رئيس الموساد سابقا يتقمص شخصية رئيس الاستخبارات الفلسطينية ويكتب لاسماعيل هنية: حياة وموت الشعب الفلسطيني مودَعان الآن بين يديك
طالبه بالابتعاد عن تنظيم القاعدة.. والقضاء علي الفساد والفوضيرئيس الموساد سابقا يتقمص شخصية رئيس الاستخبارات الفلسطينية ويكتب لاسماعيل هنية: حياة وموت الشعب الفلسطيني مودَعان الآن بين يديك افرايم هليفي، رئيس الموساد السابق، وضع نفسه كتمرين فِكري في مكان رئيس المخابرات الفلسطيني وأعد مذكرة موجهة لرئيس الحكومة الجديد اسماعيل هنية..سيدي رئيس الوزراء،صعودك الي الحكم كان مسألة غير مسبوقة وفجائية. بعد أقل من عشرين عاما من تأسيس الشيخ احمد ياسين لحماس، وبعد ست سنوات دموية مع الاسرائيليين، تمت خلالها تصفية قادة واعدين كثيرين ـ حظيت حماس بانتصار سياسي براق. أنت الآن زعيم الشعب الفلسطيني، ومن واجبي أن أُقدم لك تقييما للوضع.هيا بنا نبدأ في الساحة الدولية وبعض الأنباء الأفضل: الخطوات التي قامت بها اسرائيل والامريكيون لعزل حماس فور الانتخابات أدت الي نتائج معاكسة. الرئيس بوتين دعا ممثليك لزيارة عاصمته من قبل أن تقوم حكومتك بتلبية الشروط التي حددتها الرباعية الدولية. محاولة نبذنا تتلاشي يوميا. وردتنا مؤشرات تأييد من دول مركزية في المنطقة، خصوصا من ايران. حتي دول مثل تركيا ومصر والاردن التي توجد لديها تحفظات من انتصارك، سلمت بنتائج الانتخابات (كنا نرغب طبعا في رد فعل أكثر حماسية من السعوديين).الأمر الأكثر مفاجأة هو أن الاوروبيين، وحتي الامريكيين، قد أبدوا براغماتية كثيرة في الاتصالات معنا، حيث يسمحون بتحويل الميزانيات الضرورية لحياة الناس. وختاما في نهاية 19 عاما من الكفاح، حققت حماس خلال اسابيع قلائل انتصارا داخليا وكذلك سلسلة من النجاحات الدبلوماسية المفتخرة.مع ذلك، بحكم منصبي كرئيس للمخابرات، أري من واجبي أن أشخص التهديدات الماثلة أمام القضية الفلسطينية وأمام زعامتك. وبالفعل، كما نري أن الفرص لم تكن أبدا أفضل مما هي عليه الآن، فان التهديدات كذلك لم تكن أكبر مما يوجد الآن. اذا كنت سأتحدث بصورة فظة، فانني قد أقول أن هذه تهديدات وجودية.إقضِ علي الفوضيهذا هو الوقت الملائم لتحديد أهدافك الأساسية، سواء من الناحية السياسية الداخلية أو الخارجية. كيف ستدير حكمك؟ من سيكون مقربوك والمؤتمنون علي سرك؟ ومن الذي ستبقيه خارج الدائرة؟ كل قرار، كما تعرف بالتأكيد، يملك تسعيرة ملازمة له. اذا كنت تريد عقد تحالف مع فتح، فستضطر الي اعطائهم جزءا أكبر بكثير من كعكة الحكم. اذا قررت إبعاد القيادة المغادرة، فعليك أن تتوقع عدم قبولها بقرار موتها السياسي. من اجل الحقيقة أقول إنك أمام مشكلة أكبر: ما أقصده هو الوحدات المسلحة ـ كتائب شهداء الاقصي والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية التي تتحرك كلها داخل السلطة الفلسطينية.ولأنك تشكل الحكومة الآن، فمن واجبك تحديد مصيرها (الوحدات). أنا لا أعتقد أنك تستطيع نزع سلاح هذه المجموعات، أي انني أفترض أنك لن ترغب في المبادرة بـ الفِتنة ـ المجابهة الحاسمة والدموية مع الأشقاء الفلسطينيين. ولكنك ستضطر الي ايجاد طريقة لفرض ارادتك عليهم. ليس بامكانك أن تسمح بتدهور آخر نحو الفوضي، ذلك الوضع الذي يسود فيه التفريط وغياب القانون والذي طلب الشعب الفلسطيني بتغييره عندما رفعك الي سدة الحكم. من نافل القول أن أُنوه بأن الاسرائيليين سيعتبرون هذه الفوضي ذريعة للعودة الي مناطق السلطة.ومن هنا أتوجه نحو الفساد. الأمل بحكم نظيف وخال من الفساد هو الذي أوصلك الي الحكم أكثر من أي مسألة اخري. أنا أوصيك بمعاقبة بعض الشخصيات الممثِلة للحكم السابق علي الأقل. وربما أكثر من البعض. لن أذكر الأسماء لاسباب تعرفها. أنت تعرف الجميع. أنا واثق أنه لا توجد حاجة الي العودة للتنويه بهذه النقطة، ولكن سيكون من الصعب جدا تلبية توقعات المواطنين العالية: هم لا يتوقعون منك أن تحمل لهم بشارة العهد الجديد فقط والخالي من الرشوة والفساد والجنايات ـ وانما يريدون ايضا أن تُحسن من مستوي حياتهم وأن توحد الصفوف في الداخل وأن توفر لهم قسطا من الهدوء والطمأنينة. النساء في الأساس يتوقعن فترة أكثر تنورا حيث يقوم فيها الحكم بالتسبب بانسجام بين روح الاسلام وادراك عدد من مزايا التحديث الايجابية. أنت ستكتشف أن النسوة الفلسطينيات مُصرات علي نيل حقوقهن أكثر من أي وقت مضي.تعرّف علي الخارطة الدوليةلقد تطرقت الي عدد من الأنباء الجيدة في الساحة الدولية. ربما كانت علاقاتنا الخارجية مسألة تتطلب قدرا من الحساسية. اذا كنت ترغب في النجاح فعليك أن تحظي بتأييد الانظمة الحالية في الاردن ومصر ـ الدولتين اللتين تحصل فيهما حركات الاخوان المسلمين المناظرة لنا علي الدعم والتشجيع بفضل انتصارك السياسي. اذا شعر القادة في عمان والقاهرة أن سياستك تتآمر علي مصالحهم فلن يترددوا في التحرك ضدك أو تركك في مهب الريح. عليّ أن أُذكرك أن الرئيس عرفات قد توجه في ذروة الانتفاضة في آذار (مارس) ونيسان (ابريل) 2002 بطلب للقاهرة وعمان بتجميد علاقاتهما الدبلوماسية مع اسرائيل، في الوقت الذي كانت فيه الأخيرة تزرع الموت والدمار في كل مدينة وقرية في الضفة الغربية. العاصمتان رفضتا طلبه ببرود. العلاقات الاستراتيجية مع اسرائيل تغلبت علي تضامنهم مع فلسطين.حتي دمشق وطهران (اجل طهران) لم تُحركا ساكنا من اجلنا في ظروفنا العصيبة. لو كان بشار الأسد وآية الله خامنئي قد وجها الأوامر لحزب الله لاطلاق الصواريخ من لبنان، لكان بامكانهما أن يُزعزعا التوازن في اسرائيل بصورة جدية. ولكن كل ما حصلنا عليه من هذه العواصم الراديكالية المزعومة هو الكلمات الدافئة وصمت فعلي مثير للذهول. أنا أقترح اجراء تقدير واقعي لمستوي الدعم الذي قد نحصل عليه في المنطقة ـ خصوصا اذا واصلنا التصرف حسب مباديء وسياسة حماس.أنا أسعي لاضافة كلمة تحذيرية بصدد الاستقبال الدافيء حتي المفاجيء الذي حظيت به الحكومة الجديدة في العالم. عناق روسيا وتركيا الدافيء لم يأت من دوافع نقية تماما. اذا كنت أقرأ تصريحاتهم بصورة صحيحة فهم يعتقدون أنهم قادرون علي انتزاع سُم حماس بواسطة هذا العناق. أضف الي ذلك، من المحتمل أن يكون دافِعَهُم هدف فوري ومباشر: المساعدة في تعزيز علاقاتهم مع طهران.في موازاة زيارة رفيقك خالد مشعل وحاشيته لموسكو، كان الروس مشغولين في جهود اللحظة الأخيرة للتوقيع علي صفقة مع الايرانيين حول المشروع النووي. أنا أريد أن اقول لك إنه حسب معرفتي فانه اذا فشلت الاتصالات بين روسيا وايران فسيتضح لك أن موسكو ستؤيد الموقف الامريكي وليس الايراني. هذا طبع روسي أساسي تعرّف عليه اللاعبون في المنطقة خلال الـ 15 عاما الأخيرة منذ تفكيك المعسكر السوفييتي. أنا أناشدك بأن لا تؤسس أية استراتيجية فقط بناء علي التقارير التي قد تصلك من أخينا خالد مشعل.ابتعِد عن الولايات المتحدةسيدي رئيس الوزراء،الولايات المتحدة اصطدمت بعدد غير قليل من المصاعب في ترسيخ سياستها في الشرق الاوسط. مصالحها في المنطقة كثيرة ومُركبة. هي صديقة جيدة وحليفة لاسرائيل، ولكن بين الحين والآخر تقوم بالتحرك في مواجهة حكومات اسرائيل كما نعرف بصورة حازمة، بما في ذلك حكومة ارييل شارون. مع ذلك، علينا أن ندرك أن الامريكيين قد توصلوا الي استنتاج بأن مصير العالم الغربي كله يعتمد علي التغيرات العميقة في الشرق الاوسط، ومن بينها التغيرات في الانظمة.هم قاموا بارسال قواتهم الي المعركة في افغانستان والعراق، وسيفعلون ذلك كلما برزت الحاجة لذلك. هم لن يتوقفوا في منتصف الطريق لانهم يعتقدون أن مصير الحضارة كلها يعتمد علي هزيمة ما يسمي الارهاب الاسلامي الدولي .لذلك، سيعملون علي تصفية وسحق كل عقبة تقف في طريقهم. الولايات المتحدة تدرك جيدا حقيقة أن حماس هي أول كتلة للاخوان المسلمين تنجح في الوصول الي الحكم في المنطقة. أنت تعتبر سابقة وأول نموذج، وإن تصرفت بطريقة تشكل خطرا شديدا علي حلفاء واشنطن، فان الولايات المتحدة ستتيح لك المجال حتي تمني بهزيمة عسكرية وسياسية مدوية.أنت المنتصر الأول، ولكنك عرضة للاصابة بدرجة كبيرة في نفس الوقت. في آخر النهار قد تجد كل اوروبا وروسيا واليابان والهند والباكستان والولايات المتحدة وكذلك – اجل صدقني يا سيدي رئيس الوزراء – السعودية ومصر والاردن في مجابهة معك.اعترف بوجود اسرائيلسيدي رئيس الوزراء،من واجبي أن أتوجه نحو تقييم العدو. كرئيس لاستخباراتك من واجبي أن أقدم لك تقييما صادقا للخصم الاسرائيلي حتي وإن لم يكن ذلك لطيفا بالنسبة لك. خلال وصفي الأولي قمت بالتأكيد علي انجازات حماس خلال العشرين عاما الأخيرة. الاسرائيليون ايضا سجلوا نجاحات من جانبهم بالرغم من الانسحاب من غزة ومن بعض المواقع في شمالي الضفة الغربية.اسرائيل تملك آلة حربية هي الأكثر تدريبا وتسلحا وتجربة في الشرق الاوسط. لديها اقتصاد مزدهر، وتجارة اعمال وصناعة ناجحة وحياة ثقافية متوقدة. أكثر من مليون من مواطنيها العرب يتمتعون بمستوي حياة أعلي مما يتمتع به كل السكان العرب الآخرين في المنطقة. عرب اسرائيل يؤيدوننا بعدة وسائل، ولكنهم يخشون من مجرد ذِكر امكانية الانضمام للسلطة الفلسطينية.أنت ستوافق بالتأكيد بأن معارضتنا للاحتلال قد أوصلت الاسرائيليين الي الاعتراف بقصور قوتهم ومحدوديتها. ولكن هل تعتبر سياسة الانسحاب أحادية الجانب التي وضعها شارون برهانا علي أننا قادرون علي مواصلة النجاح اذا واظبنا علي سياسة المعارضة التي نتبناها في المستقبل ايضا؟ عليك أن تدرك أن قرار مواصلة الكفاح المسلح سيلزمك بالتخلي عن أجندتك السياسية الداخلية. الأمران لا يتساوقان معا، لأن سياسة حماس الداخلية تستوجب فترة من الهدوء. تحسين حياة الناس وتطوير المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يستوجب الهدوء وحركة التنقل الحرة داخل الضفة الغربية وداخل غزة وبين غزة والضفة.علينا أن نصل الي وضع يقلل فيه الجيش الاسرائيلي من وجوده المكثف بصورة لامتناهية علي الحواجز في كل شريان وكل مفترق مركزي في اراضينا. لذلك، نحن لا نستطيع حتي أن نحلم بتنفيذ أجندتنا الداخلية من دون التعاون والتفاهم مع اسرائيل. هذا هو الواقع الصعب.موقف اسرائيل في القضية الفلسطينية تطور في السنوات الأخيرة نحو اتجاهات مفاجئة لم تكن لتخطر في البال قبل مدة قصيرة. وكما تعرف، من الفترة التي قضيتها في السجن الاسرائيلي، الاسرائيليون اعتادوا علي السخرية من الفلسطينيين وتقليل قدرهم. يجب فقط أن ننظر الي الطريقة التي تعاملوا فيها مع الرئيس أبو مازن من خلال تصريحاتهم العلنية. هم ايضا لم يتعاملوا بجدية مع تهديدات عرفات بإلقاء اليهود في البحر. مع ذلك، هم يتعاملون معك ومع حماس بجدية بالتأكيد. وهم يرون فيك تهديدا حقيقيا ويتابعون كل ما تُصرح به بصورة دقيقة حتي يفهموا نواياك الحقيقية.الأمر الصحيح حتي الآن هو أن الاسرائيليين لا يعرفون كيف يردون علي حكومتك. هذه فترة انتخابات في اسرائيل. أمام كل سياسي فرصة لاطلاق تصريحات حمقاء في كل يوم. وقد صنعوا لنا معروفا كبيرا عندما طالبوا بأن تعترف حماس بدولة اسرائيل! تخيل بينك وبين نفسك أن اسرائيل بكل قوتها الاقتصادية والعسكرية تنتظر بجزع البيان الذي تمنحها فيه اعترافك المنشود! وبذلك تكون قد حظيت بتفوق لفظي عندما قمت بالرد عليهم بالقول بأنك لا تعترف بهم. ولكن، وكما قلت لك، التغير في رؤية الواقع في اسرائيل أصبح وشيكا.أنا اعتقد أنهم سيتوصلون الي استنتاج بعد الانتخابات بأنهم ليسوا بحاجة لاعترافنا بهم. بل علي العكس. نحن الذين نحتاج اعترافهم بنا. هم سيستيقظون صبيحة الانتخابات ويدركون أنهم ما زالوا قادرين علي السيطرة علي كل جانب من جوانب الحياة في السلطة الفلسطينية، وأن بامكانهم تدمير جدول اعمالك في القضايا الداخلية حتي من دون تجويع السكان. اذا توصلت اسرائيل الي استنتاج بأن علاقة حكومتك مع ايران هامة، وجدية فهي لن تنتظر بصبر الي أن يتعزز هذا التحالف ويزدهر. اسرائيل ستعتبر حكومتك ذراعا للرئيس أحمدي نجاد الذي قد صرح بدوره جهارا عن عزمه بتدمير اسرائيل.ومنذ اللحظة التي سيعتقدون فيها أننا قد تحالفنا مع طرف يشكل خطرا وجوديا علي اسرائيل، سيتوصلون الي اسوأ الاستنتاجات في كل ما يتعلق بنواياك ويعملون بكل قوتهم لإبعاد حماس عن المنصة. هم سيحصلون علي دعم اقليمي ودولي لخطوتهم. الطريق الوحيد أمامك لمنع ذلك هو ايجاد السبل للتسليم بوجود اسرائيل.ابتعِد عن تنظيم القاعدةهناك ثلاث نقاط اخري آمل أن تفكر فيها. بعد اتفاقات اوسلو 1993 سمحت اسرائيل للقادة الفلسطينيين في الشتات بتسلم الحكم، تاركة القيادة المحلية في دور ثانوي. التحليل النهائي أظهر أن هذه الخطوة لم تخدمنا بالمرة. علينا أن نتجنب تكرار هذا الخطأ. من المحظور رفع خالد مشعل وأشباهه الذين يقيمون في الشتات ودمشق الي مواقع قوة متنفذة. ثانيا، لقد ترددت تصريحات كثيرة جدا من بعض السياسيين في كل ما يتعلق بسياسة حماس المستقبلية لدرجة أن اشخاصا مركزيين في حكمك قد أصيبوا بالبلبلة والتوهان بصدد نواياك. أرجوك بأن تمارس صلاحياتك الموجودة لديك لايقاف هذا التيار الكلامي. وأخيرا، كرئيس لاستخباراتك، أجد لزاما عليك بأن أحذرك: ابتعِد عن تنظيم القاعدة وعن نشطائه وسياسته. اذا لم تفعل ذلك سيتحول الفلسطينيون الي منبوذين في الشرق الاوسط. هذه ستكون كارثة بالنسبة لنا بالتأكيد. سيدي رئيس الوزراء، مصير الأمة مودع بين يديك، وستضطر الي الاختيار بين الامكانيات المتاحة. لست أنا الذي يتوجب عليه أن يقترح عليك أي خيار تسير وفقه. هناك قدر كبير من الأمر يعتمد عليك الآن. حياة وموت الشعب الفلسطيني مودَعان الآن بين يديك.افرايم هليفيرئيس الموساد سابقا(يديعوت احرونوت) 10/3/2006