تركيا تسعى للحفاظ على مصالحها في السودان وتفضل “التهدئة” مع المجلس العسكري

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول-“القدس العربي”: تحاول تركيا الحفاظ على مصالحها المختلفة في السودان من خلال ما يمكن اعتبارها “هدنة” غير معلنة اتجاه المجلس العسكري في السودان، واتباع سياسة “التروي” لحين اتضاح شكل المرحلة الانتقالية في البلاد والموقف النهائي للمجلس العسكري من تركيا ومصالحها في السودان.

وخلال الأشهر الأخيرة التي سبقت الانقلاب العسكري على الرئيس عمر البشير، توصلت تركيا والسودان إلى سلسلة من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكن عقب الانقلاب سادت خشية واسعة من أن يلجأ المجلس العسكري المدعوم من السعودية والإمارات ومصر إلى إلغاء جميع هذه الاتفاقيات.

وفي الأيام الأولى للانقلاب وانطلاقاً من موقفها المبدئي الذي يعارض كافة الانقلابات العسكرية في العالم، صدرت سلسلة بيانات “حذرة” تؤكد رفض تركيا للانقلاب العسكري، لكنها استخدمت جميعها لغة دبلوماسية هدفت في الدرجة الأولى إلى تجنب الصدام مع المجلس العسكري السوداني.

وقال اردوغان آنذاك: “لدينا علاقات متجذرة في التاريخ مع السودان، ونريد أن تتواصل. أتمنى أن يستطيع السودان الخروج من هذا الوضع بأجواء أخوية، وتفعيل المرحلة الديمقراطية بأسرع ما يمكن” مضيفاً: “أهم أمنياتي هو تجاوز السودان لهذه المرحلة بسلام وعلى أسس المصالحة الوطنية”.

وبلغة مشابهة، قالت الخارجية التركية: “نتابع عن كثب التطورات الجارية في السودان التي تربطنا وإياها علاقات شاملة في القارة الافريقية، وأواصر أخوية راسخة” وأضافت: “مثلما فعلت حتى اليوم، ستواصل تركيا من الآن فصاعداً وقوفها إلى جانب الشعب السوداني الشقيق، ودعمها له من أجل ضمان الأمن والاستقرار والطمأنينة في بلاده”.

وعقب ذلك، توقفت التصريحات الرسمية التركية عن السودان بشكل شبه تام، واقتصرت على بعض البيانات لوزارة الخارجية تتمحور حول دعم مسار المباحثات بين الأطراف السودانية وخاصة بين المجلس العسكري وقوى الحرة والتغيير، وامتنع اردوغان الذي يتحدث بشكل شبه يومي عن التعليق أو التصعيد ضد المجلس العسكري طوال الأسابيع الماضية.

وعلى الصعيد الإعلامي أيضاً، علمت “القدس العربي” أن المستوى السياسي في البلاد طلب من وسائل الإعلام الرسمية التعامل بحذر مع الملف السوداني وعدم التصعيد باتجاه أي من الأطراف وخاصة المجلس العسكري وذلك إلى حين اتضاح مسار الانتقال السياسي في البلاد.

والجمعة، وصل وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، إلى العاصمة السودانية الخرطوم، لحضور مراسم توقيع “وثيقة الإعلان الدستوري” النهائي بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى “الحرية والتغيير” حيث كان في استقباله وكيل وزارة الخارجية السودانية. وكتب جاوش أوغلو: “نحن في السودان الصديقة والشقيقة من أجل مراسم توقيع الإعلان الدستوري الذي يتضمن بنود الإدارة المدنية المؤقتة”.

وفي خطوة لافتة، ورغم الأوضاع الأمنية غير المستقرة التي تمر بها البلاد، تجول الوزير التركي في شوارع الخرطوم والتقى بعدد من المواطنين السودانيين وقدم الهدايا لهم، وذلك قبل أن يعقد اجتماعا مغلقا مع رئيس المجلس العسكري الانتقالي، عبد الفتاح البرهان في القصر الرئاسي، وعقب الاجتماع، وفي تغريدة عبر حسابه على “تويتر”، هنّأ جاوش أوغلو جميع الأطراف في السودان على تأسيس إدارة مدنية مؤقتة.

وبينما أشاد الوزير التركي بـ”روح الحس بالمسؤولية الذي أظهرته الأطراف السودانية خلال عملية المفاوضات”، أكد مواصلة أنقرة تقديم الدعم “للسودان حكومة وشعبا، من أجل تعزيز الاستقرار والأمن في البلد الشقيق”.

وتأمل تركيا من خلال هذه السياسة تجنب إجراءات صدامية من قبل المجلس العسكري ضد المصالح التركية في السودان، أو التوجه لإلغاء الاتفاقيات المشتركة بين الجانبين، وذلك لحين اتضاح مسار الحل السياسي في البلاد، حيث تأمل بتمكن القوى المدنية من منع المجلس العسكري في التفرد بالحكم وبالتالي الإبقاء على العلاقات مع تركيا كما كانت عليه في السابق بدون تغيير.

وفي حال عدم نجاح المسار السياسي في البلاد، ونجاح المجلس العسكري في اتخاذ قرارات بضغط من الدول الداعمة له، تتوقع تركيا أن يعمل المجلس بضغط من السعودية والإمارات ومصر على إنهاء كافة الاتفاقيات مع تركيا في كافة المجالات، وربما وصولاً لقطع العلاقات الدبلوماسية معها.

ومن أبرز الاتفاقيات الموقع عليها بين البلدين اتفاقية “تخصيص” جزيرة سواكن السودانية الاستراتيجية لتركيا من أجل ترميمها وإعادة تأهيل الجزيرة التي كانت بمثابة مركز قيادة في الدولة العثمانية، وهي الجزيرة التي رجحت مصادر أن تركيا كانت تنوي إقامة قاعدة وميناء عسكري فيها، وهو ما لم تؤكده المصادر الرسمية التي اكتفت بالقول إنه سيتم إقامة ميناء لـ”صيانة السفن العسكرية” فيها.

وتتمتع الجزيرة والسواحل السودانية بشكل عام بأهمية استراتيجية كبيرة من حيث إطلالتها على البحر الأحمر ومقابلتها للسواحل السعودية ومجاورتها لمصر، وهو ما أثار غضب الرياض والقاهرة آنذاك ودفع وسائل الإعلام التابعة لهما لشن هجوم غير مسبوق على الخرطوم وأنقرة.

كما شملت الاتفاقيات الأخيرة، التعاون في المجال الدفاعي والعسكري وتشكيل مجلس للتعاون الاستراتيجي بين البلدين، واتفاقية للتنقيب عن النفط بقيمة 100 مليون دولار، وتخصيص آلاف الأميال المربعة من الأراضي الزراعية السودانية لتستثمر فيها الشركات التركية لتوفير “الأمن الغذائي لتركيا والسودان ودول أخرى” وبناء مطار جديد في الخرطوم من قبل الشركات التركية واستثمارات أخرى تتعلق بتوليد الكهرباء وبناء صوامع حبوب وإنتاج القطن والتعاون في المجال المصرفي وصولاً لمشروع إنشاء سكة حديد في (سلوم – سواكن شيخ إبراهيم) شرقي السودان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية