الثورات…والمورات

حجم الخط
0

أديب حسن محمدفي اللغة الكردية هناك مصطلح يدل دلالتين واضحتين على الأصل والفرع، فإذا سأل سائل عن جمهرة من الناس أمام إحدى المؤسسات التي توزع السكّر المقنّن مثلاً لأجيب: ‘شكّر.. مكّر’….(بمعنى أنهم يوزعون سكّراً وما شابهه).. ومن نافلة القول أنّ ما شابهه هنا أقل أهمية بكثير من السكّر نفسه الذي هو جوهر الحدث، وسبب الجمهرة.

هذا المصطلح الطريف ينسحب على جميع مناحي الحياة بالطبع.. فإذا صادفت شخصاً واقفاً أمام الباب الخارجي لأحد المراكز الثقافية، وسألته عما يحدث في الداخل لأجاب: ‘شِعر.. مِعر’، والمِعر هنا هو نقيض الشعر، أي العبارة هنا تدل على الاستخفاف بالنشاط الثقافي الذي لا يحضره في العادة سوى نفر قليل من الناس منهم المستخدم، ورئيس المركز، وأحد الموظفين، والشاعر نفسه، وبضعة أشخاص من معارفه.

وإذا صادف وسألت متعهداً غشّاشاً عن المواد التي وضعها في أساسات إحدى المشاريع يقول بتهرّب: ‘حديد، مديد’.. ونسبة المديد (الذي هو أيّ مادة سوى الحديد) كما نعرف أكثر بكثير من نسبة الحديد، وهذا يضمن هامشاً من الفلوس، ويساهم في تغذية وحش الفساد، الذي يعيش على أرواح الناس المهددة دائماً.

وإذا قرأ عليك ‘كويتب’ شيئاً من الكلمات المعجوقة، والمبهمة، والمفعمة بالطلاسم واللوغاريتمات، وأشباه الجمل، وبنات خال المعاني، وأقارب أقارب الصور اللاشعرية… الخوتجرأتَ، وسألت جنابه عن ماهية الخلطة التي صفعنا بها لأجاب فوراً: ‘حداثة، مداثة’…!!! والحداثة هنا هي المتراس الذي تحتمي خلفه شناعات صاحبنا، أما المداثة… فهي الشناعات بعينها…!! وإذا صدف وسألت محرراً في إحدى الدوريات الثقافية ذائعة الميت، وفقيرة الصيت، عن مادة بعثتها له من زمن الهكسوس، لأجابك ضارباً كفّه بجبينه: ‘نسيت، مسيت’… نسيت من النسيان الأصليّ (الياباني ربما) ومسيت: كذبة صارخة (سنغافورية، أو صينية في أحسن الأحوال) للتغطية على إهماله للمادة، أمام دفشات أشباه الكتاب المتنفذين، والذين لا يُرَد لهم طلب، ولا تُهْمَل لهم مادة، حتى لو كانت غير صالحة للنشر إلا على حبال الغسيل…!!! ودائماً ‘إذا’ هذه الكلمة الافتراضية السحرية… إذا تابعت على شاشات الفضائيات الهرج والمرج الذي يجتاح المنطقة، وسألت محلّلاً سياسيّاً عن ماهية هذه التغيّرات، لأجاب: ‘ثورات، مورات’… والثورات هي الحركات التي تروم التغيير، وعمادها الشعوب الطهقانة من تراكمات الفساد، والظلم… والمورات.. هي الحالات الفوضوية الموازية التي يستغل فيها الرعاع الأهداف النبيلة للثورات، فيمارسون عاداتهم الدنيئة في السلب والنهب وما شابه… تقول النكتة أن أحد الطفيليين الذين لا يبرحون مجلس أحد الآغاوات، قد ألح على الآغا بالأسئلة السمجة السخيفة، فسأله: ‘آغا.. يقول الناس: (شوربة، موربة).. فما هي الشوربة؟ وما هي الموربة؟

؟’فرد الآغا: ‘الشوربة يا إبني هي ما يغلي بقلب الطنجرة أما الموربة فهي تلك الرغوة التي تعلو الطنجرة، والتي ترمى..’. وظل الطفيلي يسأل أسئلته السخيفة، والآغا يجيب بصبر ومكر في آن.. وبعد ساعة من الأسئلة نفذ صبر الآغا، عندما سأله الطفيلي: ‘يقولون آغا، ماغا، فمن هو الآغا؟

ومن هو الماغا؟

؟’فأجاب الآغا، وقد انفرجتْ أساريره أخيراً:’الآغا أنا طبعاً، والماغا أمثالك من الكلاب المحيطين بي’…!! وأرجو بدوري أن يكون مقالي قد حظي بالقراءة أكثر من المراءة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية