صموئيل هنتنغتون وأمين معلوف… من صراع الحضارات إلى غرقها!

حجم الخط
1

قليلة هي الرؤى المتفائلة التي تحاول أن تزرع التفاؤل والطمأنينة في قلوب النّاس هذه الأيام، فقد غاب التفاؤل، للأسف الشديد، مفسحاً المجال للتشاؤم الذي يبرز من حين إلى آخر، على شكل تحذيرات من المستقبل الفظيع الذي ينتظر البشرية؛ التشاؤم هذا، إن دل على شيء، فإنما يدل على عمق الأزمة التي يعيش فيها العالم، وأن وعود الغرب في مستقبل جميل ورائع، كما وعدت الحداثة، أصبح في خبر كان، على كل المستويات والأصعدة، السياسية والاقتصادية والثقافية.
لقد أخفق النموذج الليبرالي، بلا ريب، في تحقيق وعوده، التي أطلقها، وأكدها أكثر، بمجرد سقوط النظام الشيوعي وتفتت الاتحاد السوفييتي؛ لم يتحقق الفردوس الأرضي الموعود، لأنّ العقل الإستراتيجي الأمريكي، كان يرمي إلى سلوك درب آخر، كي يتحقق حلمه في الهيمنة والسيطرة على العالم، لم تهمّه الديمقراطية، ولا الحرية، ولا حقوق الإنسان، كان همّه الوحيد، ولا يزال، هو السيطرة الغربية سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً، من ثمّ، لا يمكن أن يقبل أي استراتيجيّة لا تتقاطع مع هذا الهدف النهائي.
يبدو أن الإستراتيجية الأمريكية رأت في أطروحة صراع الحضارات لصموئيل هنتنغتون المبتغى؛ فهي تلبي رغبة الأمريكي الذي يريد إخضاع الآخر والسيطرة عليه، عن طريق التأسيس للصراع مع المختلف على أساس الثقافة والدين والإثنية، واعتبرت الحرب الطريقة المثلى في التعامل مع الخصم، كما أنّ هذه الأطروحة، وهذا هو الأهم، جعلت الغرب كتلة واحدة في مواجهة بقية العالم.
في الحقيقة، كانت هناك محاولات خجولة وشحيحة، على الرغم من النوايا الطيبة لأصحابها، لمقاومة الصراع بالتأسيس للحوار، من قبيل الحوار بين الحضارات، والحوار بين الأديان، غير أنّها باءت كلها بالفشل، ذلك أنّ المقاصد الحقيقة في مثل هذا الوضع، لا تتحقق بالحوار، بل بالصراع والصدام، فكان الحوار مجرد خطاب استهلاكي مواز، يجتمع من خلاله المجتمعون من أجل أخذ الصور وتبادل الاطراءات والمديح، لا أكثر ولا أقل، فضلا عن ذلك، ما كان للحوار أن ينجح في عالم موبوء بالكراهية والإرهاب والعنصرية، إذ أعطى ظهور «القاعدة» وأسامة بن لادن و«داعش» وغيرها من التنظيمات، التي تتوسل العنف في تحقيق أهدافها، لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، الشرعية والمصداقية لأطروحة الصدام، فانتصر بذلك عالم هنتنغتون، وصدقت نبوءته.

هناك محاولات خجولة وشحيحة، على الرغم من النوايا الطيبة لأصحابها، لمقاومة الصراع بالتأسيس للحوار، من قبيل الحوار بين الحضارات، والحوار بين الأديان، غير أنّها باءت كلها بالفشل.

اليوم بعد مرور ما يقارب الثلاثين عاماً من التأسيس لخطاب الصدام، تقف البشرية أمام خيارين لا ثالث لهما، إما رفض هذا الخطاب، وتفكيك ألغامه: العنف، الكراهية، الحروب، الفوضى، الخوف، الإرهاب والجوع، بالتالي، إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو سيكون مصير البشرية، في الأخير، إذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن، الانتحار الكوني، وهذا الخيار هو الأقرب إلى الواقع، خيار عبّر عنه أمين معلوف مؤخراً بـ«غرق الحضارات». أمين معلوف روائي ومفكر لبناني، ولد في بيروت عام 1949، اعتلى كرسي الأكاديمية الفرنسية للآداب والفنون في 2011، له العديد من الروايات والأعمال الأدبية، منها على سبيل المثال: «ليون الأفريقي، سمرقند، الحروب الصليبية كما رآها العرب، الهويات القاتلة، اختلال العالم، غرق الحضارات».

