مشرعتان أمريكيتان ساعدتا في كشف حقيقة إسرائيل أمام بلادهما وأمام العالم. رشيدة طليب وإلهان عمر تستحقان التقدير على ذلك. ودونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ساعدا على طريقتهما في كشف الحقيقة أيضا، يجب أن نشكرهما على ذلك. الاثنان اللذان منعا دخول عضوتي الكونغرس وفرا مشهداً عبثياً آخر.
بعد منع دخول كل نشطاء حقوق الإنسان إلى إسرائيل، كان يجب أيضاً حظر دخول المشرعتين الأمريكيتين كي نظهر أمام الجميع حقيقة أن إسرائيل هي إحدى دول العالم التي تمنع الدخول إلى أراضيها بسبب مواقف سياسية أو بسبب معارضة النظام السائد فيها.
إن وجبة الخداع والتخويف قدمها كالعادة المتحدثون باسم اليسار الصهيوني، ستاف شبير وتمار زندبرغ، اللتين خشيتا من الإساءة إلى صورة إسرائيل، وقدمتا للحكومة نصائح بشأن كيفية مواصلة خداع العالم، والقول بأن لا سياسة أبرتهايد تمارس هناك، إنما هناك ديمقراطية.
شبير التي سمت نتنياهو بالجبان- هو بالتأكيد أقل جبناً منها- أرادت أن تشرح لزملائها الأمريكيين “تعقيد النزاع”، ذلك التعبير البائس الذي يخدم جبناء اليسار الصهيوني الذين يحبون أن يخفوا بواسطته ضياع طريقهم والحقيقة الخالدة بأن ليس هناك شيء معقد في الأبرتهايد.
لم يعتقد أحد أن الوضع في جنوب إفريقيا كان معقداً، باستثناء البيض المتطرفين قومياً ومؤيديهم. لا أحد في العالم يجب أن يخطئ ويعتقد الأمر نفسه بشأن وريثة جنوب إفريقيا. أسود – أبيض، محتل وآخر يقع عليه الاحتلال – الأمر ليس معقداً تماماً، لكن الصورة هي أهم شيء في إسرائيل: العالم المقتنع بأن إسرائيل منارة الديمقراطية يمكنه الآن أن يكتشف بأنها ليست كذلك. لهذا، سيسجل منع دخول النائبتين الديمقراطيتين كلحظة مهمة في النضال من أجل كشف الحقيقة، الحقيقة التي يخاف الإسرائيليون من النظر إليها.
إلغاء الزيارة يجب أن يتحدى كل إسرائيلي عاقل بعدد من الأسئلة الأساسية: هل يعارض الاحتلال؟ وإذا كان كذلك، فهل يعتقد أن نهايته ستأتي من داخل المجتمع الإسرائيلي الذي سيستيقظ ذات يوم ويقرر طواعية أنه لا يريد الاحتلال وأنه مستعد لتحمل ثمن إنهائه. أما إذا كان لا يعتقد ذلك، فهل هو شجاع بما يكفي من أجل الاعتراف بالنتيجة المتوجبة من ذلك: إنهاء الاحتلال لا يأتي إلا نتيجة لضغط خارجي، من شأنه أن يدفع الإسرائيليين إلى أن يسألوا أنفسهم إذا كان الثمن الذي سيدفعونه والعقاب الذي سيتلقونه جديراً بهم. حركة الـ بي.دي.اس في هذه الأثناء هي الوكيل الأهم لممارسة هذا الضغط. لذلك، من يعارضون الاحتلال عليهم تأييدها.
من يعارضون الاحتلال عليهم أيضاً تأييد طليب وعمر. الاثنتان يمكن أن تبشرا بالأمل الموعود، أن ينشأ في الولايات المتحدة جيل من السياسيين يحتج على النظام القائم، الذي يسمح لإسرائيل أن تستخدم أي شيء، ويسمح للولايات المتحدة أن تدافع عن كل شيء. عضوتا الكونغرس الشجاعتان تحدتا من يعلنون عن معارضتهم للاحتلال.
بزيارة جدتها.. تتحول القضية من مسألة سياسية إلى موضوع إنساني يظهر المحتل رحيماً
انتصرت إسرائيل عليهما تقريباً. ولشديد السرور، استيقظت طليب ولم تقع في الفخ الذي نصب لها. العرض المخجل بالسماح لها بزيارة جدتها عبّر عن نموذج عمل الكولونيالية: عدم تسييس الموضوع الفلسطيني، وتحويله من قضية قومية إلى موضوع إنساني، وعرض الاحتلال كرحيم وحنون.
منذ طرد اللاجئين في 1948 وحتى الحصار على غزة، تتنكر إسرائيل لحقوق الفلسطينيين، بالضبط مثلما تتنكر لحق طليب في زيارة وطنها وحق كل عضو في الكونغرس الأمريكي في زيارة الدولة التي تستثمر فيها بلاده أموالاً ضخمة جداً. بدلاً من ذلك، تقدم إسرائيل كمية أكبر من الوقود وزيارة جدة في بيت عور الفوقا المحتلة مثل تقديم عظمة للكلب.
بقلم: جدعون ليفي
هآرتس 18/8/2019