تطرق الكثير من المفكرين والكتاب والمهتمين بالشؤون الإنسانية وحقوق الانسان والطفل وأصحاب الضمائر الحية لقضية البدون الكويتيين من جوانب عدة، سواء كانت قانونية او انسانية او اخلاقية وتشعبوا وتشابكت آراؤهم وتقاطعت أفكارهم، اختلفوا واتفقوا على الكثير من طبقات القضية وتركوا اللب. درسوا وناقشوا الكثير من أسباب دمار وتحطيم حياة هذه الفئة المنكوبة لكنهم لم يقوموا بتحديد مركز هذا الزلزال وهو التجنيس والإقرار بمواطنتهم، الذي ضرب حياتهم مباشرة ببداية عام 1979 حين تم تغيير مسماهم الحكومي آنذك على عهد الراحل رحمه الله الشيخ صباح السالم الصباح الذي كان في طريقه لتجنيسهم – من بادية الكويت – والمعني انهم جزء من البادية الكويتية أي انهم مواطنون كويتيون الى مسمى – بدون ـ والمعني عدم الاعتراف بهم كمكون من مكونات الكويت ولا ينتمون اليها، الى ان تدرجت بهم المسميات التعسفية وتفنن البعض ممن يملكون ضمائر معينة فيها فأصبحوا غير كويتيين ثم غير محددي الجنسية ثم غير معرفي الجنسية ثم مقيمين بصورة غير مشروعة وسيعود مسمى غير كويتي أو عاد بالفعل ليبعدهم اكثر من الانتماء لوطنهم الكويت، يذكر ان كلمة وزير الشؤون الاجتماعية والعمل الكويتي محمد العفاسي بعد ان رفض وزير العدل المشاركة في المحكمة الدولية في جنيف يوم 12-5-2010 لاقت الكثير من الانتقاد على المستوى الشعبي والنواب، حين ذكر ان البدون يتمتعون بجميع الحقوق المدنية والاجتماعية، كما رفضت ‘هيومن رايتس ووتش’ على لسان نائب مديرها التنفيذي لقسم الشرق الاوسط وشمال افريقيا جو تورك مزاعم محمد العفاسي هذه ووصفهم بالسكان غير الشرعيين. البدون الكويتيون ينظرون للأرض الكويتية على انها الوطن الوحيد الذي لم يعرفوا غيره، دولتهم التي ولد عليها آباؤهم واجدادهم الذين شاركوا في استقلال الكويت عام 1961 رووا هذه الأرض الطيبة من عرق جبينهم وافتدوا أمنها وحياة أميرها الشيخ جابر الاحمد الصباح رحمه الله بدمائهم، حين استشهد اثنان من العسكريين البدون في محاولة اغتيال الامير رحمه ورحمهم الله ولا يزال ابناؤهم من البدون الكويتيين لهذا اليوم. منذ تأسيس الكويت تعيش اجيال من البدون أخفقت في التقدم بطلب الجنسية بالوقت المناسب لأسباب عدة، على سبيل المثال لا الحصر 1- الامية المنتشرة آنذاك 2- تباطؤ الحكومات المتعاقبة في إيجاد حل مبكر 3- قصر الفترة للجان الجنسية 4- قصر فترة التقدم بطلب الحصول على الجنسية 5- تأثير عوامل المحسوبية والطائفية والقبلية على التجنيس، لا أريد الخوض في المسائل القانونية ولا أريد ان أتشعب مما يفقد القضية تركيزها، لكنني وببساطة أريد ان اتحدث وعلى طريقة (حدث العاقل بما يعقل) بمفهوم الرسالات السماوية والتشريعات الأرضية والنواحي الانسانية، هل يعقل ان يترك مولود بلا شهادة ميلاد ويكتب في ورقة المستشفى ما يدل على انه نكرة؟ هل يعقل ان يبني أناس وطنا ويعملوا على استقلاله ويأتي بعد عدة سنوات أناس لا يجيدون لغة الوطن العربية ولا ينحدرون من نفس القومية يزايدون على وطنيتهم، بل ويشككون في جنسيتهم؟ ولم يحسبوا للمثل القائل – إذا كان بيتك من زجاج لا ترمي الناس بحجر- اية حساب؟
هل يعقل ان الحكومة تلتفت لفهد العنزي الذي ابدع في المنتخب الكويتي لكرة القدم وكان له الفضل في احراز كأس الخليج الأخيرة عندما تحتاجه وتفخر به امام العالم وتسمية اللاعب الكويتي ابن الكويت، وهي بالحقيقة تكتب في بطاقته الشخصية – مقيم بصورة غير مشروعة، وقبله مؤيد الحداد أيضا؟
هل يعقل ان يحرز لاعب منتخب الكويت للمعاقين – حامد وبدان الميدالية الذهبية في كرة تنس الطاولة في البطولة الدولية للمعاقين في دورتها الماضية، ثم يقوم في إحراز الميدالية الفضية – تنس طاولة فردي – يوم الاثنين 11-4-2011 في البطولة الدولية للمعاقين المقامة حاليا بالمملكة الأردنية الهاشمية، وتفتخر الدولة بهذا الإنجاز ويهديه بينما يبقى مسمى – مقيم بصورة غير مشروعة – يطارد هذا البطل؟
ومن هنا ينبثق السؤال ايضا هل يعقل ان يوصف شخص ما بالابن ويفتخر به فقط للتباهي امام العالم الخارجي لإبداعه وفنه، أما بالداخل لا يعترف به كابن بل مقيم بصورة غير مشروعة، أي انه دخيل على الوطن، وأقر اخيرا سوف يسمى غير كويتي مما يدل على الانكار التام للمواطنة؟
هل يعقل ان نقارن معجزة 100 الف من البدون الكويتيين الذين يعيشون في ظل ظروف اجتماعية ومعيشية صعبة جدا في تربع ابنائهم وبناتهم على قائمة الطلبة المتفوقين سنويا وبأكثر من النصف بالنسبة للكويتيين مع بقية الطبقات الأخرى التي تنعم بالمواطنة وكافة وسائل الراحة؟
وهناك الكثير من المبدعين البدون الكويتيين وعلى هذا المستوى من الإنجاز وأكثر – لا تتسع هذه الاسطر لذكرهم – يعانون من نفس المسمى في بطاقاتهم الشخصية والحرمان من الفرحة بإبداعاتهم كونهم محرومين من المواطنة. وأخيرا نقول هل يعقل ان يحتضن الغرب البدون الكويتيين بمجرد هروبهم من جحيم الحياة الذي فرض عليهم في الكويت الوطن ويمنحهم الحماية الدولية والجنسية ويوفر لهم كافة وسائل الإبداع بينما تحرمهم حكومة الكويت من العيش في وطنهم كمواطنين ويزايد البعض على وطنيتهم للبروز إعلاميا ولتعويض نقص شخصي معين؟ هذه الأسئلة المنطقية أوجهها الى العاقل فإن صدق.. شأنه والعوض على الله وإن لم يصدق فعليه المساعدة في تصحيح ما لا يعقل في القرن الواحد والعشرين وبلد يدعي الديمقراطية كل حين.
مياح غانم العنزي