أغلبية الشعب (جمعية عمومية) للديمقراطية الجديدة

حجم الخط
0

مطاع صفدي

ربما لم يصدف في التاريخ الإنساني أنه اجتمعت لدى أمة كلّ العلل والأسباب الداعية إلى غضب الشعب والانتفاضة، مثلما هي متلاقية ومتكاملة في أسوأ أوضاع مزرية تعانيها مجتمعات العرب. فليس العجب أن تندلع البراكين المختنقة بجحيمها تحت أكوام الأتربة الفاسدة. فالعالم العربي العاجز عن تحقيق وحدته السياسية، يحقق وحدة الغضب ضد مرتزقة القطريات العابقة بسمومها المتخمّرة. لقد فُرض على البحر العظيم أن يتقطع إلى مستنقعات لِتَخمُّر كل الأوبئة الضارة بطفولة نهضة، لا تعرف كيف تنجو من مخالب أعدائها، حتى تقع فريسة لبعض أبنائها الضالين المعربدين بغنائم السلطة المسروقة والثروة المنهوبة، والكرامة الوطنية المستباحة.

وحدة الغضب العربي تنسف حدود القطريات السياسية والنفسية المصطنعة، لتبرز لوحة البراكين المتعددة القاذفة بنيرانها المتوحدة ضد عدوها الواحد. هذه السياسة الحاكمة التي استنفدت أغراض وكالاتها عن العدو العالمي؛ فلم يعد حكّام السجون العربية قابضين باليد الحديدية على زنازيِن معتقلاتهم الجماعية، أمسوا هم مرشحين اليوم أو غداً، ليكونوا من سكانها الأصليين وليس الطارئين فحسب.

هناك من يريد أن يرى اختلافاً في شخصيات ثورات الربيع العربي. هؤلاء هم صنفٌ جديد قديم من طائفة الإنكاريين المعهودين. كأنما التنوع الثوري يناقض هوية الأرومة الجامعة لتجليات الغضب الجماهيري بين قطر وآخر. أليس هو مطلب الحرية الكافي والوافي وحده ليقلب شرْط الاستعباد إلى فعل المحرض المركزي لانتاج طلائع الرجال الأحرار، بدلاً من عامة المُذَلين المهانين، المنطوين على جروح العجز والصمت إلى ما لا نهاية.

هناك من يقول ان السلطة الفعلية في البلديْن الرائديْن ثورياً، تونس ومصر، لا تزال ضمنياً وعلنياً في يد العسكر. وإن الثورة الشبابية لا كيان نظامياً لرجالها وأفكارها معاً. كأنها معطلة أو معاقة عن بناء مؤسساتها. فالشعب لن يبقى أبدياً حبيس تظاهرات شارعية أو ميدانية. وهذا صحيح. لكن الأصح كذلك هو أن الثورة، قبلْ أن يتاح لها في القاهرة وتونس، أن تنهض باجهزتها الحزبية والحكومية، فإنها جعلت من ذاتها برلماناً حيوياً متحركاً، طلائعُه الشباب الناشطون، وقاعدته تمتد أفقياً أو تغور عميقاً حتى تكاد تستوعب الشعب في أغلبيته المساندة والمتعاطفة، والملتزمة إنسانياً ووجدانياً بأهداف الثورة، ومطمحها المشروع العظيم لاستعادة أبسط حقوقها المهدورة، في العيش اللائق بكرامة البشر الأحرار.

وفي اللغة المعرفية، يمكن الحكم العقلاني الهادئ أن مجتمعات العرب دخلت عصر التغيير من أوسع باب له، وهو الانقيام الأكثري لقاعدة الهرم الاجتماعي من كل دولة. فعْل (الانقيام) هذا يدلّ لفظه على صدور الفعل من ذاته. وهو الوضع الاستثنائي الذي تعتبره الفلسفة الاجتماعية أنه علامة تجذير طبيعي لعوامل التغيير، بحيث تغدو ـ هذه العوامل ـ أقوى ذاتياً من الشروط المضادة لبروزها. وتلك هي علامة التغيير، المستحقة لوصفها بكونها دلالةَ الانتاج التاريخي السابق على أفعال أدواته، والمعد لمضمونه، لمادة هذه الأدوات عينها. فالعالِم يبحث عن مقدمات أو علل الحراك المجتمعي، لكن الفكر المعرفي يسعى إلى الكشف عن الفعالية الأعمق لما يُصطلح عليه بالذخيرة البنيوية المميزة لمجتمع دون آخر؛ فهي من محصّلة التجربة التكوينية لهذه البنية، ومدى استجابتها لمؤثرات العصر من حولها. وذلك هو المعيار الذي يميز ما بين مجتمع تاريخي وآخر لا تاريخي. فهذه الثورة العربية تجدد الثقة بمجتمعها (القومي) الكبير، بذخيرة الكينونة الثقافية، لتجاربه السياسية التي لم تذهب عبثاً. بل أبدعت اختلافاً نوعياً في كل من مفهومي: الحرية والديمقراطية.

هذه الثورة العربية في القاهرة تكافح في تكوين ذاتها شعبياً كسلطةِ وعيٍ ورقابة على حكّام المرحلة الانتقالية الراهنة، تفعل ذلك قبل أن تتورط في بناء مؤسسة الحكم الثوري. هذه البداية غير المألوفة بعْدُ في الموسوعة الثورية، تعيد إلى الديمقراطية صيغتها الأصلية في كون الشعب، أو أغلبيته العُظمى، هو برلمان الثورة فالصعوبة البنيوية التي تعانيها تجارب الديمقراطية العريقة في وطنها: الغرب، والتي لم يجد كبار المصلحين والمفكرين منافذ عقلانية واقعية لحلولها، إنما تدور حول هذه الإشكالية، كيف يمكن اختصار أغلبية الناخبين بالعدد القليل والمحدود من ‘نواب الأمة’. هذا النظام التمثيلي لا يزال مصدرَ كل انحرافات السلطة الرأسمالية. إذ سرعان ما تمتص البرجوازية المالية فعاليات الأحزاب المجتزأة، المتمثلة في المجالس النيابية، مهما توزعت انتماءاتها الشعارية والنظرية بين اليمين والوسط واليسار.

تتميز ثورتنا العربية في عاصمتها القاهرة/ميدان التحرير، أنها تجدد الديمقراطية ولا تستعيرها، دون أن تدري. فهي قلبت الهرم الاجتماعي، جعلت قاعدته ما فوق قمته. كشفت للشعب أنه ليس هو مصدر السلطات، بل أصبح هو سلطة السلطات؛ إنه مركز الآمرية، غير المشخصنة، وغير المتمركزة حقاً، بل هي المتكفّلة باستحضار الأغلبية العظمى من الشعب، التي لا يمكن أن تختزلها أية فئويات أو أهلويات. فهل هناك في ثقافة الحرية العربية المستعادة أروع من أن يكون الشعب هو حكومته الفعلية المسؤولة أمام كل مواطنيه المشتركين جميعاً في آمرية الحق والعدالة. ما يعني أنه يمكن للثورة الحقيقية أن تأتي بالديمقراطية المتحررة من ضرورة النظام التمثيلي مرحلياً على الأقل. فأن يحكم الشعب نفسه بنفسه، ليس طوبائية خيالية. الديمقراطية هي براءة الحرية غير المحتاجة للوكالات والوساطات. سقوط المشروع الثقافي الغربي فلسفياً أنه وقع أسير التفكير بالواسطة متناسياً التفكير بالحدّ. أَنه جعل النقلة بين كل حدّين أو أكثر، منوطة باختراع الوسائط الغريبة عن طبيعة الحدود التي تصل بينها. ولقد تحمّل تاريخ الديمقراطية الحصائل الأثقل من استبداد هذا الانحراف الأنطولوجي في العقل الغربي. فلم يتح لأية ثورة ديمقراطية أن تقيم المؤسسة السلطوية العاكسة لبراءتها الأصلية، يكفي التذكّر أن الفئويات تسرق إنجازات الأغلبيات. فلا يزال الفكر السياسي الغربي متورطاً في المحاولات العبثية الهادفة إلى شرعنة هذه السرقات المتمادية، بالقفز من إيديولوجيا إلى إيديولوجيا، حتى يواجَه أخيراً بإيديولوجيا الفراغ القاضية على سلالتها من بعدها.

أما نحن، فلعل أحوال الحرمان المزمن من الحرية، هي التي راكمت كذلك قوى الانفجار البركاني الأعظم، القادر (أخيراً ربما) على نسف صخور أعتى استبداد جاثم على صدر الأربعمائة مليون عربي مضطهد، مستعبد، عارف بذلّه أو متجاهل له. فليست الإطاحة بالرأس المتعفن كفيلة وحدها باجتثاث هياكلها معها.. الشعب العربي في مصر أعطى لدولته اسمها الجديد القديم: مصر الثورة- هنالك إعادة انتماء وشرعنة للجنسية البيولوجية بالمواطنية الثورية، باكتساب (الأمة) لشخصيتها المفهومية، صنيعة أجيالها الشابة، كأعلى ضرورة لحريتها الجديدة الفاتحة. ذلك هو الأفق المعرفي الاجتماعي الذي يمكن أن تتوجه نحوه تلقائياً حتى الآن، هذه التجربةُ الريادية للديمقراطية الصادرة مباشرة عن الممارسة، السابقة على كل تنظير. أهم المتغيرات التي تطرأ على الأفكار المرجعية هي المشتقة من لحم وعظم الواقع أولاً. والعرب يدخلون عصر التغيير بعد عصر الجمود المديد، إذ سرعان ما تحول هذا الجمود إلى مجرد قشرة بركانية لن تكبت حِمَمه الصامتة إلى الأبد.

لن يرتّد عصر التغيير المعاصر إلى أتْعس وعوده إلا بقدر ما تتناسى الثورة عدوها التاريخي وهي السلطة. ليس فقط سلطة الواقع الفاسد الذي تنتقض ضد رموزه ومؤسساته. بل هي كل سلطة سوف تدّعي احتكارَ النطق باسمها، وحتى كل سلطة قد تنتهي إليها الثورة. فالشرْط الحاسم لديمومة الثورة ونقائها، قد توفره هذه الديمقراطية للأغلبية الشعبية، غير المتنازلة عن حضورها الجمهوري المتناوب والمتجاوب مع الحدث السياسي وتحولاته الفوقية. فليست هي الدولة وحدَها الأداةَ المفضّلة للثورة المنتظرة على دولة الاستبداد/الفساد البائدة. وليس (الحزب الثوري) من يصنع الدولة أو يقودها، أو يراقبها. تلك الفلسفة التراتبية دمرتها تجاربها الكارثية في الغرب كما في الشرق. فُجاءةُ الثورة العربية أنها تحول كل الشعب إلى (جمعية عمومية) دائمة الانعقاد، أو جاهزة للانعقاد، كلما استدْعتها الأغلبية الشخصية أو الرمزية من أعضائها، بالمقابل فإن الثورة المضادة هي العاملة على تبديد هذه الجمعية العمومية لشعبية الثورة من وراء ظهرها؛ فقد تتغلغل في تلافيف الأغلبية الصامتة، حيثما يمكنها زرع الشكوك والافتراءات، ما يجعل الرأي العام يصاب بالشروخ، معطَّلاً عن التوافق وراء إنجازات الثورة الوليدة.

مصر الثورة حققت حتى اليوم أفضل المداخل الممكنة وكانت شبه مستحيلة في الواقع العربي لعصر التغيير الوطني والقومي. فهي كوَّنت صيغة الأغلبية المستمرة لقاعدة الديمقراطية الصحيحة، مما يجعل من هذه الديمقراطية قوةَ رقابةٍ ومعارضةٍ في وقت واحد، مقابلَ أية بنية سلطوية أو إدارية حتى عندما تنشأ حكومة للثورة، أو ناطقة باسم أهدافها؛ فالديمقراطية الشعبية (الصحيحة) لن تكفَّ عن الفعالية المزدوجة للرقابة والمعارضة. ذلك هو العطل المركزي الذي أطاح بأكبر الأنظمة الثورية غرباً وشرقاً، وقع عندما ألغت قياداتها الفردية الفئوية حريةَ مجتمعاتها لصالح فئاتها الحاكمة. فالاستبداد والاصلاح ضدّان لا يتعايشان أبداً، وتحت شعارية أية أدلجة (ثورجية) مهما كانت لها أصول متجذرة في حقيقة الشعب والأمة.

ثورتنا العربية الجديدة في مصر، وتونس، افتتحت، بالوعي والشهادة معاً، منهجَ النضال المستقبلي للنهضة العربية الثالثة. لن تكون مسيرة أُحادية للثورة بدون نقيضتها المنتكسة والمُعيقة.. وحتى المتآمرة. فقد يخطئ بعض الثوريين في نزعة تصنيم المثل وحدها، دون التلفت إلى المعاول الهدامة المستنبتة حول تماثيلها. فالثورة التاريخية هي التي تبدأ، لكن دون أن تفترض كمالاً لها مسبقاً. في مصر وتونس تتعامل الثورة العربية مع الواقع المضاد والفاسد. لقد فرضت على هذا الواقع أن يخوض معركة بقائه أو زواله، جعلته يبرز عينات من أسلحته الخبيئة أو المتوارية. وقد جرّدته من مواقع أساسية في قمم السلطة الظاهرة. حيّدت الكثير من آلة قمعه المباشر، لكن في كل يوم من أيام الثورة سيكون له عنوان مختلف. والمهم أن الثورة أمسكت بناصية التغيير. فالنصر العقلاني لن يوّلد إلاّ أفضلَه عقلانية وتغييراً جذرياً.’ مفكر عربي مقيم في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية