استراتيجية المقاومة و«نهج» التفاوض

حجم الخط
0

التجارب الفلسطينية الطويلة مع الكيان الصهيوني، خاصة تجربة المقاومة والصمود لشعبنا ومقاومته في مواجهة العدوان الأخير 2014، أثبتت فشل نهج المفاوضات واعتمادها تكتيكا سياسيا وخيارا وحيدا استراتيجيا مع عدو كهذا، هذا أولا.
ثانيا: أثبتت التجربة أن المقاومة بكافة أشكالها وصورها، وبشكل خاص الكفاح المسلح، هي القادرة، كما تجارب كل حركات التحرر الوطني، على إرضاخ إسرائيل للحقوق والمطالب الوطنية والشرعية الفلسطينية، لأنها أجبرت الكيان على الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني بعد حقبة طويلة من إنكارها لهذا الوجود، هذا لا يعني أن كل الإسرائيليين يعترفون بوجود شعبنا، فالبعض منهم ـ وعلى صعيد القادة خاصة ـ ما زالوا يتنكرون لهذا الوجود. المقاومة أيضا حققت الهوية الوطنية الفلسطينية وضمنت اعترافا دوليا واسعا بشعبنا وقضيته الوطنية، وهي في الوقت نفسه مصدر ألم وخسارة للمشروع الصهيوني برمته، ولكافة مناحيه ومجالاته الإسرائيلية. كما منعت العدو من تحقيق أهداف عدوانه.
فصائل المقاومة الفلسطينية كلها حين انطلاقتها، أعلنت تبنيها مبدأ وأساليب «الحرب الشعبية الطويلة الأمد»، في صراع شعبنا مع العدو الصهيوني! وأن فلسطين من النهر إلى البحر، هي الوطن الطبيعي للفلسطينيين. انزياح البعض عن هذا المبدأ، سواء في برنامج النقاط العشر، أو في التمهيد لمباحثات أوسلو ومن ثم اتفاقيتها وصولا إلى إسقاط البنود المتعلقة بالكفاح المسلح من الميثاق الوطني الفلسطيني عام 1996، ووصولا إلى نهج المفاوضات كخيار استراتيجي وحيد لم يجلب سوى الدمار للقضية الفلسطينية ولحقوق شعبنا، أوصل إسرائيل للاعتراف فقط، بحكم ذاتي لهم في الضفة الغربية وغزة، بالطبع قبل الانقسام وظهور السلطتين، وإشراف السلطة على القضايا الإدارية والحياتية لسكان المنطقتين، من دون امتلاك أي مظاهر سيادية، حتى الحد الأدنى منها. المفاوضات لم تزد إسرائيل إلا نهما للتنازلات الفلسطينية، وإلى زيادة الاستيطان والمذابح. إسرائيل لم تتوقف يوما ـ حتى في ظل اتفاقيات أوسلو ـ عن قتل الفلسطينيين شعبا وأرضا وأشجارا وجبالا وبيوتا، واعتقالهم واغتيالهم والتنكيل بهم بكافة أشكال المذابح والإبادة.
كيري يضغط من اجل إعادة المفاوضات إلى مسارها السابق بعد رفض الولايات المتحدة للخطة (الثلاثية) التي أطلقها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بحجة أنها تأتي من جانب واحد ولابد من التوافق بين الجانبين. الجولات السابقة لكيري في المنطقة ومباحثاته مع الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني لم تسفر سوى عن حل أمريكي مسخ، هو وجهة نظر اسرائيلية أولا وأخيرا مضمونها اتفاق اطار على دويلة مؤقتة منقوصة السيادة والقدس وعودة اللاجئين، دويلة هي ليست غير الحكم الذاتي القائم حاليا، دويلة كانتونات مقطّعة الأوصال، من دون أي روابط جغرافية مع غزة وقطاعها، اضافة إلى وجود عسكري اسرائيلي في منطقة غور الأردن، سيتحول مستقبلا إلى وجود دائم.
من زاوية ثانية، فان حقيقة أخرى يتوجب ادراكها، لا يمكن للولايات المتحدة أن تكون وسيطا نزيها في الصراع بين الفلسطينيين والعرب من جهة، وبين اسرائيل من جهة أخرى. لا نقول هذا الكلام جزافا، وانما اعتمادا على نصوص رسالة الضمانات الاستراتيجية الأمريكية التي جرى ارسالها إلى اسرائيل عام 2004، وتنص على مبادئ كثيرة، أبرزها: التزام الولايات المتحدة بأمن اسرائيل، وتعهدها بعدم ممارسة الضغط عليها لقبول ما لا تريده من حلول أو تسويات. الحقيقة الثالثة التي يتوجب على السلطة الفلسطينية ادراكها، أن الولايات المتحدة ملتزمة التزاما تاما بالحل الاسرائيلي، من دون زيادة أو نقصان، فالموقف بين الحليفين الأمريكي والاسرائيلي حول عناصر التسوية متماه إلى حد كبير، واشنطن ترفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وهي متفهمة للموقف الاسرائيلي بابقاء القدس موحدّة وعاصمة أبدية لاسرائيل. على هذا الأساس، فان كل مرشح أمريكي للرئاسة، ابّان فترة ترشيحه يعد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهذه دلالة كبيرة. التعارض بين الموقفين الاسرائيلي والأمريكي، يتمثل في الاستيطان. واشنطن فعليا ليست ضد الاستيطان، لكنها مع تجميده مؤقتا بهدف تسليك المفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية والوصول إلى حل ّ.
من الحقائق البارزة أيضا، أن استراتيجية المفاوضات لم تؤد الا إلى التنازلات الفلسطينية، وهي مستقبلا لن تؤدي الا إلى المزيد من هذه التنازلات. الحركات الثورية للشعوب المحتلة أراضيها والمغتصبة ارادتها تخوض المفاوضات مع أعدائها، ولكن بشروط أولها: خوض المفاوضات مع العدو، ولكن في مرحلة متقدمة من النضال، تكون فيه الحركة الثورية على أعتاب الانتصار. ثاني هذه الشروط: استناد المفاوضات إلى انجازات حقيقية على الأرض، وهذه لن يتم انجازها الا بفضل المقاومة وعلى رأسها الكفاح المسلح. ثالث هذه الشروط: عدم المساومة والتفريط على وفي حقوق الشعب الوطنية، فالعدو وجرّاء تضرره الكبير من مشروع احتلاله بالمعنيين الاقتصادي والبشري الديموغرافي، بحاجة للوصول إلى تسوية، لأن ليس لديه الاستعداد لدوام تلقي الخسائر البشرية والاقتصادية. رابع هذه الشروط: الاستناد إلى حركة جماهيرية شعبية يجري تأييدها سياسيا من شعوب ودول كثيرة. القضية الفلسطينية، لو كان القائمون الرسميون عليها يستندون إلى الكفاح الثوري والاستراتيجية غير التفريطية بالحقوق، تؤيدها الجماهير الشعبية العربية من المحيط إلى الخليج، وهي تستند إلى قاعدة شعبية دولية عريضة، بالتالي ليس أمام الحركة الثورية سوى الانتصار أو الانتصار.. طريقان لا ثالث لهما. خامس هذه الشروط: دوام الاستناد إلى ما يجري على الأرض من انجازات، فالمفاوضات ليست مطلبا للحركة الثورية فحسب، وانما للعدو أيضا. المفاوضات تعمل على تعميق الانقسام في صفوف الشعب الفلسطيني والأمة العربية بينما نهج المقاومة يجمعها تماما.
لقد خاضت حركة التحرر الوطني الفيتنامية التي كانت تسمى «جبهة التحرير الفيتنامية» مفاوضات مع المحتل الأمريكي في باريس، بعض تلك الجولات التفاوضية لم تكن تستمر سوى دقائق قليلة فقط، يضع الفيتناميون مطالبهم على طاولة التفاوض، فاذا كان هناك تجاوب أمريكي معها، يجري الاستمرار في المفاوضات، والا فلا، وينسحب الفيتناميون. بالطبع هناك فارق كبير بين طبيعة النضال الفلسطيني والنضال الفيتنامي، وهناك فوارق في الظروف المحيطة، سواء بالمعنى الذاتي أو الآخر الموضوعي، لكن هذه التجربة التفاوضية خاضها الكثير من حركات التحرر الوطني للشعوب في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. كمثال على صحة ما نقول: تجربة حزب «المؤتمر الوطني الأفريقي» وحلفائه في جنوب أفريقيا، والمفاوضات التي جرت مع النظام العنصري فيها (الحليف العضوي للكيان الصهيوني). تجربة روديسيا. التجربة الفلسطينية ذاتها ابّان المرحلة الأولى من الثورة (قبل اتفاقيات أوسلو) مرحلة الكفاح المسلح.
على صعيد آخر، فان المقاومة، والمسلحة منها تحديدا، هي الأستراتيجية المركزية التي تتبناها مطلق حركة تحرر وطني لمطلق شعب محتلة أرضه ومغتصبة ارادته، ونتحدّى أن يقوم أحد بتسمية حركة تحرر واحدة لم تعتمد الكفاح المسلح في نضالها (تجربة غاندي مختلفة تماما عن تجارب حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.. هي حركة عصيان مدني شعبي عام ضد الاحتلال البريطاني)، لذلك فان القاعدة العامة هي المقاومة المسلحة.
يبقى القول، كفى تفاوضا مع العدو الصهيوني، وكفى استجابة للضغوطات الأمريكية والدولية، آن الأوان لانهاء الانقسام والتراشق الاعلامي والاتهامات بين حركتي فتح وحماس، يجب مراجعة المرحلة الماضية، والتمسك باستراتيجية المقاومة واحيائها من جديد لدى الفصائل الفلسطينية، التي تعتمد نهج المفاوضات تكتيكا سياسيا واستراتيجية وحيدة ضد العدو الصهيوني.. كما أنه لا هدنة طيلة بقاء الاحتلال.

٭ كاتب فلسطيني

د. فايز رشيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية