في أربعة أحداث مختلفة قتل جنود الجيش الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة مسلحين فلسطينيين حاولوا اجتياز الحدود في القطاع. في عدد من هذه الأحداث لاحظ ضباط الجيش الإسرائيلي في الميدان ظاهرة جديدة. الفلسطينيون الذين اقتربوا من الجدار ظهروا “متلهفين”، وكأنهم يعملون تحت تأثير شديد للمخدرات. وعدد من الشباب الذين يتصادمون مع الجنود على طول الحدود في مظاهرات يوم الجمعة ويأخذون على عاتقهم مخاطرات غير معقولة أظهروا سلوكاً مشابهاً.
الإدمان على المخدرات، لا سيما مسكنات الألم، تعتبر الآن في القطاع وباء حقيقياً، لا سيما في أوساط الشباب. عندما تبرر حماس محاولات اجتياز الحدود الكثيرة كأعمال لـ “شباب غاضبين” فإن المخدرات أيضاً تلعب دوراً هنا. مشكلة غزة هي في المقام الأول اقتصادية واجتماعية. المليونان من الناس ما زالوا عالقين في منطقة مكتظة، في ظروف يومية صعبة جداً. ورغم تحسين معين في توفير الكهرباء والمياه في الأشهر الأخيرة، فالنتيجة ازدياد العنف.
عدد من الفحوصات مع الجيش والاستخبارات تظهر أنهم يتمسكون بالتفسير الذي قدموه على ما يجري أيضاً قبل أسبوع وأسبوعين. حسب أقوالهم، حماس لا تقف من وراء هذه اختراقات الحدود. عدد من أعضاء الخلايا كانوا نشطاء في حماس أو انسحبوا من صفوفها مؤخراً. أحدهم استخدم سلاحاً شخصياً وفرته له حماس. ولكن الخلايا حسب هذا التفسير تعمل بصورة مستقلة. أفعالهم تعكس إحباطاً مزدوجاً من الوضع الشخصي للنشطاء ومن وضع القطاع، حيث قيادة حماس هي المتهمة بالصمت إلى درجة التعاون، على خلفية الحصار الذي تفرضه إسرائيل. بعد الأحداث الأخيرة اعتقلت حماس عدداً من المشبوهين بتورطهم في عمليات اختراق وإطلاق الصواريخ وصادرت السلاح. وثمة عمل وقائي آخر لحماس تحول إلى حادثة في هذا الأسبوع. ذات ليلة، لاحظ الجيش أشخاصاً يقتربون من الجدار في منطقة رفح. وقبل اتخاذ قرار إطلاق النار تبين أن الأمر يتعلق برجال من قوة الانضباط لحماس، مزودين بمصابيح جاؤوا لإحباط عملية فلسطينية منفردة لاختراق الجدار.
بنظرة أوسع، سمحت إسرائيل بتسهيلات معينة في القطاع، ومصر سهلت على حركة البضائع والأشخاص في معبر رفح، لكن الظروف الاقتصادية الأساسية في القطاع بقيت على شفا ما لا يطاق. وفي المسافة بين التسوية والتصعيد فإن البندول في الأسابيع الأخيرة ظهر مرة أخرى وهو يقترب من العنف. باختصار، العائق الأساسي هو عدم الاستعداد للتوصل إلى اتفاق في مسألة الأسرى والمفقودين الإسرائيليين في القطاع. بدون حل يشمل إعادة المواطنين وجثث الجنديين ستبقى غزة عالقة. في جهاز الأمن يزداد تأييد التسوية حتى بثمن إظهار مرونة معينة أمام حماس على أمل أن يسمح هذا الأمر بنشاطات أوسع لإعادة إعمار البنى التحتية في القطاع ويساعد على منع اندلاع حرب.
