الصباح الباكر وغناء العصافير يملأ الأشجار المحيطة ببيتي.
■ في سياق مواكبتك لحركة الشعر المغربي، هل أنت متفائل بمستقبل هذا الشعر؟
□ كيف لا أتفاءل وما يملأ الأكشاك الآن من المجموعات الشعرية كثير، بل يندر أن يمرّ شهرٌ ولم تجد بين الكتب الجديدة مجموعات شعرية، ولا أناقش هنا الكيف. في 1936 صدر ديوان «أحلام الفجر» لعبد القادر حسن، وبعده بثلاثين سنة جاء ديوان آخر. ولك أن تعرف من سنة 1987 إلى سنة 2011، فقد ظهر 622 ديوانا، وهذا يكفي.
■ بصفتك شاعرا ومثقفا مهموما بجراح أمته، كيف تنظر إلى ما يحدث في العالم العربي من دمار واقتتال. وهل هي بداية عصر انحطاط مظلم ومخيف؟
□ لا يمكن أن نرجع إلى الوراء. ما أراه أتى على الأخضر واليابس أتى على المعالم التي نشعر في وجودها بوجودنا. دُمّر الكثير، ولكنه لم يدمر حصيلة ما تعلمناه طــيلة قرون مضــت.
ذهبت الدار وبقي أهلها، ولن يعدموا حلّا لإعادة بنائها من جديد، وربما ستكون الآن أجمل. زلزال أصاب الدول العربية، ولكن ما بعد الزلزال لن يكون إلا البناء الجميل. إذن، لا يمكن أن نعود إلى عصر الانحطاط، وإن كنت أرى في هذه التسمية إجحافا فنحن لم نعش عصر انحطاط ما دمنا نحافظ على مقومات حضارتنا. عشنا عصر توقف، استرددنا فيه أنفسنا، وهذا التوقُّف فرضته الظروف.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية