ثمة بوادر مثيرة للقلق، بل والانزعاج آخذة في التكرس تتعلق باسلوب الحكم الذي ينتهجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، مع اقترابه من نهاية المئة يوم الاولى. ولابد من وضع تلك البوادر في اطارها الموضوعي الصحيح، مع الاقرار بداية بأننا امام صورة مختلطة ذات الوان متعددة، وليس بيضاء او سوداء تماما، كما يسعى البعض الى تقديمها ضمن اجندات سياسية متضاربة.
وهذه محاولة سريعة لاجمال تلك البوادر رغم تعقيدها:
اولا: اننا امام رئيس يبدو «مشغولا» الى درجة طاغية بالاعلام كوسيلة اساسية لادارة شؤون البلاد، ما يجعل سياسته اقرب الى من «يدير حملة انتخابية» من ذلك الذي «يمارس الحكم الفعلي». ومنذ اليوم الاول للحملة الانتخابية الرئاسية الذي خصصه للقاء مع الاعلاميين، لم تنقطع اللقاءات الدورية معهم، بينما تجاهل لقاء السياسيين، بمن في ذلك زعماء الاحزاب التي كان تعهد بتقويتها، ناهيك عن باقي فئات الشعب من طلاب وعمال واكاديميين وغيرهم.
ومع اصرار السيسي على ان يضع نفسه في كفة تلك الجوقة من الاعلاميين المحسوب اغلبهم على الفلول، الذين يتبنون خطابا اقصائيا اقرب الى «التطهير السياسي»، بدأ الحكم يفقد مصداقيته عمليا، في ما يتعلق بتعهداته بشأن «المصالحة الوطنية» و»مد اليد الى كل من لم تتلطخ يداه بالدماء». والأسوأ ان النظام بدا ضالعا في الحملة الموتورة لاهـــانة ثــورة 25 يناير وتصفية الحسابات مع كل من ايدها، في انتهاك واضح للدستور، تعهــــدات السيسي شخصيا باعتبار «25 يناير و30 يونيو ثورتين شعبيتين وطنيتين».
وبدا هذا «التشبث» بفكرة قوة الاعلام واضحا في الاجتماع الاخير للسيسي بالصحافيين، عندما ذكر بالاسم مشاريع مواقع اعلامية، إما غير مكتملة او لم تولد بعد او لم يسمع بها اغلب المصريين اصلا باعتباها «تهديدا للدولة». ومن المؤكد انه لو كان لدى الرئيس مستشار اعلامي او سياسي لمنعه حتما من ارتكاب هذا الخطأ، الذي ادى الى «دعاية مجانية» لم تكن تحلم بها تلك المواقع، كما اثار اسئلة بشأن قوة الدولة التي يمكن ان تتهدد من وسائل اعلامية.
وثمة تفسيرات عديدة لهذا «التشبث» عند النظام بالاعلام، ومنها ان ثمة شراكة قديمة نشأت بين الطرفين، منذ كان السيسي رئيسا للمخابرات العسكرية (وهو ما اعترف به احد الاعلاميين مؤخرا)، وتطورت بعد توليه وزارة الدفاع، وهو يعتبر انها لعبت دورا رئيسيا في الوصول الى الثلاثين من يونيو، ثم فوزه بانتخابات الرئاسة. ومن ثم فانه يعتقد عن تجربة ان «الحكم بالاعلام ومن اجل الاعلام» يمنحه نوعا من القوة، قوامها دعم الرأي العام. الا ان الفجوة التي تزداد اتساعا بين الشارع ومؤسسة الرئاسة حاليا تثبت ان ثمة خطأ يرتكبه السيسي في الاصرار على تلك السياسة.
ثانيا- انسحب اسلوب السيسي على اداء الحكومة نفسه، اذ نجد ان رئيسها المهندس ابراهيم محلب يقضي معظم وقته في الجولات الميدانية والتصوير والادلاء بالتصريحات، التي تكيل المديح للسيسي بشكل فج احيانا، اذ يتجاهل حجم المعاناة الشعبية من ازمات، كانقطاع الكهرباء مع ارتفاع اسعارها في آن، ناهيك عن تفاقم مشاكل كالغلاء والبطالة وغيرهما. ويغفل هذا النوع من الاداء الذي هو اقرب الى «الشو الاعلامي» الوظيفة الحقيقية للحكومة ورئيسها، الا وهي وضع خطة سياسية او برنامج علمي لمواجهة مشاكل الناس والعمل على تنفيذه ضمن اطار زمني محدد يمكن محاسبتها على اساسه.
ومع غياب البرلمان والاحزاب والاصوات الاعلامية المستقلة، نشأت لدى النظام درجة من «الاستعلاء» لم يعد الخطاب العاطفي التقليدي قادرا على اخفائها. ومثال ذلك بدلا من ان تصدر الرئاسة او الحكومة اعتذارا واضحا وصريحــــا الى الشعب عن «الانقطاع التاريخي» للكهرباء الخميس الماضي، قدمت وزارة الكهرباء مبررا ضعيفا (اجراء مناورات لتخفيف الاحمال في الفجر!) ، اما الرئيس فخرج يشرح للشعب تفاصيل الازمة، معللا استمرارها بالحاجة الى ثلاثة عشر مليار دولار، بدون ان يقدم اي تصور او خطة لحلها، او حتى التخفيف من حدتها. ناهيك عن انه تجاهل وعــــودا جاءت اثــــناء حملته الانتخابية، ومنها توزيع اللمبات الموفرة للطاقة، واللجوء الى تنويع مصادر الطاقة وبينها الطاقة الشمسية (خلال الشهور الاولى)، بل البدء (فورا) في برنامج نووي سلمي لتوفير الطاقة على المدى البعيد.
ثالثا- اعتمد النظام على وسائل الاعلام في اطلاق مبادرات، قاسمها المشترك جمع الاموال من الشعب، بدءا من «صندوق تحيا مصر» الذي تبناه السيسي شخصيا وتولى الترويج له، مرورا بالقرار الجمهوري بانشاء «صندوق الزكاة»، الذي يخلط اوراق الدين بالسياسة مرة اخرى، رغم ان هذا تحديدا كان ومازال المبرر الرسمي الرئيس للحملة ضد جماعات الاسلام السياسي. اما شهادات قناة السويس، التي يعتبرها البعض دليلا على «شعبية النظام»، فانها في الحقيقة تعكس اندفاعا وطنيا غريزيا عند المصريين خاصة عندما يتعلق الامر بمشروع قومي له حساسية تاريخية في وجدانهم او وعيهم الجمعي. وان كانت لا تخلو من درجة من الثقة في النظام واهدافه الوطنية. وفي المقابل يعتبر اكثر المصريين انهم لم يحصلوا على اي مقابل لتضحياتهم، اذ ادى رفع سعر الكهرباء والوقود الى تدهور الخدمة بدلا من تحسنها، اما فيما يتعلق بالاجور، فقد قال السيسي للمعلمين عند لقائه بهم قبل عدة ايام ان «زيادة المرتبات مستحيلة» وهو تصريح «لاسياسي»، اذ انه يدعو لليأس والاحباط، وكان يمكنه ان يقول ان الزيادة «صعبة حاليا لكن سنحاول تحقيقها في اقرب وقت ممكن».
واخيرا فليكن واضحا ان اتساع الاستياء الشعبي من النظام، بل ومن السيسي شخصيا، لا يعني بالضرورة اننا اما «بوادر ثورة شعبية»، كما سيحلو للبعض ان يرى، اذ ان المصريين تعبوا من الثورات التي سرعان ما تجد من الجماعات الدينية او السياسية من يركب عليها او «يسرقها»، لكنهم في الوقت نفسه لن يخافوا من ان يوصلوا رسالتهم واضحة لمن يهمه الامر، رغم ضجيج الابواق الاعلامية التي لا تمل من التطبيل والتزييف، بل انه من الانصاف القول ان الحكومة ابلت بلاء حسنا في عدد من القرارات المهمة التي اتخذتها خلال شهور قليلة، ومنها وضع منظومة جديدة لحل ازمة الخبز والمواد التموينية، والرفع الجزئي للدعم عن الطاقة، واخلاء وسط القاهرة من الباعة الجائلين، ما اعاد له بهاءه القديم، الى جانب التحسن النسبي والمستمر في جبهة استعادة الامن. كما بدأت مصر في استعادة دورها الاقليمي تدريجيا، وكرست درجة من الاستقلالية عن الولايات المتحدة والسعودية بشكل خاص، عبر التقارب مع دول مثل روسيا وايران.
واخــــير فان النظام يبـــدو الان عند مفتـــرق طرق، فاما يعيد بناء استراتيجيته، ويتـــرك التعامل مع الاعــــلام لمستشـــار اعلامي متخصص، ليتفرغ هو للحكم ومواجهة مشاكل الناس، او يتـــوقع مزيدا من الابتعاد عن الشــارع الذي اثبت انه من الصعب على اي مراقب ان يتوقع مسار تحركاته او ردود افعاله.
٭ كاتب مصري
خالد الشامي