في الوقت نفسه، تمت زيادة استعدادات الجيش لاحتمالية حدوث عملية واسعة في القطاع. وحتى الآن نوصي بعدم الانفعال أكثر من التهديدات الجديدة التي يوجهها وزراء الليكود لحماس. الأمر الأخير الذي يريده رئيس الحكومة نتنياهو هو مواجهة عسكرية مع حماس. وقيادة حماس تدرك ذلك، وربما هذا جزء من المشكلة يمكن أن يؤدي بالطرفين في نهاية المطاف إلى مواجهة رغم أنفهما.
العقيد (احتياط) ميخائيل ملشتاين كان رئيس الساحة الفلسطينية في جهاز الاستخبارات في عملية الجرف الصامد. ملشتاين يجد “شبهاً كبيراً مقلقاً بين الظروف الحالية في غزة والظروف التي خلقت الحرب في 2014”. وحسب أقواله: “الواقع المدني الصعب، إلى جانب صعوبات في دافعية حماس لفرض الاتفاق على الفصائل الفلسطينية الأخرى، تزداد احتمالية تصعيد غير مسيطر عليه. لا توجد أي قوة خارجية تؤثر بشكل كامل على حماس. وفي المقابل، لوحظ وجود يأس عام في القطاع، وهو ما يثير خوف حماس من حدوث غليان ضدها. ويوجد حتى الآن كوابح لحدوث حرب منذ خمس سنوات، لكنها تتآكل بالتدريج. التصريحات الهجومية للطرفين تساعد على الوصول إلى الشعور بأن معركة أخرى هي مسألة وقت. والسؤال هو ما الذي سيكون الصاعق المفجر”.
الإشارة التي أعطيت بصمت
وسائل الإعلام العراقية نشرت، الثلاثاء الماضي، تقارير عن إطلاق قذائق هاون على قاعدة لمليشيات شيعية مدعومة من إيران في شمال بغداد. الحادثة كانت بعد عدة تفجيرات مجهولة حدثت في الأسابيع الأخيرة في مخازن سلاح لمليشيات شيعية مختلفة في العاصمة بغداد وغرب الدولة. الحكومة العراقية التي حرصت على التقليل من أهمية هذه الأحداث في البداية، لم تعد تستطيع تجاهلها. المليشيات الشيعية اتهمت إسرائيل أول أمس بشكل مباشر. وفي وسائل الإعلام العربية نشرت أنباء مشكوك في موثوقيتها حول اتفاق أمريكي – روسي للسماح لإسرائيل بمواصلة هجماتها في العراق.
مشكوك فيه إذا كان الأمريكيون يوافقون على هذه الهجمات المتكررة التي تضعضع علاقتهم مع أحد حلفائهم المهمين، رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي، في فترة حساسة أصلاً. ولكن إسرائيل تواصل الإعلان بأنها ستحارب بقوة الإيرانيين في كل مكان تراه مناسبًا. نتنياهو الذي امتنع عن التطرق مباشرة لهذه الأحداث أعطى إشارات كثيفة حول مسؤولية إسرائيل عن هذه الهجمات أثناء زيارته في أوكرانيا. ” سنعمل أينما توجب علينا العمل، ويدنا ما زالت العليا”، قال للمراسلين. وعندما سئل ما إذا كان العراق هدفاً للهجمات، أجاب وكأنه رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، الذي يظهر التماهي بينه وبين الدولة التي يقودها “لا أقيد نفسي”.
ولكن في الأيام العشرة الأخيرة أثبت ترامب مرة أخرى إلى أي درجة يمكن أن يكون هناك سور ضعيف عندما تتشوش الأمور. ففي البداية، جر نتنياهو إلى إخفاق شديد يتمثل برفض دخول عضوتي الكونغرس من الحزب الديمقراطي، رشيدة طليب وإلهان عمر. والثلاثاء، وهو مصمم على استخدام حملته لتشخيص السياسيتين الديمقراطيتين المتطرفتين، قال الرئيس إن كل يهودي أمريكي يصوت للديمقراطيين فإنه يعاني من مشكلات في الولاء (ترامب الذي قرر تصريحه بعد يوم، لم يفصل تجاه من هو الولاء المعيب).
نتنياهو ووزراؤه والمتملقون له حافظوا على الصمت. يمكننا فهم السبب: ترامب ليس أوباما الذي استخف به رئيس الحكومة في خطابه في الكونغرس ضد التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران في 2015. الرئيس منح نتنياهو الكثير من الهدايا، وهو يفكر بإعطائه هدية كبيرة أخرى عشية الانتخابات القادمة، وهو يعاني من “أنا” كبيرة وهو قابل للمس بشكل كبير. صمت نتنياهو مؤشر إلى ما سيكون: إذا غير ترامب مواقفه لأسباب متعلقة به من الموضوع الإيراني، الحاسمة بالنسبة لنتنياهو، فإن رئيس الحكومة سيجد صعوبة في التصادم معه.
نتنياهو دفع ترامب إلى اتخاذ قرار انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي في أيار 2018. ويمكن الافتراض أن رئيس الحكومة استند إلى سيناريوهين محتملين: تدهور عسكري إلى درجة هجوم أمريكي للمنشآت النووية، أو عملية واسعة نهايتها إسقاط نظام الحكم في طهران (هذا هو الملخص الذي يتم قوله بالإشارة وليس بالأقوال، في وثيقة الـ 12 نقطة لاستخدام الضغط على إيران، التي عرضها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قبل سنة). فعلياً، يمكن لنتنياهو التصادم مع سيناريو من سيناريوهين بالاتجاه المعاكس. يمكن لترامب أن يقع أسيراً لهجوم إيراني ساحر، وأن يستجيب للتشجيع عبر “تويتر” وعقد لقاء قمة، تكون نهايته عودة أمريكا إلى الاتفاق النووي مع تعديلات بسيطة، وذلك عشية انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة في السنة المقبلة، في حين أن الإيرانيين يمكن أن يتلقوا التشجيع من عدم الاستعداد الواضح لترامب للخروج إلى مواجهة عسكرية واتخاذ قرار بخرق الاتفاق النووي فيما بعد بصورة فظة، وحتى الانسحاب منه من خلال الافتراض أن هذا الأمر لن يواجه بخطوات عقابية حقيقية.
قد نتوقع بأن ينشغل رئيس الحكومة الآن بالاستعداد للسيناريوهين الأكثر تشاؤماً بالنسبة له، ويحدد لنفسه الخطوط الحمراء التي يلزم اختراقها بتدخل إسرائيل. وبدلاً من ذلك راح يثني على ترامب، ويزيد التهديدات على إيران ويقوم بمناورات سياسية هدفها الفوز في الانتخابات والنجاة من التهديد القضائي على مستقبله.
تغييرات الصورة الاستراتيجية مع إيران يمكن أن تنعكس أيضاً على سلم الأولويات للميزانية وفي خطط بناء قوة الجيش الإسرائيلي. في أساس الخطة متعددة السنوات “جدعون”، التي بلورها رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، كان يمكن الافتراض بأن الاتفاق النووي مع إيران أوجد نافذة فرص لبضع سنوات ستمكن الجيش من التركيز على تحسين قدراته في مجالات أخرى مثل مواجهة تهديد حزب الله وحماس. وقبل بضع سنوات، قال رئيس الحكومة السابق إيهود اولمرت إن الجيش استثمر 11 مليار شيكل في الاستعدادات لمهاجمة إيران، بأمر من نتنياهو ووزير الدفاع إيهود باراك. إذا وقفت على جدول الأعمال احتمالية تصعيد متجدد، رغم عدم رغبة ترامب، فإن هذا سيناريو يحتاج أيضاً استعداداً عسكرياً خاصاً.
التوقيت بعيد عن أن يكون مثالياً بالنسبة لرئيس الأكان افيف كوخافي الذي يحاول بلورة خطة متعددة السنوات، في وضع عدم يقين كبير حول الميزانية. يواجه كوخافي مكبساً مزدوجاً. من جهة، النية العلنية لوزارة المالية بتقليص ميزانية الدولة، وبشكل خاص ميزانية الدفاع بعد الانتخابات. ومن جهة أخرى الرغبة في بلورة إصلاحات كبيرة في الجيش، لا سيما تطوير قدرات سلاح المشاة. وقد ينضم إلى الصورة الآن مركب ثالث، وهو التركيز المشدد على إيران، تحديداً إزاء الاستحواذ طويل المدى لنتنياهو بالتهديد من طهران.
يطلقون سهم دوربن
كان لجهاز الدفاع الفعال، الذي له اسم غير ممكن “سهم دوربن”، فرحة متأخرة. منذ نحو تسع سنوات تم في “هآرتس” وصف المخاض العسر لهذا الجهاز المتطور، الذي تم تطويره في ذلك الحين في الصناعات العسكرية، لكنه حظي بمعاملة متجاهلة من قبل وزارة الدفاع، التي شجعت بتحمس نظام الدفاع المنافس “معطف الريح”، الذي هو من تطوير رفائيل. معطف الريح اختير في حينه للدفاع عن الدبابات المتطورة للجيش الإسرائيلي، مركباه 4، وبعد ذلك عن حاملة الجنود المدرعة الثقيلة “النمر”، رغم الثناء الكبير الذي أغدق على النظام المنافس. الآن، وبتأخير لسنوات، تم إنصاف “سهم دوربن” الذي سينتج في شركة “البيت” التي اشترت في السنة الماضية شركة “تاعس” .
أعلنت وزارة الدفاع بأن سهم دوربن سيكون نظام الدفاع ضد صواريخ لنوع جديد من حاملات الجنود المدرعة التي تسير على عجلات “ايتان”، وجرافات “دي 9” القادمة التي سيشتريها الجيش الإسرائيلي. يحدث هذا بعد أقل من سنة على اختيار الجيش الأمريكي النظام نفسه للدفاع عن حاملات الجنود المدرعة من نوع “بارديلي”. الصفقة مع الأمريكيين التي ستشمل حماية لمئات ناقلات الجنود المدرعة ستنطلق عام 2021. ولم تعط وزارة الدفاع الإسرائيلية بعد أي تفاصيل في بيانها عبر المنصات التي ستتم حمايتها في الجيش الإسرائيلي ومتى بالضبط ستبدأ الصفقة.
في الطريق إلى اتخاذ القرار ثمة حدث أساسي يتمثل في الرد الصادم للجمهور الإسرائيلي على حادثة حاملة الجنود المدرعة في حي الشجاعية في غزة، في بداية عملية الجرف الصامد في تموز 2014. في هذه الحادثة قتل ستة جنود من لواء غولاني بصاروخ مضاد للدروع أصاب ناقلة الجنود ام13 القديمة التي كانوا يستعملونها، قريباً من موعد دخول الحي. جندي سابع، الرقيب اول اورون شاؤول ما زال مفقوداً وجثته محتجزة حتى الآن لدى حماس.
ولكن حادثة الشجاعية علمت إسرائيل شيئاً، وهو أن الرأي العام في إسرائيل، وفي أعقابه المستوى العسكري والسياسي، على استعداد لتأييد القيام بعملية برية إذا كان مطلوباً وقف إطلاق الصواريخ أو العمليات عن طريق الأنفاق. ولكنها تتوقع أيضاً دفاعاً مناسباً عن حياة الجنود الذين ترسلهم للمهمة. من أجل أن تكون العملية ناجعة ولا تعلق بسبب الخسائر الكبيرة، يجب أن تتم الحركة بواسطة وسائل محمية. لذلك، مطلوب عدد كبير من الوسائل التي سيكون التزود بها باهظ الثمن ويحتاج مدة طويلة، وهذا الأمر باختصار هو أحد الأمور المقلقة لرئيس الأركان الجديد الذي وعد بتطوير قدرة سلاح المشاة.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 23/8/2019