جاء احتلال المسجد الأقصى المبارك عام 1967 بداية تغيير الصهيونية، فالصهيونية كحركة علمانية استطاعت علمنة الدين والسيطرة عليه رغم هيجانه فيها، كالبركان المليء باللهب والحمم لكنه غير قادر على الانفجار. جاء احتلال القدس والمسجد الأقصى وباقي المواقع الدينية في الضفة الغربية الهابا لهذه الحمم. حتى عام 1967 استطاعت الصهيونية العلمانية التحكم بلهيبها الداخلي، بسبب ابتعادها عن هذه المواقع، وبذلك روضت التصورات المسيانية، التي علمنت ذاتها بذاتها في إطار الصهيونية الدينية التي اعتبرت أن الخلاص هو فعل بشري خاضع لقوانين التاريخ والجغرافيا. خمسة عقود مرت على احتلال المقدسات، ويمكن الادعاء أن الصهيونية ضعفت أمام قوة الجذب المسيانية، وقد حذر باحث الصوفية اليهودية غرشم شلوم من خطر العودة الفيزيائية إلى “مكان الهيكل”. وكما يشير باحث الفكر الديني اليهودي، تومر برسيكو، أن هاجس يشعياهو ليفوفيتش كان الخطر المحدق على أخلاقية المجتمع الإسرائيلي من احتلال شعب، بينما كان يخشى غرشم شلوم من شيء آخر، خطر دخول جبل الهيكل إلى السياسة الإسرائيلية، وضعف الصهيونية في الوقوف أمام المقدس الجديد وقوته المسيانية. وجاءت تخوفات شلوم في مكانها، فبعد الاحتلال قال حاخام دولة إسرائيل (وهو في مكانة مفتي الجمهورية في الدول العربية)، يتسحاق نيسيم، انه لا يجوز الانسحاب، ليس فقط من الأماكن الدينية اليهودية المقدسة، مثل هار هبايت (الحرم القدسي الشريف)، والجدار الغربي (حائط البراق) بل “لا يوجد حق لأي شخص في إسرائيل، بما في ذلك حكومة إسرائيل، أن تعيد حتى ذرة أرض واحدة داخل حدود ارض إسرائيل الموجودة تحت سيطرتنا”. بالإضافة إلى حاخام إسرائيل، فقد عبر حاخام الجيش شلومو غورن، أن الانتصار كان تعبيرا عن إرادة الرب، فبعد الحرب، جاب حاخام الجيش في الأراضي المحتلة مخاطبا الجنود أن دولة إسرائيل موجودة بقوة الإرادة الإلهية التي لا يمكن الاستئناف عليها، والجيش يحقق نبوءات آخر الزمان لأنبياء إسرائيل، وحاول غورن دون نجاح في بداية الاحتلال تنفيذ السيطرة اليهودية الفعلية على الحرم القدسي الشريف. ويعتبر غورن، الشخصية الدينية المركزية التي بدأت بإدخال المسجد الأقصى في المنظومة المسيانية الدينية الصهيونية، رغم أنه كان يشغل منصبا رسميا في الجيش الإسرائيلي.
بعد الاحتلال الإسرائيلي، حاولت جهات دينية وعلى رأسها حاخام الجيش الإسرائيلي، شلومو غورن، السيطرة الفعلية على المسجد الأقصى، فبعد الاحتلال رفع الجنود الإسرائيليون العلم الإسرائيلي فوق قبة الصخرة المشرفة، إلا أن موشيه ديان أمرهم بإنزال العلم. كما أصدر مجلس الحاخامات المركزي الرسمي بعد الحرب قرارا بعدم السماح لليهود بالصعود إلى المسجد الأقصى، وسوغ موقفه بمبررات دينية، مثل الادعاء بأنه يتخوف أن يخطئ اليهود في تحديد مكان الهيكل بدقة، وقد انسجم هذا المبرر الديني (الذي أخذ بالتآكل خلال عقود الاحتلال) مع سياسة الحكومة التي دعت اليهود للصلاة جنب الحائط الغربي للمسجد الأقصى، الموسوم يهوديا حائط المبكى، وذلك خشية أن يؤدي صعود اليهود إلى الحرم القدسي إلى إشعال حرب دينية في المنطقة. الا أن أول ما فعله غورن كان ترسيم مكان “جبل الهيكل” بناء على دراساته التوراتية، وحدد أماكن الصلاة فيها، واستعان بذلك بسلاح الهندسة في الجيش الإسرائيلي، وأفتى ببناء كنيس يهودي في أماكن موازية للمساحة التي حددها.
شكل المسجد الأقصى المبارك، موضوعا مركزيا في خطاب المستوطنين، وشكل الحاخامات اليهود المستوطنين الوقود الأيديولوجي والثيولوجي للاستيطان والمستوطنين في الأراضي الفلسطينية، وكانت تصريحاتهم وأوامرهم تسبق في أولويتها تشريعات الحكومة وأوامر الجيش لدى المستوطنين من أبناء الصهيونية الدينية. ومن هذه التصريحات مثلا نذكر تصريح الحاخام شلومو افنير، الحاخام السابق لمستوطنة “بيت ايل”، وحاليا حاخام عطيرت كوهنيم، وهي مستوطنة تابعة إلى مجموعة متطرفة تدعو إلى بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى المبارك، فقد طالب بمزيد من التوسع الإقليمي يتعدى الحدود الحالية للأراضي المحتلة، قائلا: “وحتى لو كان هناك سلام علينا أن نشعل حروب التحرير لغزو أجزاء أخرى من أرض إسرائيل” (قاصدا الأردن).
منذ منتصف الثمانينات بدأت مساع حثيثة لطرح مسألة المسجد الأقصى المبارك على أجندة الخطاب الاستيطاني، وتمثل ذلك في إقامة “معهد الهيكل” عام 1984، وحركة إقامة الهيكل عام 1987، وإطلاق سراح يهودا عتصيون، عام 1989، الذي كان ناشطا في التنظيم اليهودي الإرهابي، والذي قتل وحاول قتل مدنيين وسياسيين فلسطينيين. أدت هذه التغييرات إلى ضغط جماهيري وجه للمطالبة بالسماح لليهود بدخول المسجد الأقصى. تشكل هذه المسألة تحديا دينيا-شرعيا وتحديا سياسيا، حيث لم يسمح الكثير من الحاخامات اليهود من دخول اليهود إلى المسجد الأقصى المبارك لأسباب دينية، ووجه هذا الطلب بالأساس إلى حاخامات الصهيونية الدينية ومستوطني حركة “غوش ايمونيم”.
في العام 1990 تأسست لجنة حاخامات المجلس الاستيطاني، وكان تهدف هذه اللجنة إلى إعطاء أجوبة دينية ودعم روحاني للمستوطنين الذي باتت حياتهم صعبة خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وقد توجهت الحركات العاملة في موضوع تغيير واقع المسجد الأقصى إلى اللجنة بهدف استصدار موقف ديني يدعم دخول اليهود إلى المسجد الأقصى.
وهكذا، بدأت مواقف نشيطي حركات إقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى تسيطر على حاخامات المستوطنين، كما ظهرت مواقف دينية في صفوف المستوطنين تشير أن الانسحابات التي قامت بها حكومة إسرائيل في الضفة الغربية جاءت كعقاب رباني على ابتعاد اليهود عن المسجد الأقصى الذي طالبت به فتاوى الحاخامات حتى الآن. ففي تصريح ليسرائيل روزين، رئيس معهد “تسومت” وهو أحد المعاهد الذي يهتم بصعود اليهود إلى المسجد الأقصى وإقامة الهيكل، قال فيه “أن الانسحاب الأول (الانسحاب من أريحا عام 1994) جاءت بسبب غياب السيادة الإسرائيلية الفعلية على “هار هبايت” فغياب هذه السيادة أدى إلى خسارة السيطرة الإسرائيلية على أريحا. إلى جانب المنظمات والحاخامات الذين طالبوا بإقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى المبارك، ظهر فريق من الحاخامات الذين دعوا إلى الالتزام بالقانون، وكان منهم الحاخام يهوشوع تسوكرمان، والحاخام يوئيل بن نون، وتبعهما معظم المربين في المدارس الدينية القومية الذين تصدوا لخطة تفجير المسجد الأقصى، وحذروا من عواقبها السلبية. وكان منهم من هاجم فكرة تسريع الخلاص، باعتبارها تدخلا في المشيئة الإلهية، ومن بين هؤلاء كان الحاخام ابينير مؤسس المدرسة الدينية “عطيرت كوهنيم” في القدس، وكان ادعائه، هو التمييز بين قضية بناء الهيكل وبين الموقف من احتلال مناطق أو أجزاء أخرى من القدس، فهو من جهة يحذر من الانعكاسات السلبية على المساس بالمسجد الأقصى المبارك، لكنه من جهة أخرى يدعو إلى احتلال أجزاء من المدينة من خلال الاستيطان والتهويد.
يمثل الحاخامات شلومو افنير وتسفي طاو، استمرارا لموقف الحاخام كوك الأبن الذي يعارضون صلاة اليهود في المسجد الأقصى ويعتبرون أن احتلال الأرض واستيطانها وبسط السيادة اليهودية عليها، أهم من صلاة اليهود في المسجد، ويعتبرون أن مرحلة بناء الهيكل تتطلب أولا تحويل مجيء الملك، اقامة مملكة إسرائيل، ومن ثم بناء الهيكل. في مقابل هذا التيار الديني تحول المركز الديني الصهيوني إلى تيار داعم للسيطرة على المسجد الأقصى دينيا، واكمال السيطرة السياسية بسيطرة دينية.
ساهمت نشاطات المستوطنين وخطابهم نحو تهويد الحرم القدسي الشريف، والطلب الحثيث على صعود اليهود إلى باحات المسجد الأقصى، وطلب قسم آخر منهم ببناء الهيكل، إلى زيادة تأييد الشارع اليهودي لهذه المطالب، ففي استطلاع للرأي حول مواقف اليهود (شملت العينة 523 شخصا فوق سن 18)، اجري في العام 2013، تبين أن 30 في المئة من اليهود يؤيدون بناء هيكل في الحرم القدسي الشريف، مقارنة مع 22 في المئة أيدوا ذلك في العام 2012. كما أيد 59 في المئة من اليهود فكرة فرض تقسيم الحرم القدسي الشريف بين اليهود والفلسطينيين كما هو الحال في الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، ولم يظهر الاستطلاع فرقا بين المتدينين والعلمانيين في مسألة شغفهم للصعود إلى المسجد الأقصى المبارك (68 في المئة من المتدينين و-60 في المئة من العلمانيين) ويعتبر ذلك جزءا من تغلغل مطالب مجتمع المستوطنين إلى المجتمع الإسرائيلي.
المجانين صاروا تيارا مركزيا
وجاءت فتوى حاخامات المستوطنين عام 1996، تعويضا عن تآكل المنظومة المسيانية التقليدية، وتنبع أهمية هذه الفتوى بأنها لم تحكم على نفسها أو استمرارها بسياقات ولحظات تاريخية مرت بها اسرائيل بعد ذلك، مثل اندلاع الانتفاضة الأولى، التي انطلقت من الأقصى وزيادة التوتر حول المسجد الأقصى، كما لم تردعها خروج الارثوذكسية اليهودية ضدها، وتحميل حاخاماتها مسؤولية الدماء والإخلال بالأمن والنظام العام لمؤيدي دخول وصلاة اليهود في المسجد الأقصى. لماذا نقول ذلك؟ في عام 1991 أصدر حاخام “حباد” ميلوفيفتش فتوى لمريديه وتلامذته بالاستعداد للاحتفال في المسجد الأقصى، وشكلت فتوى ثورة دينية في الارثوذكسية اليهودية، الا أنه تراجع عنها عندما اندلعت أحداث الأقصى في نفس العام وقتل فيها مسلمون برصاص قوات الشرطة والأمن، واعتبر أن الحفاظ على دماء اليهود والأمن العام أهم من صلاة اليهود في المسجد الأقصى المبارك.
أدت التحولات في الصهيونية الدينية إلى مركزية المسجد الأقصى في الفكر الخلاصي، في استطلاع أجري في صفوف أبناء الصهيونية الدينية عبر 70 في المئة منهم عن رغبتهم بدخول المسجد الأقصى، فلم يعد يسمى من يدعو إلى ذلك بالمجنون، بل بات تيارا مركزيا فيها. أثرت هذه التحولات ليس فقط على خطاب الصهيونية الدينية، بل أيضا على الخطاب السياسي عموما، قبل الأحداث الأخيرة في القدس، والهبة الشعبية، أيد الكثير من أعضاء الليكود ووزرائه تغيير الوضع القائم والسماح لليهود للصلاة في المسجد الأقصى المبارك. وقد انضم فاعلون مركزيون في موضوع المسجد الأقصى إلى حزب الليكود للتأثير من الداخل على توجهات الليكود من تغيير الوضع القائم، مثل موشي فيغلين، يهودا غليج وغيرهم. لقد تغلغل الفكر الصهيوني الديني إلى الليكود اليميني المحافظ.
يشير النقاش حول مركزية المسجد الأقصى بين تيار السيادة السياسية وتيار الخلاص الديني في المشروع الصهيوني، إلى تآكل مفهوم الهوية الإسرائيلية وصعود الهوية الدينية. ان انشغال أعضاء الليكود القوميين بموضوع المسجد الأقصى نابع من تجديد الهوية القومية بحيث يطمح هؤلاء إلى التأكيد على الطابع الاثني اليهودي في المجتمع والدولة، وهو يشبه أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا التي تسوغ منظومتها الأخلاقية من خلال المرجعية الدينية. فقد تحول المسجد الأقصى (جبل الهيكل) قوة جاذبة قومية ودينية في مشروع اليمين.