حرب استنزاف إسرائيلية على الأقصى بمساعدات أمريكية

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة-“القدس العربي”:منذ احتلال القدس المحتلة قبل نصف قرن ونيف بدأت جماعات يهودية متطرفة بالتدريج باقتحام الحرم القدسي الشريف. ومع الوقت بدا يتكشف أنها ليست مجرد استفزازات ومحاولات لتأكيد سيادة الاحتلال بل مساعي لتغيير الوضع الراهن في الحرم وتقاسم مكاني وزماني للأقصى وبدعم حكومي فظ. في تحقيق نشرته جمعية “عير عميم” الإسرائيلية كشف عن وجود 27 جمعية يهودية تعمل من أجل بناء “الهيكل الثالث” في الحرم تحظى بدعم مالي ومعنوي من ست وزارات في حكومات الاحتلال. وتم ذلك رغم فتاوى يهودية صدرت تباعا حرمّت صلاة اليهود في الحرم القدسي الشريف مما تسبب باشتعال النار في القدس وإراقة الدماء في هبات شعبية كانت هبة 2015 أكبرها وأخطرها. ويسود التوتر منطقة الحرم منذ مطلع الشهر الحالي على خلفية تزايد اقتحامات المستوطنين والتي بلغت ذروتها في أول أيام عيد الأضحى المبارك والذي شهد مواجهات مع قوات الاحتلال التي أتاحت الفرصة لنحو ألف مستوطن بالقيام بزيارة خاطفة جدا تصدى لهم المصلون. لكن جهات إسرائيلية رسمية وغير رسمية لا تستهدف الحرم القدسي الشريف مباشرة فحسب بل تنشط بوتيرة عالية في مجال تهويد المدينة وكسر إرادة المقدسيين والفلسطينيين بالاعتقال والتغريم والضرب والملاحقات ومخططات الاستنزاف بالإجراءات القضائية.

سلوان

قبل أيام وزعت طواقم بلدية الاحتلال برفقة قواتها العسكرية، إخطارات هدم لمنازل ومحل تجاري جديدة في بلدة سلوان جنوب القدس المحتلة بحجة البناء بدون ترخيص تعود لعائلة المواطن جمعة خضر من سكان حي البستان، وللمواطن ممدوح أبو تايه صاحب محل في حارة أبو تايه في بلدة سلوان. ويوضح الشاب قتيبة عودة، بأن قوة من جنود الاحتلال دأبت منذ سنوات على اقتحام منزل العائلة الكائن في حي البستان القائم. منوها إلى أن المنزل قائم منذ عام 1990 وأن سلطات الاحتلال لم تكتف في سياسة الملاحقة والهدم والاخلاء بحق منازل العائلة. لافتا لتعرض منزل والده الذي ورثه عن جده المرحوم حيث تخوض العائلة إجراءات المحاكم بعد أن تعرض المنزل والكثير من المنازل المجاورة لسياسة الاخلاء لصالح الجمعيات الاستيطانية، إضافة لمنزل آخر في عين اللوزة تم بنائه عام 2005 تدفع العائلة مخالفة مالية كل شهر بقيمة 300 دولار. وأوضح عودة، بأن بلدية الاحتلال تشن حملة مداهمة متكررة في أحياء بلدة سلوان وسلمت عشرات المخالفات بحق المنازل والمحال التجارية بحجة البناء بدون ترخيص. بدوره قال المواطن ممدوح أبو تايه، أن المحل قائم منذ سنوات وقام بهدمه عام 2017 بيده خوفاً من دفع الغرامات المالية الباهظة بحق الهدم من قبل بلدية الاحتلال. وفي سلوان تمعن سلطات الاحتلال في محاولات تهويد تسميات شوارع بلدة سلوان بخلع أسماء يهودية وتوراتية عليها بدلا من تسمياتها العربية. وصعدت بلدية الاحتلال في الفترة الاخيرة من سياسة توزيع الإخطارات لهدم منازل المواطنين في أحياء مختلفة من مدينة القدس خاصة المجاورة لمنطقة الحرم القدسي.

حصار العيسوية

يتجلى مخطط الاحتلال بالاستفراد بالقدس وبقلبها الكامن في الحرم القدسي بتضييق الخناق على البلدات المحيطة به كالعيسوية الخاصرة منذ شهر ويتعرض أهلها لشتى صنوف التنكيل والملاحقة. واقتحمت قوات الاحتلال أول أمس حي عبيد في بلدة العيسوية مجددا وقامت بإزالة وتمزيق صور الشهيد محمد سمير عبيد الذي استشهد برصاص الاحتلال قبل نحو شهر. وأوضح محمد أبو الحمص عضو لجنة المتابعة في البلدة، أن قوات الاحتلال تواصل اقتحاماتها اليومية للبلدة وتخضع الشبان لتفتيشات مهينة وتعتقلهم. وأوضح سكان العيساوية أن لجان أولياء مدارس العيساوية أعلنت الاضراب المفتوح عن الدوام في مدارس البلدة في حال استمرار حملة الاعتداءات مع افتتاح السنة الدراسية الجديدة بعد أيام. وتحت شعار “نريد ان نقيم بأمان” أدى العشرات من أهالي بلدة العيساوية صلاة الجمعة الأخير على المدخل الغربي احتجاجا على الاعتداءات المتكررة والمتواصلة للشهر الثالث بحق البلدة وأهاليها. ويشكو أهل البلدة من الاقتحامات اليومية ومداهمات المنازل السكنية والمنشآت التجارية وعرقلة حركة السكان من خلال نصب الحواجز واعتقال الصغار والكبار وتسليم إخطارات هدم منازل ومراجعة لبلدية الاحتلال واستدعاءات طالت الأطفال والنساء وكبار السن، بالإضافة لإطلاق الأعيرة المطاطية والقنابل باتجاه السكان وترويعهم.

اعتقال الحراس

ويشهد الحرم القدسي الشريف تصعيدا كبيرا في ملاحقة واعتقال المرابطين والمرابطات والحراس. وأفاد فراس الدبس مسؤول الإعلام والعلاقات في دائرة الأوقاف، ان القوات اعتقلت الحارس في دائرة الأوقاف الإسلامية بدر الرجبي أثناء تواجده في عمله بمصلى باب الرحمة، وفِي ذات الوقت تم اعتقال مدلين عيسى وشفاء ابو غالية من داخل باحات المسجد الأقصى. كما وسلمت مخابرات الاحتلال استدعاء لرئيس الوحدة المسائية لحراس المسجد الأقصى أشرف أبو أرميلة أمس الأول وتم إصدار أمر اعتقال بحقه وتحويله للمحكمة.

وفي رأي مراقبين كثر فإن الأخطر من ذلك نشاط منظمات “الهيكل” ومشاريعها الاستيطانية والتهويدية داخل أسوار القدس القديمة. وتنشط هذه الجمعيات بحملة تبرعات بأوساط اليهود حول العالم، منذ مطلع العام الجاري لبناء كُنُس في ساحات المسجد الأقصى وبناء “الهيكل” المزعوم مكان قبة الصخرة. وتدفع جمعية “يشاي” الاستيطانية المنظوية تحت جمعيات ومنظمات يهودية تقود لحملات التبرعات لتعزيز الوجود اليهودي في القدس القديمة وفي المسجد الأقصى، لبناء كنس في ساحات الحرم في الأماكن التي يسمح الصعود إليها والتجوال بها بدون انتهاك أو مس بـ”قدسية” الموقع الذي سيبنى فوقه “الهيكل” المزعوم، داخل ساحات الحرم، إذ أن الصعود للمكان يعتبر تدنيسا لقدسيته وسيسمح الصعود إليه وبناء “الهيكل” بعد تحقيق نبوءة ظهور “المسيح المنتظر” حسب المزاعم الدينية اليهودية.

 مكان مقدس لليهود

ويبرر حاخام بلدة كريات شمونة، تسفنيه دروري شاليطا، الحملة والصعود إلى ما أسماه “جبل الهيكل” (الحرم القدسي الشريف) بالقول إن “الصعود لجبل الهيكل أمر في غاية الأهمية والضرورة في هذه المرحلة، لأنه في هذه الأيام يبعد شعب إسرائيل عن المكان ولا يفهم قداسته” وتابع في حديث لإذاعة جيش الاحتلال “مهمتنا هي أن نظهر لشعب إسرائيل والعالم بأسره أن المكان مقدس لإسرائيل، وبالتالي علينا منع المسلمين من إهانة قداسة المكان لليهود، أو التعامل على أنه مكان مقدس للمسلمين ولليهود”. وتم تأسيس جمعية “يشاي” في عام 2013 بمبادرة مجموعة من الحاخامات، وذلك بهدف بناء “الهيكل” المزعوم، وتنشط منذ ذلك الحين في ساحات الحرم والدفع في تكثيف الاقتحامات لساحات الأقصى وتهيئة الظروف والأوضاع وتحضير الأرض التي سينبى فوقها “الهيكل” والسماح بالتخطيط لبناء الكنس وهي تحظى بدعم حكومي وبتأييد ومشاركة مباشرة من المستوطن وزير الزراعة اوري ارئيل. وتتبنى الجمعية اقتراح الحاخام تيكوسنسكي زيتسل في القرن الماضي، الذي دعا لبناء “الهيكل” كما تنشط بهذا المجال وفقا لدعوة الحاخام الأكبر في إسرائيل، مردخاي إلياهو، الذي دعا لبناء كنيس على “جبل الهيكل” قائلا في رسائله: “لا بد من بناء كنيس ومكان للتوراة والصلاة لليهود في منطقة يسمح بدخولها، وذلك تحت رقابة بحسب ما تنص الديانة اليهودية، بحيث لن يسمح تخطي المنطقة التي يسمح بدخولها”. وتخطط جمعية “يشاي” في هذه الفترة إطلاق حملة كبيرة لحشد دعم الحاخامات الآخرين وعامة اليهود لبناء الكنس وتهيئة الأرضية لبناء “الهيكل” و”العمل على تحقيق هذا الهدف المقدس، الذي له أهمية قومية وروحية عليا لليهود”. وقدّر الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، د. حسن خاطر، أن “الهيكل” ليس بحاجة إلى حملات التبرعات التقليدية، مؤكدا أن هناك حركات وجمعيات دولية تنشط وتدفع ليس لبناء “الهيكل” فحسب بل إنما لبناء قدس جديدة.

المسيحية الصهيونية

وأوضح أنه يقف على رأس هذا المشروع التهويدي الحركة المسيحية الصهيونية بأمريكا التي يتجاوز عدد أتباعها وأعضائها الـ70 مليون وهم المتجددون أو الأفنغاليون وتعتبر من أغنى الحركات في العالم، إذ يندرج بها أصحاب رؤوس أموال ورجال أعمال ومؤسسات عملاقة تمتلك أموالا طائلة. ويولي المتجددون الدعم لدونالد ترامب ولبنيامين نتنياهو وتؤمن بأن المسيح المنتظر لن يظهر قبل حرب كبرى وسفك دم كثير في القدس. ويؤكد المطران عطا الله حنا، أن هؤلاء لا يمتون للمسيحية بصلة، ناعتا إياهم بالمشاركين في جرائم الاحتلال ويسيئون لسمعة السيد المسيح. ولذا يقول خاطر إن “الحركة المسيحية الصهيونية تدفع نحو الأحداث بغية هدم الأقصى وبناء الهيكل وخنق وحصار القدس والفلسطينيين، إذ يؤمنون بنبوءة أن المسيح لن يظهر إلا بعد هدم الأقصى وبناء الهيكل”. واستعرض توظيف المال العربي لتهويد القدس وتعزيز الاستيطان، لافتا إلى أن المال العربي وظف في تهويد عقارات للاجئين في القدس وتسريب 21 شقة سكنية بسلوان للجمعيات الاستيطانية، وكذلك تسريب عقار آل جودة بالقدس القديمة وعقارات في باب الحديد سربت للمستوطنين مقابل 14 مليون دولار يشتبه بتورط أطراف إماراتية فيها. ويرى مدير عام جمعية الإغاثة الإسلامية في الداخل الفلسطيني غازي عيسى، أن الاحتلال يعتمد سياسة التطهير العرقي للمقدسيين للتفرد بالمقدسات والأقصى وتهويدها، وبالمقابل إحلال المستوطنين والتمادي في مشاريع التهويد وتزييف التاريخ والحضارة والترويج للرواية اليهودية في القدس القديمة وحول المقدسات لوضع اليد عليها. وقال عيسى إن ما يحدث في القدس القديمة هو صراع دولي يقوده المشروع الصهيوني العالمي الذي يدفع نحو بناء “الهيكل” على حساب الأقصى. مؤكدا أن سلوك “منظمات الهيكل” يندرج ضمن سلوك عالمي للسيطرة على القدس القديمة والمقدسات والأقصى بإيعاز من مختلف أجهزة وأذرع المؤسسة الإسرائيلية.

حريق الأقصى مستمر

على خلفية كل ذلك وفي الذكرى الخمسين لإحراق الأقصى أكد خطيب الأقصى الدكتور الشيخ عكرمة صبري أن الدخان الأسود ما زال ينبعث من جنبات الحرم القدسي الشريف بسبب توالي الانتهاكات وعمليات التدنيس والتهويد المدعومة من حكومة الاحتلال. مشددا على ان خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى هم المرابطون من أهل بيت المقدس وأهالي الداخل المحتل الرافضين لسياسة الاحتلال. موضحا أن الاحتلال أصبح على دراية بان السيادة على الأقصى إسلامية وجواب أهل بيت المقدس تمثل بهبة البوابات الإلكترونية في تموز/يوليو2018.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية