د. لبيب قمحاوي الشعب لا يرغب ولا يريد أن تتم ثورة الإصلاح والتغيير في الأردن من خلال مخاضٍ دامٍ على الطريقة الليبية أو اليمنية، فما دام سقف مطالب الإصلاح في الأردن ما زال ضمن إطار الشرعية الدستورية التي تنادي ببقاء نظام الحكم، ولكن ضمن معادلة دستورية جديدة، فإنّ عملية الشد العكسي التي يقوم بها النظام ومؤسساته تضحى غير لازمة وغير ضرورية، بل ومُستفزة كونها تهدف إلى حرمان الشعب من الوصول إلى أهدافه، وهي أهداف مشروعة وهادئة. إنّ استمرار النظام في عملية الشد العكسي قد يؤدي إلى تفاقم الأمور بشكل يخرجها عن إطار السيطرة، كما تشهد مناطق أخرى مثل اليمن، الذي دفعت قوى الشد العكسي المتبادل فيه إلى تصعيد شعارات الثورة وحصرها في كلمة واحدة غير قابلة للتفاوض وهي ‘إرحل’. لا يوجد ما هو أسهل من خلق الأعذار والمبررات لبقاء الوضع على ما هو عليه من فساد وعفن سياسي ومالي، واستهتار واضح بالمواطن وآماله وأحلامه ومستقبله ومستقبل الأجيال الجديدة. الحرية تعادل الروح، بل والحياة نفسها. ولحظة الحقيقة قادمة وهي اللحظة التي ينتظرها الكثيرون. إنها اللحظة الفاصلة بين قبول واقع جديد أو رفضه. وكذا بالنسبة للحكام، هي أيضاً لحظة الحقيقة، إذا اغتنمها الحاكم أصبح حكيماً، وإذا لم يغتنمها يكون قد سَطَّرَ نهايته بيده. يستطيع أي حاكم مستبد أن يُسَخِّر موارد الدولة كما يريد، من أجل تعزيز حكمه بأي ثمن، وبهذا يحاول الحاكم أن يخلق لنفسه عالما يعيش فيه بوهم أنه محبوب وأنّ شعبه يريده كما هو، ‘بِعَجَرِه وبَجَرِه’، حتى لو كان حاكماً ظالماً فاسداً أنانياً يعتبر أنه هو البداية وهو النهاية. ولكن هل يستطيع الوهم أن يهزم الحقيقة؟ ولمصلحة من أن ينتصر الوهم على الحقيقة؟ كل حاكم مطلق يرغب في أن يحكم إلى الأبد، وقد حذرنا التاريخ مراراً وتكراراً بأنّ شراء وهم القبول الشعبي من خلال دعم وتأييد كاذبين لن يؤدي في النهاية إلا إلى الكارثة. واستبدال حقيقة ثورة التغيير بوهم التأييد الكاذب والفعل المضاد لن يجعل الحقيقة تختفي حتى لو تم استعمال الحديد والنار. الأردن هو احد دول المنطقة الذي يصر على عدم استيعاب الدروس مما يجري حوله. والأردن يحاول شراء الوقت والالتفاف على مطالب الجماهير من خلال المماطلة ومحاولة تسليم قيادة التغيير، مع أنه تغيير شكلي، لعناصر كانت قائدة ومتنفذة في حقبة الفساد المالي والاستبداد السياسي. وما حكومة الأردن الحالية ولجنة الحوار الوطني إلا أمثلة على ذلك. إنّ فاقد الشيء لا يعطيه. وكثير ممن تمت تسميتهم لقيادة مرحلة التغيير إنما هم في الواقع جزء من المشكلة ومن المستحيل أن يكونوا، بالتالي، جزءاً من الحل. إنّ مثل هذا الموقف يعكس إما جهلاً مطبقاً بديناميكية التغيير وعوامله، أو استهتاراً مقصوداً بالناس وعقولهم. إنّ مصر وثورة مصر، كما تونس وثورة تونس، قدمتا الدليل الحي والملموس على أنّ قادة حقبة الفساد المالي والسياسي لا يمكن أن يكونوا قادرين على قيادة حقبة التغيير والإصلاح، بل يجب عدم السماح لهم بذلك. وعلى الأردن أن يتعظ من غيره عوضاَ عن الإصرار على تعلم دروسه على حسابه وبثمن قد يكون باهظاً. وعلى النظام أن يتعلم خطأ وظلم ممارساته المعتادة التي استندت إلى مبدأ من لم يكن معنا فهو ضدنا. وبالتالي من لم يكن مع النظام فهو غير موجود حتى ولو كان مواطناً حياً يرزق . فالمواطنة بالنسبة للنظام لا تكفي والأساس هو الولاء الأعمى. من ذاك الذي يستبدل المواطنة الحقَه بالولاء الأعمى؟ أمر عجيب ويدعو إلى الغضب. فالولاء هو للوطن. وكل من أحب الوطن وحماه وخدمه هو المواطن الحقيقي الذي يحق له التمتع بكافة الحقوق. الله أكبر على كلِّ ظالم. الولاء للوطن حتمي ولا خيار فيه، ولكن الولاء للحاكم ونظام الحكم اختياري وهو جزء من العملية الديمقراطية. لكل مواطن الحق في المعارضة من دون أن يؤدي ذلك إلى التشكيك في وطنيته أو مواطنته. لا ولاء أعمى لأي نظام، بل تأييد أو معارضة طبقاً لسياسات هذا النظام أو ذاك. أما أن ترتبط حقوق المواطنِ بولائه لنظام ما، وليس للوطن فهذا من سمات الأنظمة الديكتاتورية التي نحارب جميعاً الآن من أجل إسقاطها. وهنا تكمن الفلسفة الحقيقية في المطالبة بالتعديلات الدستورية في الأردن، حتى يكون الملك فوق السياسة والمساءلة والمحاسبة وحتى تكون الحكومة هي المعرضة لكل ذلك، وحتى يكون موضوع الولاء بالتالي محسوماً لصالح الوطن، وتكون المعارضة حقاً دستورياً ولأي مواطن أن يمارس حقه الدستوري في أن يُسقِط هذه السياسة أو تلك من خلال العمل على إسقاط هذه الحكومة أو تلك. إنّ ممارسة الحكم والمساءلة والمحاسبة أمور لا يمكن الفصل بينها. والكويت مثال على ذلك، فالأزمة النيابية المستفحلة في الكويت أساسها أنّ النظام الكويتي لا يريد لولي العهد، وهو رئيس مجلس الوزراء، أن يُستجوب من قبل مجلس الأمة، والمجلس يصر على حقه الدستوري في ذلك. وكان الخيار إما أن يشكل الحكومة شخص من خارج العائلة المالكة أو أن يخضع رئيس الحكومة، ولي العهد، للاستجواب وهذا ما كان. لا ممارسة للحكم من دون مساءلة. مبدأ بسيط ولكنه حاسم وعادل وديمقراطي. إنّ استمرار تعنت أي نظام حاكم، ورفضه التعامل مع مطالب الإصلاح بصدق وجديّة، سيؤديان بالنتيجة إلى رفع سقف تلك المطالب بشكل قد يدفع الأمور باتجاه الحسم القاصم هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ الغضب والإحباط الجماهيري من سياسات التجاهل قد يؤدي إلى تقوية يد بعض التنظيمات المتطرفة ويشجعها على محاولة ركوب الموجة وقيادة التحرك الجماهيري في اتجاهات أخرى لا يريدها أحد. إنّ مطالب الشعب ليست محصورة بالإصلاح السياسي والاقتصادي كما يزعم الحكم في الأردن، ولكنها أشمل من ذلك وتطالب بالإصلاح الدستوري ومكافحة الفساد والفاسدين، ووضع حد لاستفحال نفوذ وتَغول الأجهزة الأمنية وتدخلها في حياة المواطنين. فالأنظمة الجائرة غالباً ما تلجأ إلى استعمال سلاح البطش والقهر كوسيلة لتطويع شعوبها، لكن سواء طال الزمان أم قصر، فإنّ هذا الوضع يبقى مؤقتاً ويعتمد على قدرة هذا النظام أو ذاك على الاستمرار في قهر الشعب، وعلى مدى استعداد الشعب لقبول مثل ذلك الظلم. ومن أجل تحقيق ذلك، حرصت تلك الأنظمة على تطوير أجهزتها الأمنية وإمدادها بعناصر القوة حتى أصبحت الدولة تجسيداً لذلك الواقع، وبرز مفهوم الدولة الأمنية. لقد تصدت الثورة المصرية للمؤسسة الأمنية بشجاعة وذكاء وأعطت الأولوية للقضاء على تلك المؤسسة الشرسة والشريرة التي كانت الذراع الضاربة لنظام فاسد استطاع تدمير أعظم وأعرق دولة عربية وتحويلها من قائدة للعالم العربي وأفريقيا إلى رجل المنطقة المريض والمستباح. وكباقي الدول العربية، فإنّ الجهاز الأمني في الأردن اتخذ مساراً مشابهاً لباقي الأجهزة الأمنية العربية. لقد آن الأوان لأن يعود جهاز المخابرات العامة في الأردن إلى ممارسة دوره الأساسي والطبيعي في حماية أمن الوطن، عوضاً عن إدارة شؤون الوطن والتحكم في حياة المواطن، كما هي عليه الحال الآن. الشعب يبقى والنظام الجائر يزول. أما الأنظمة التي تبقى فهي التي تعبّر عن شعوبها وتلتصق بها. فشرعية أي نظام لا يتم التعبير عنها من خلال قدرة النظام على البقاء والاستمرار، ولكن من خلال القبول الشعبي الحر وقدرة النظام على التعبير عن الأماني الوطنية والإرادة الحرة للشعب. والأردن ليس بمعزل عن كل ذلك. فثورة الإصلاح قائمة ومعادلة الإصلاح ما زالت بسيطة، فإمّا أن يكسب الشعب ويكسب النظام، أو أن يخسر الشعب ويخسر النظام. وحتى الآن لا أحد يريد أن يرى تغييراً على هذه المعادلة.’ استاذ جامعي وكاتب اردني