لندن- “القدس العربي”:
خصصت صحيفة “فايننشال تايمز” افتتاحيتها للوضع في السودان ورحلة البلد المحفوفة بالمخاطر نحو دولة أفضل، ورأت أن نهاية حكم عمر البشير تفتح الطريق أمام البلد نحو التحول الديمقراطي بشكل يكون مثالا للدول الإفريقية الأخرى.
وبعد أشهر من سفك الدم والتشاحن، سيوقع قادة المجلس العسكري الانتقالي والمعارضة الديمقراطية، السبت، إعلانا يحدد المسار نحو انتخابات متعددة الأحزاب والتحول للحكم المدني.
وما سيرشح من السودان ستكون له أهمية عظيمة على كل إفريقيا، ففي هذا العام أطاحت انتفاضة شعبية بزعيم عجوز في الجزائر. وفي الوقت الذي تم فيه قمع التظاهرات وبعنف في زيمبابوي، إلا أنها ستعود من جديد الجمعة. وتعلق الصحيفة أن إفريقيا هي القارة الأكثر شبابا في العالم؛ إذ يبلغ معدل عمر السكان فوق التاسعة عشرة. وسكانها الذين يعيشون في الحواضر قلقون وبارعون في استخدام التكنولوجيا ومصممون بشكل متزايد على التحكم بحياتهم.
وكما أظهر الربيع العربي، فالانتفاضات لا تنتهي عادة بشكل جيد، يمكن سحقها أو هزيمتها أو قد تنزلق إلى حرب أهلية كما في سوريا. وربما أدت لتغيرات إيجابية في دول يحاول فيها القادة العسكريون التمسك بالسلطة كما هو الحال في السودان، الذي حكمه لمدة 30 عاما عمر البشير، الذي وضع ثقله مع الإسلاميين لحلب البلاد وتجفيفها.
وبدأت التظاهرات ضده في كانون الأول/ديسمبر في احتجاجات على ارتفاع أسعار الخبز، ثم تطورت إلى حركة احتجاج سلمية منظمة بشكل بارع وشملت كل البلاد. وقادها النساء والمهنيون الذين ظلوا يواصلون الكفاح حتى بعد مقتل العشرات. وفي النهاية، استطاعوا إجبار الجيش على التحرك في 11 نيسان/إبريل وإزاحة البشير في انقلاب أبيض. وبعد مواجهة حامية بين المتظاهرين والمجلس الانتقالي، وافق العسكر على التخلي عن السلطة، على الورق على الأقل، للمدنيين في فترة مدتها ثلاثة أعوام.
وسيتم نقل السلطة إلى مجلس سيادي من 11 شخصا؛ ستة من المدنيين والبقية من الجنرالات. وسيتم تعيين حكومة من التكنوقراط وبرلمان معين. وسيقود المجلس على مدى 21 شهرا زعيم عسكري. وبعد ذلك، ستنتقل السلطة لمدني سيشرف على عملية التحول الديمقراطي في عام 2022.
ولا تستبعد الصحيفة حدوث مفاجآت خلال الفترة المتفق عليها، مشيرة إلى أن حكام السودان العسكريين لا يمكن الثقة بهم. ففي حزيران/يونيو، قامت القوى الموالية لنائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، محمد حمدان دقلو، بحملة قمع محمومة ضد المعتصمين، اغتصبوا فيها النساء وقتلوا 130 من المعتصمين ورموا الجثث في نهر النيل. وفي الأسابيع الماضية، قتل أربعة تلاميذ مدرسة. وأيا كان الدافع وراء توقيع القادة العسكريين على الاتفاقية والضغط الدولي عليهم فمن الواضح أنهم لن يتخلوا عن السلطة.
كما أن القادة المدنيين لديهم الكثير من التحديات، ويجب أن يبدأوا بضم النساء والشباب الذين قادوا التظاهرات، بالإضافة إلى الأقليات المضطهدة، خصوصا في دارفور. وهناك مخاوف من عودة الإسلاميين الذين ارتبطوا بالبشير وإن بصورة مختلفة. وأخيرا على المدنيين تعيين تكنوقراط قادرين، خصوصا أن الاقتصاد انهار على مدى العقود. ومن الناحية النظرية، يمكن إنعاشه من خلال سياسات معقولة. ومن الناحية العملية فالمهمة صعبة جدا ولا يمكن التقليل من حجمها.
وعلى المجتمع الدولي لعب دور للمساعدة، وقد فعل، فعندما خرجت المفاوضات عن مسارها، تدخل الاتحاد الإفريقي وإثيوبيا لجمع الأطراف. ووضعت واشنطن الضغوط على السعودية والإمارات اللتان خففتا من دعمهما للجنرال حمدان. وعلى أصحاب التأثير التأكيد أنهم يراقبون الوضع. وفي النهاية يعتمد كل شيء على نتائج إيجابية، وهو طموح كبير، ولكن إن استطاع السودان تحقيق التحول لحكم أفضل فسيكون مثالا للآخرين.