معلوف وصراع الحضارات

يرى معلوف أن صراع الحضارات أمر لا يمكن تفاديه، على الأقل في الوقت الحالي، وهذا ما يزيد، لسوء الحظ، من أحزان البشرية، ويضاعف من مآسيها وآلامها؛ فالعالم، كما هو معروف، بعد سقوط جدار برلين، انتقل من الانشطار الأيديولوجي إلى الانشطار على أساس الهوية، وهو هنا، بلا شك، يتفق مع هنتنغتون، إذ يقول: «كان (هنتنغتون) على حق في نقطة معينة، حيث إن معاصرينا باتوا يتفاعلون، أكثر فأكثر، وفق انتمائهم الديني»، معزراً رأيه هذا، بأن الأرثوذكسية عادت إلى روسيا بشكل لافت، والاتحاد الأوروبي يعتبر نفسه، حتّى إن أنكر، تجمعاً لأمم مسيحية، كما أن دعوات الجهاد تدوي في البلدان الإسلامية، وعليه، يقول معلوف: «لا يكون من غير الحصيف وصف عالم اليوم بأنه ساحات حضارية تتجابه». وإن كان معلوف يتقبّل أن تتخذ هذه النظرية كآلية في تفسير صراعات الحاضر وقراءة أحداثه وحروبه، حيث إنها ساهمت بالفعل «بتحسين فهم الأحداث التي أعقبت سقوط جدار برلين»، عندما صارت المجتمعات البشرية «تتحرك وفق انتماءاتها الدينية»، لكنه، في المقابل، يرفض أن تكون نظرية عامة للتاريخ، فتُتَخذ تبعا لذلك مفتاحاً لفهم صراعات الماضي أو أداة لاستشراف المستقبل؛ فالتفسير على هذا النحو سيكون قاصراً، ولا يحقق أي نتيجة مرجوّة، بل قد يضلل الباحث عن الحقيقة؛ فيتيه في الطريق ومنعرجاتها، في هذا الشأن يقول معلوف: «على أنّ أنصار هذه النظرية يضلون الطريق، في رأيي، حين ينطلقون من رصدهم للحاضر ليبنوا نظرية عامة للتاريخ، كأن يشرحوا لنا مثلا أنّ الأعلوية الحالية للانتماءات الدينية هي الحالة الطبيعية للجنس البشري.. أو أن المجابهة بين الساحات الحضارية هي المفتاح الذي يسمح لنا بفك رموز الماضي واستباق المستقبل».
على هذا الأساس، يصل معلوف إلى نتيجة مفادها أنّ «كل نظرية للتاريخ هي بنت زمانها»؛ فهي قد تصلح كأداة لفهم الحاضر وحوادثه، لكنها تفشل لا محالة في تقديم أي فائدة لفهم أغوار الماضي، بل قد تكون تفسيراتها تقريبية ومتحيزة، أمّا إذا قُدمت لاستشراف المستقبل، فتفسيراتها تكون «مجازفة، وأحياناً مدمرة». زيادة على ذلك، أنّ محاولة اختزال النزاعات الحالية في أنّها مواجهة بين ست أو سبع حضارات، هو اختزال لجوهر الصراع في جزئيات معينة، ربما الفائدة الوحيدة منها، على حد تعبير معلوف، هي «إضاءة منشطة للفكر»، من خلال تلك النقاشات والحوارات الدائرة، لكنها لا تساعد على فهم النزاعات الكبرى في التاريخ البشري؛ فليس كل صراع هو مجابهة بين الحضارات، فقد تكون الغاية منه الهيمنة والسيطرة، حروب أمريكا مثلا، بالتالي، فمن باب الحصافة إضافة مفاتيح أخرى قد تساهم بشكل أو بآخر في فهم جوهر الصراع الحقيقي. وعليه، من بين الأخطاء التي وقع فيها هنتنغتون أيضاً، وفقاً لمعلوف، أنه حمّل نظريته فوق طاقتها، عندما اعتقد بأن الناس «سيجتمعون داخل باحات حضارية واسعة ستقاتل بعضها بعضاً»؛ فالعالم الإسلامي اليوم، على ما يبدو، لا يشكل معسكراً، وإنما ميدان معركة، كما أنّ الاتحاد الأوروبي يسير بخطى حثيثة إلى التشتت والفرقة، أي أنّ ما يميز هذا العصر هو «التجزؤ والتحلل»، لا الوحدة والتكتل.

تأتي أطروحة «غرق الحضارات» لتؤكد مرة أخرى الموضوعات القلقة التي أثارها معلوف منذ قرابة عشرين عاماً، لما أثار ظهور الهويات مبرزاً طابعها الدموي والتناحري، ما أدّي، والحال هذه، إلى اختلال العالم.

طريق الخلاص

هنا لا بد من لفت النظر إلى نقطة في غاية الأهمية هي أن صعود مثل هذا الخطاب في هذا الوقت بالذات هو نتيجة «تآكل كل ما يشكل الكرامة الخلقية لحضارتنا الإنسانية»، وذلك بسبب الميل العالمي إلى «كره الأجنبي، والتمييز العنصري، والتنكيل الإثني، والمجازر المتبادلة»، لكن السؤال الذي يطرح: كيف السبيل إلى إرجاع تلك القيم التي تعيد ترميم الكرامة الخلقية للحضارة الإنسانية؟ إن إدراك البشرية بحسب معلوف لمصيرها المشترك، واجتماعها حول قيم أساسية واحدة، ومثابرتها على تنمية التعابير الثقافية الأكثر تنوعاً، ليس بمعنى ذوبان الإنسانية في قالب واحد، بل على العكس من ذلك، يجب أن تحافظ «على كل لغاتها، وكل تقاليدها الفنية، وتقنياتها، وحساسيتها، وذاكرتها، ومعرفتها»، ذلك أنّ في التنوع إضافة، وفي الاختلاف إثراء، كل ذلك من شأنه أن يعيد الكرامة الخلقية إلى الحضارة الإنسانية. هذا هو طريق خلاص البشرية الذي يرسمه معلوف؛ قبول الآخر، تواصلا وعيشاً، بغض النظر عن دينه وهويته وثقافته؛ فالمصير المشترك للبشرية يحتم ذلك، أو الاستسلام أمام تيار الصراع الجارف، تتقدم الهويات، وتجعل من البشرية قبائل متناحرة ومتقاتلة، فيؤدي ذلك إلى اختلال العالم وحضارته، والنتيجة في التحليل الأخير «غرق الحضارة».

غرق الحضارات

تأتي أطروحة «غرق الحضارات» لتؤكد مرة أخرى الموضوعات القلقة التي أثارها معلوف منذ قرابة عشرين عاماً، لما أثار ظهور الهويات مبرزاً طابعها الدموي والتناحري، ما أدّي، والحال هذه، إلى اختلال العالم الذي يتمظهر أساساً في غياب النظم الاجتماعية العادلة، الأطروحة هذه، وإن كانت مقلقة وصادمة، لكنها، في الوقت نفسه، كاشفة للمخاطر والانزلاقات التي ستؤدي لا محالة إلى غرق الحضارة، يقول معلوف: «إننا على عتبة غرق شامل يؤثر في جميع جنبات الحضارة».
يؤكد معلوف في هذه الأطروحة أنّ العالم يتغير إلى الأسوأ، بسبب جملة من «التحولات الكبرى»، ما يؤثر سلباً في حضاراته المختلفة، فكل دول العالم اليوم تعاني «إشكاليات كبيرة»، حتّى تلك التي كانت إلى وقت قريب تمثل نموذجاً يحتذى، كالولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبي، بالتالي، فالسقوط شامل، والغرق لن يستثني أحداً، حيث سيكون مصير البشرية كسفينة «تيتانيك»، مادام العالم تمزقه التوترات الهويّاتيّة، مستمراً في تقديسه لأنانية الأمم والجماعات، رافضاً لفكرة الحوار والجوار وثقافة العيش المشترك، فالعالم، وفقاً لمعلوف، قد سلك «طريق القبلية، الذي لم يعد فيه أي نظام دولي جدير بهذا الاسم، صار حل المشكلات التي تطرحها العولمة أو تطور التكنولوجيات أو تنمية الصين أو الهند، مهمّة أصعب بكثير».
في الأخير، على الرّغم من تشاؤمية الطرح وسوداويته إلا أنّ معلوف يُبقى باب الأمل مفتوحاً، بشرط أن تنجح البشرية في «لمِّ الشتات، وبناء رؤية مغايرة إلى العالم»، تنبذ الأنانية، والتمركز حول الذّات، ساعيةً، في الوقت نفسه، إلى التقارب والتلاقي والعيش المشترك، عندئذٍ فقط ستتفادى الحضارات الغرق.

٭ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية