الكتابة بالمحظور

تملك أشياء العالم، تلك الصغيرة جدا، أو الكبيرة جدا، بشقها المادي أو الرمزي. القريب من تناولنا، أو المحتجب وراء ما تسدله بيننا وبينه إرادة الحظر والتحريم، من ستائر فولاذية. تملّك، قد يتأسس على أرضية الفهم، كما قد يتأسس على قاعدة الرغبة. باعتبار أن فهم الشيء يفيد تملكه على مستوى دلالاته.
كما أن الرغبة فيه، هي خطوة حاسمة باتجاه احتوائه، وإدراجه ضمن لائحة مقتنياتنا الممكنة والمستحيلة في آن.علما أن الإشارة إلى الفهم، هي إشارة إلى ذلك الشبح الممعن في تخفيه، والذي أبدا لا يقترب إلا من أجل أن يظل بعيدا. فنحن غالبا ما نتبنى فهما جاهزا، بدون أن نكون بالضرورة ملمين بمجموع الشروط المحايثة له، خاصة منها تلك المتعلقة بقوة الميل/ الانحياز إلى هوى ما، متفرع هو أيضا، عن قوة الرغبة، حيث ينبثق عنهما معا – الميل والرغبة – تلك الحاجة الملحة إلى الشيء، التي تكون بدورها، قابلة لاتخاذ شكل وعي، حال ارتقائها بآليات تفاعلها مع موضوعها، من مستوى الإشباع العفوي، إلى مستوى الإلمام المعرفي بقوانين هذا الإشباع وحيثياته، لكن، يحدث أحيانا أن تتجاوز قوة الرغبة بكثير، حدود الوعي بالشيء، ما يجعل «فهمه» واستيعاب خصوصياته، مجرد عنصر ثانوي أمام سلطة الرغبة. هنا تحديدا، يصبح الشيء في ذاته موضوعا لتملكها، فيما يظل الفهم محض عنصر محايث لا أكثر ولا أقل. كما أنه يصبح مجرد عنصر تبريري لآلية اشتغال الرغبة، التي تنبثق الكتابة من قلب جموحها، خاصة حينما تتجاوز كل أصناف العوائق المكدسة أمامها، متخذة بذلك شكل رغبة شمولية واستثنائية، مجردة من أي قصد أخلاقي، يروم تكريس وترسيخ قيم معينة، أو يسعى إلى إقامة الحد على ما يناقضها. باعتبار أنها هي من ترسم حدود القصد. وهي أيضا من تستدرج الذوات، كي تسقط عليها ما يلائمها من الغايات، حتى يمكن القول، إنها غالبا ما تنوجد في هذه الإسقاطات التي ليس من الضروري أن تكون نابعة منها، أو متجانسة مع هويتها.
إلا أن الرغبة التي تستمد منها الكتابة مشروع حضورها، تصبح في أقصى درجات نضجها حالة بيولوجية، أي أنها تصبح شأنا جسديا/حيويا، لا يمكن الاستغناء عنه، ولا يمكن تجاوزه، بدون أن تفلح في فك أسرار غموضها، أو أن تتقيد بحقيقة محددة، بالنظر لتقلبها الدائم، والخاضع لتقلب الأهواء. ما يؤدي إلى تفجير اختلالات ذاتية ومجتمعية، نتيجة التعارضات القائمة عادة بين الأهواء الفردية، والأهواء العامة المتبناة من قبل المجتمع. إن الكتابة تجد ضالتها في هذا التعارض، وفي هذا التناقض، إنها توغل عميقا في صلب الرغبة الحميمية، وتحديدا، في شقها المحظور، أي في قلب تلك الشحنة المتناقضة مع الأهواء الرسمية والمباحة.
إن الكتابة بهذا الإيغال، تسعى إلى تمثل وإدراك أبعاد الحظر. كما أنها من خلال تشريحها للرغبة، تسمح على الأقل بجرجرة المحظور إلى الهواء الطلق، قصد التعرف عليه في تفاصيله وجزئياته، فضلا عن تصديها لكل العناصر العشوائية المقحمة في أنساقه.

يعتبر الدنو من عوالم الرغبة، ومن عوالم الحظر، مسا بسلامة وأمن ما هو طبيعي. لكن ومع ذلك، يظل الكائن بحاجة ماسة للفضاءين معا، أي إلى حالات الإباحة المعززة بحالات الحظر والتطويق.

إنها المخاطرة القصوى، الشبيهة بنوع من التموضع القاسي في قلب الجحيم. الجحيم هنا لا يخص بالضرورة ذات كاتبة تتورط في الجهر بنزواتها، بل هو جحيم موضوع الرغبة، الذي تجنح الكتابة إلى تشخيصه عبر الذهاب إليه، من أجل وضع حد لمخاطره. ثم إن فكرة الذهاب إلى الجحيم، قد تكون أكثر هولا من أهوال الإقامة فيه، ليس بفعل شدتها في ذاتها، ولكن بفعل إجهاضها العملي لأهوال الجحيم، عبر ذهابها الطوعي إليه. إنه الهول البديل، الذي سيحرمنا من معايشة هول المعيش، من التهيب منه، ومن العمل على تفاديه. الجحيم الذي قد يكاشفنا خلسة بأنه ليس أكثر من خطوط حمر، تحول دون اختراق الكائن لموضوعه. بمعنى أن الجحيم هنا سيكون بمثابة إشارة مباشرة للالتزام بموقع محدد ما، يجبرك على التواجد الدائم في المكان نفسه الذي وضعت فيه قسرا، وبدون إرادتك، أي العالم الذي ينبغي أن يظل تحت رقابة السلط المادية والرمزية.
ذلك هو مصدر اللعنة التي تطارد الكتابة بوصفها حظوة، إنها تلزم /تغري الرغبة الخاصة بالكشف عن حضورها. إنها تشهرها كي تصبح في حكم العام، وفي حكم المشاع. ذلك أن الرغبة الشخصية، تكون دائما ملتبسة ومرفقة بتوتراتها المطاردة بالحظر والمنع، بفعل تنافرها مع المشترك، ومع شروط الفضاءات المرسومة، التي ليس لك أن تتجاوزها، لكن فور خروج الكتابة بها من ظلمة المعيش، ومن دهاليزه السرية، يصبح للمحظور طعم آخر. إنه أولا، يسمح لنا بمعايشة أنواء الرغبة، وتلمس تمظهراتها، وأعاصيرها، سواء في النصوص المقروءة أو المرئية. كما في المعيش أو المتخيل.
إن الكتابة ومن موقع تحررها التام والكامل، من كل القيود الاجتماعية، المخاتلة، والحربائية، تكون حريصة على توسيع محيط المعيش، ومعنية بتسليط الضوء على المواقع المعتمة فيه، بما هي عوالم مسكونة بمتعة تواجدها في العتمة. إن لقاءنا بها حيث هي، هو ما يوحي بخروجها من دائرة اهتمامنا، باعتبارنا غير معنيين بها، وهو ما يسمح بإمكانية تسللنا إليها، بعيدا عن ملاحقة أنظار الفضوليين والمتلصصين. إن وجودها في العتمة يوحي بحضورها في قلب النسيان، أي أن تكون منسية نسبيا، من قبل الرقابة المتعالية بمختلف ألوانها. إن الكتابة تتجه دائما، حيث يوحي النسيان بممارسته لمحو ما، على نصوص، على وقائع، على ذاكرة، كي تسلط أضواءها الكاشفة على ما هو بصدد مغادرته فضاء الحظر إلى فضاء الإباحة.
إن فضاء الإباحة يمكن أن يشتغل على مستويين، مستوى تصعيد الإحساس بخطورة ما تم الكشف عنه، بما هو موضوع رغبة محظورة، أو مستوى تحويله إلى مشهد طبيعي، عفوي وتلقائي، تدجينه وإفراغه من حمولاته الخطرة، كي يتخذ شكل ممارسة طبيعية. وفي الحالتين معا، يعتبر الدنو من عوالم الرغبة، ومن عوالم الحظر، مسا بسلامة وأمن ما هو طبيعي. لكن ومع ذلك، يظل الكائن بحاجة ماسة للفضاءين معا، أي إلى حالات الإباحة المعززة بحالات الحظر والتطويق. ذلك ما تضطلع به الحداثة، إنها وإرضاء لهذا الطلب الغريزي، تظل محتفظة ببعض الكوابح الرمزية، الموحية بحضور سلط تنظيمية على المستوى المجتمعي، في انتظار الدفع بالشروط المضادة، المساهمة في تمييعها وتعميمها، برفع الرقابة المتعالية عنها. إن الكائن لا يستطيع أن يعيش بدون محظور فكري مذهبي أو جمالي، أي بدون صراع مع الآخر/المناوئ، إنه يجد متعة في مواجهته للقيم التي تقزم حريته، في قلب فضاء لا يسمح بتسلل أي قناعات مضادة، لذلك، فإن مختبرات الحداثة، ومن منطلق احتفاظها بالحد الأدنى من التفاعل البشري، تسلط الضوء على قائمة بعض المحظورات المثبتة في نواميسها، باعتبارها مخلة بحركية التواصل العام، بهدف الحفاظ على ذلك التوتر الجيني، الذي ينبغي أن يظل قائما بين الفرد والجماعة. بمعنى أن الرغبة يجب أن تظل مهددة بالنقصان، ومهددة بالقمع، حيث يكون بإمكانها دائما، أن تبحث عن مسالك سرية للسريان، والتي ليست في نهاية الأمر، سوى مسالك الكتابة.

٭ شاعر وكاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية