لندن-“القدس العربي”: بدأت الخلافات بين السعودية والإمارات في اليمن تطفو على السطح وتخرج إلى العلن، وتحولت لأول مرة إلى حديث شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية بعد أن انزلق سعوديون وإماراتيون محسوبون على أنظمتهم ومقربون من حكوماتهم إلى تبادل الاتهامات ونشر التغريدات والتدوينات التي تعبر عن التناقض والاختلاف فيما يتعلق بالشأن اليمني.
وبدأ الخلاف السعودي الإماراتي يظهر إلى العلن بعد أن دعمت الإمارات الميليشيا التي نفذت انقلاباً على الحكومة الشرعية في عاصمتها المؤقتة عدن، حيث استولت القوات التابعة للإمارات على المقرات الحكومية والقصر الرئاسي وانتهت إلى السيطرة على المدينة، فيما وقفت القوات السعودية موقف المتفرج مما يجري ولم تشترك في المعارك بين القوات الانفصالية المدعومة من الإمارات وبين القوات التابعة للحكومة الشرعية.
ولا يزال الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي يقيم في العاصمة السعودية الرياض مع أغلب أركان الحكومة، في الوقت الذي فقد فيه كل شيء تقريباً في اليمن، خاصة مع الأنباء التي تتحدث عن اتجاه القوات الانفصالية التابعة للإمارات للسيطرة على مدينة تعز الرئيسية، ما سيعني في نهاية المطاف أن نصف اليمن أصبح في يد الحوثيين وعاصمتهم صنعاء، والنصف الآخر أصبح في يد قوات انفصالية تدعمها دولة الإمارات، وهو ما أصبح واضحاً أنه يسبب قلقاً للسعودية التي شكلت التحالف العربي من أجل استعادة صنعاء فانتهى بها المطاف إلى خسارة عدن أيضاً.
ويطالب الانفصاليون المعارضون للحكومة الشرعية في عدن باعلان استقلال “اليمن الجنوبي” وعاصمته عدن، وترك ما يسمونه “اليمن الشمالي” وعاصمته صنعاء، لتعود بذلك البلاد إلى ما كانت عليه قبل الوحدة التي تمت في الـ22 من أيار/مايو 1990.
واشتعلت خلال الأيام الماضية مناكفات بين سعوديين وإماراتيين معروفين بتمثيل وجهات نظر بلدانهم، بما فيهم مسؤولين مثل القائد العام السابق لشرطة دبي الفريق ضاحي خلفان الذي أثار غضب السعوديين الذين أطلقوا حملة ضده على “تويتر” تحت الوسم “خلفان يسيء للمملكة”.
“العربية” و”سكاي نيوز”
كما وصل التناقض أيضاً إلى وسائل الاعلام الرسمية المحسوبة على البلدين، حيث اختلفت صياغة الخبر اليمني ذاته بين قناة العربية المملوكة للسعودية، وبين قناة “سكاي نيوز عربية” التي تملكها أبو ظبي، بحسب ما رصدت “القدس العربي” وذلك على الرغم من أن كلتا القناتين تعملان وتبثان من داخل دولة الإمارات.
وتباينت صياغة ونصوص الأخبار تماما خلال الأيام الماضية بما يكشف التباين الواضح في المواقف، حيث نشرت قناة العربية السعودية يوم الجمعة الماضية -على سبيل المثال – خبراً يقول: “اليمن.. قتلى وجرحى في اشتباكات في شبوة بين الشرعية والمجلس الانتقالي” بينما نشرت “سكاي نيوز عربية” التي تتبع أبو ظبي نفس الخبر وفي نفس الوقت ولكن بالصيغة التالية: “شهود عيان: اشتباكات بين النخبة الشبوانية مع عناصر مسلحة تابعة لحزب الاصلاح في عتق بشبوة”.
وبدا في الخبر ذاته التباين واضحاً بين الموقف السعودي والإماراتي، حيث لا تزال الرياض ومعها قناة العربية تعتبر أن القوات المحسوبة على هادي هي قوات “الشرعية” بين تشير القناة الإماراتية لهم على أنه “مسلحو حزب الاصلاح” فضلاً عن أن قناة “سكاي” تصف في الكثير من أخبارها حزب الاصلاح بأنه “إرهابي” وذلك بسبب أنه محسوب على جماعة الاخوان المسلمين، وذلك على الرغم من أن مقاتليه يحاربون إلى جانب الرئيس هادي.
شبكات التواصل
وظهر الخلاف السعودي الإماراتي في الملف اليمني جلياً في التغريدات التي تداولها عدد من النشطاء المحسوبين على كل من نظامي البلدين، خاصة فيما يتعلق بالانفصال وتقسيم اليمن، بما وصل ببعض السعوديين إلى القول مخاطبين الإماراتيين: “ذهبنا لطرد الحوثيين من اليمن لا إلى تقسيمه”.
ونشر السكرتير الصحافي السابق للرئاسة اليمنية ومستشار وزير الإعلام اليمني مختار الرحبي تغريدات غاضبة عبر حسابه على “تويتر” قال فيها: “الوقاحة كنز لا يفنى يا دولة الإمارات” حسب تعبيره.
وأضاف: “تمنعون فخامة رئيس الجمهورية من العودة إلى عدن وتدعمون مليشيات خارج سلطة الرئيس والشرعية وتعايرون الرئيس لماذا لا يعود إلى اليمن”.
وأردف: “كل أكاذيبكم فُضحت وكل مشاريعكم التدميرية عرفها الشعب اليمني. الآن لم يتبقَ لكم في اليمن غير الطرد غير مأسوف عليكم”.
وجاءت تغريدات الرحبي رداً على تقرير لموقع إخباري إماراتي على الانترنت هاجم الرئيس هادي واتهمه وأبناءه بأنهم يزجون باليمنيين في الحرب بينما هم خارج البلاد.
كما نشر الصحافي السعودي المعروف عضوان الأحمري، وهو أحد المقربين من الحكومة في الرياض، نشر جملة من التغريدات على “تويتر” انتقد فيها الإمارات بشكل واضح ومباشر، قائلاً: “هناك ملاحظات على الحكومة الشرعية اليمنية، وأداءها، وشائعات عن فساد فيها. لكن هدم ما تم والانقضاض على ما بناه التحالف والتعريض بالشرعية اليمنية وتغريدات مكثفة من الأشقاء في الإمارات داعمة للمجلس الانتقالي فهذه مثيرة للتساؤلات أيضاً. من يغردون لا يمثلون أنفسهم، وليسوا كتاب مستقلين”.
وأضاف في تغريدة ثانية: “رئيس المجلس يقود المفاوضات في جدة، ونائبه يوسع رقعة الاشتباك والمعارك. وإعلاميو ومثقفو دولة شقيقة يهاجمون الرئيس هادي والشرعية ويبشرون باستقلال الجنوب. التحالف اسمه تحالف دعم الشرعية وليس تحالف دعم استقلال الشمال أو الجنوب”.
في المقابل، شن الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله الذي تقول بعض وسائل الاعلام إنه يعمل مستشاراً لدى ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، شن هجوما واسعا الأسبوع الماضي على الحكومة اليمنية الشرعية، وقال في تغريدة على “تويتر” إنه “من المؤسف أن الحكومة اليمنية تهاجم الإمارات دون وجه حق، وتتخذ مواقف مبتذلة، وتفتعل معارك غير ضرورية مع أقوى حليف في التحالف، من أجل استعادة الشرعية، والذي قام بواجبه على أكمل وجه، وقدم تضحيات بدم جنوده الشهداء”.
وأضاف إنه “منذ 5 سنوات، والإمارات تحارب من أجل الشرعية، ومنذ 5 سنوات والشرعية تحارب الإمارات، وتلقي بفشلها على الإمارات”.
وتابع بأن “حكومة اليمن أصبحت عالة، وتود إطالة الحرب، وخسارة فيها قطرة دم طاهرة، وخسارة فيها دولار واحد ذهب لقيادتها الفاسدة”، وتمنى عبد الله من حكومة بلاده وقف مساعداتها للحكومة اليمنية وإعادة جنودها من اليمن “فورا”، على حد تعبيره.
ضاحي خلفان
وشن الجنرال الإماراتي المعروف هجوماً كبيراً على الحكومة الشرعية التي تقيم في الرياض والتي شكلت السعودية التحالف من أجل إعادتها إلى اليمن، حيث كتب سلسلة تغريدات ضد هادي وحكومته، قال في إحداها: “اذا حررت الشرعية صنعاء بعد عشر سنين صفقوا لها”، وأضاف في تغريدة ثانية: “الشرعية ليس لديها قوات.. قواتها استولى عليها الحوثي.. والقوات المقدمة لها من التحالف في خدمة الحوثي.. مهمتها مكانك راوح.. صور مقاتلين يقومون باطلاق نار هنا وهناك في مناطق خالية.. وبثها على الحدث.. والسلام عليكم ورحمة الله”.
وتابع: “والله ان قوات الشرعية تقوم بعمليات وهمية وتعمل على نشرها عبر الحدث.. وهي احداث كاذبة”، وأضاف: “ستظلون في حلم العودة إلى صنعاء.. ولن تصلوها يا مقاتلي هادي والاخونجية.. إن كنتم رجالا فتلكم صنعاء”، وانتهى خلفان إلى القول: “حكومة هادي حكومة فاشلة.. والفاشل مشكلة.. وعنده مشكلة هذه مصيبة”.
وسرعان ما أثارت تغريدات خلفان موجة غضب في السعودية، حيث رد سعوديون بالوسم (#ضاحي_خلفان_يسيء_للمملكة)، معتبرين أنه يسخر من السعودية والتحالف ويشير إلى فشل الحرب التي استمرت سنوات على اليمن وكبدت كلاً من الرياض وابوظبي مليارات الدولارات.
حقل الشيبة
وليس بعيداً عما يجري في اليمن فقد فوجئ المراقبون والمتابعون بصدور بيان إماراتي للتنديد بهجوم الحوثيين على حقل الشيبة السعودي، لكنهم رصدوا ملاحظتين، الأولى أن البيان الإماراتي جاء متأخراً بيوم كامل عن البيانات التي صدرت عن دول الخليج الأخرى، أما الملاحظة الثانية وهي الأهم فهو أن الإمارات تجنبت القول “حقل الشيبة السعودي” واكتفت بإدانة الهجوم على “حقل الشيبة” دون وصفه بأنه “سعودي”.
ويقع حقل الشيبة النفطي داخل الأراضي السعودية لكنه يبعد 10 كيلومترات فقط عن حدود أبو ظبي، وقد كان سابقاً ملفاً خلافياً بين البلدين حيث تطالب به الإمارات وتعتبر أنها أحق به من السعودية، وأنه ضمن حقولها وأراضيها، فيما جاء البيان الإماراتي متجنباً القول إنه “سعودي” ليُظهر مجدداً أن الخلاف بين البلدين لا يزال قائماً بشأن هذا الحقل النفطي.