ياسر خنجر شاعر سوري من مجدل شمس، الجولان السوري المحتل، يعتمد شكلاً خاصاً في الكتابة الشعرية يمزج بين التفعيلة وقصيدة النثر، وهو خيار شاع في تجارب الشعر العربي التسعينية ومطالع القرن، ثمّ انحسر كثيراً بسبب وعورة العثور على صيغة وسيطة تؤمّن الحدود الدنيا للمتطلبات الإيقاعية وفي الآن ذاته تمنح النثر هامش حرّية مرناً ونطاقاً منسرحاً لبلوغ ما يُسمّى بـ”الإيقاع الداخلي”. كذلك فإنّ بُعد الحجم في قصائد خنجر، القصيرة إجمالاً والمتوسطة أقلّ، يساعده على إحقاق مصالحة ناجحة بين وزن متخفف من العروض ونثر يصبو إلى الشعرية، كما يمكّنه من تنويع طرائق المزج بين الوسيطين. هذا بالرغم من أنّ موضوعات القصائد، التي تتناول هموم الذات والعالم وهواجس البقاء والمقاومة، وصلات النفس بالمرأة والأرض والمصائر والوجود والتاريخ؛ إنما تمارس ضغوطاً شتى، ظاهرة وخافية، باتجاه تظهير الإيعاز العالي مقابل النبرة الخافتة؛ الأمر الذي ينجح خنجر في ضبطه ضمن صياغات وسيطة، في هذا أيضاً.

صدرت مجموعته الأولى “طائر الحرية” سنة 2003؛ أعقبتها مجموعة ثانية بعنوان “سؤال على حافة القيامة”، 2008؛ و”السحابة بظهرها المحني”، 2014. عن مجموعته الجديدة “لا ينتصف الطريق”، يقول الناشر، “يسير بنا خنجر على طريقٍ وعرٍ، لا ينتصف ولا ينتصف فيه شيء، حيث تواجهنا منذ القصائد الأولى تلك التفاصيل التي تئنُّ تحت وطأة واقعٍ مرير، كما لو أنها تنفلت من قبضة حديدية محكمة، لتصرخ في وجه العالم، ويمنحها الشاعر صوته وإيقاع كلماته التي تمضي كنهر هادئ لا يتوقف في السير نحو مصائره الشعرية المتعددة؛ تلك التي اختارها خنجر بعنايةٍ حتى يقتفي أثر الواقع الذي ينهشه الدمار وتمزِّقه يد الحرب، واضعاً عدسة الكاميرا في مكان بعيد، لئلا يفوته شيء وهو يحوِّل كلَّ خطوةٍ إلى مجاز، كما هو حال البلاد”.
هنا قصيدة “تنضج الآن أغنية”:
“حليبي جفّ في نهدي،
فلا تهتمّ إن سقطت سنونوة من رموشي
ولا تهتم إن لم تنضج الأحلام في صدري
فإني مذ كنتُ صبحاً ظلّ في كفّي شيء من العتم
شيء من الطين
وما من وردة ألفتْ طريقاً إليّ
تجاهلْني، تجد أرضاً تطؤها.
لم ألتقِ ورداً نامياً فيه العبق،
إلا حين كنتِ أرض أغنيتي.
التفتُّ لا صدفة، ولكن، حيث لا مفرّ،
حيث هكذا بلا سبب، لا رغبة بي أن أكون
غير ريحٍ تمرّ بكٍ،
وجودكِ كفايتي.
لا تكتفِ بالريح،
جناحان لكَ وكل الأزرق عالق في ريشكَ،
فاذهبْ إلى أيامك
عارياً من النُدُب التي أثثتُ منها القلب.
جناحان لكَ وكلّ الأزرق فتات نظرتكَ.
العُري صدقٌ، وأنا إلّاه لا أعبد.
أكتفي باسمك العالق بين شفتيه.
هكذا أكمل مسيرة القلب
وأذهب إلى حيث تأخذني العبادة.
أحسّ الله يسكنني.
يتقمصك الله حين تنسى
فاعبُد إلاي تنجُ.
أنجو حين يجمعنا الحصاد
ويحتفل الحبّ بي خفقة في قلبك
حين أنسى إلى الطين أعود.
هل حقاً تحبّ وموسيقاي تحرقني،
تؤرّقني
وتورثني رماد البحث عن وطن أفيء إليه؟
كوني لهذا القلب موسيقى
أكنْ وطناً وأغنية.
الآن، تنضج الآن أغنية“.
المتوسط، ميلانو 2019