أمضى ساسون سوميخ عمره باحثا مجتهدا في الأدب العربي الحديث لدى أعلامه المجلّين ومترجمًا مبدعا له، وقد ترجم نماذج وفيرة من هذا الأدب إلى العبرية والإنكليزية، حتى بات بإمكاننا أن نطلق عليه لقب «سفير الأدب العربي» في جمهورية الآداب الأجنبية عامة، إضافة إلى هذا عُرف سوميخ بميوله الإنسانية اليسارية، ومعروف أن علاقات محبة ومودة ربطته بالعديد من أبناء جيله المبدعين العرب في بلادنا والخارج.
ولد ساسون سوميخ في بغداد عام 1933، ووفد برفقة ذويه مهاجرا إلى البلاد عام 1951، ولما يتجاوز عمره السابعة عشرة، وقد أتيحت له الدراسة بعد سنوات من هجرته هذه، في جامعة تل أبيب وحصل منها عام 1962على شهادة البكالوريوس في اللغة العبرية والتاريخ، وحصل بعدها عام 1965على شهادة الماجستير في اللسانيات من قسم اللغات السامية في الجامعة العبرية في القدس. انتقل بعدها إلى جامعة أوكسفورد في لندن، لينجز هناك عام 1968 رسالة الدكتوراه، وكانت تبحث في أدب نجيب محفوظ وثلاثيته الشهيرة بين «القصرين» (1956)، «قصر الشوق» (1957)، و»السكرية» (1957). ومما يذكر أنه تولّى في ما بعد منصب أستاذ الأدب العربي في جامعة تل أبيب، وكان أستاذا زائرا في العديد من الجامعات الأجنبية.
غادر سوميخ عالمنا يوم الأحد (18-8-2019)، عن عمر ناهز السادسة والثمانين عاما، تاركا وراءه إرثا غنيا في مجالي التأليف والترجمة، وطلابا سيذكرونه سنوات طوالا لما تمتع به من جدّية وإخلاص، في حياته وفي أبحاثه الأدبية. أحاول في ما يلي أن أقدّم صورة موجزة مجملة لهذه الشخصية الثقافية اللامعة الجديرة، مشيرا إلى أنني عرفته عن قرب، وأن علاقة طيبة ربطتني به، وقد كنت واحدا ممن أولاهم اهتماما خاصا، وقد ترجم لي عددا من أعمالي الأدبية إلى العبرية.
اتصفت شخصية ساسون سوميخ بنوع من الشمولية الثقافية، ومما يذكر له أنه وضع كتابا في جزءين عن ذكرياته في بغداد، هما: «بغداد أمس» و«الحياة بعد بغداد».
الفارس اليساري
عُرف سوميخ منذ مطالع شبابه الأول في بغداد، كما يتضح من كتاب مذكراته أيضا، بميوله اليسارية الواضحة، وعندما هاجر للإقامة في البلاد ارتبط بعلاقات طيبة بقياديي الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ونشر العشرات من مقالاته الأدبية في صحيفة «الاتحاد»، ومجلة «الجديد»، الحيفاويتين، وكان ناشطا أدبيا تمتع بصفات إنسانية واسعة الأفق، ويذكر كاتب هذه السطور له بكثير من الود، توجّهه الإيجابي المتفهم لإخوانه المبدعين العرب، وإنه كان شاهدا على موقف لا يمكن أن ينساه، خلال أمسية أدبية سياسية أقيمت في أواسط الثمانينيات في المركز الثقافي البلدي – الناصرة، وتحدث فيها عدد من الكتاب العرب عن الانتفاضة، يومها عقّب سوميخ على ما سمعه من المتحدثين الغاضبين قائلا لهم: إنني أتفهم غضبكم. ومن حقكم التعبير عنه وإعلانه.
العاشق البغدادي
اتصفت شخصية ساسون سوميخ بنوع من الشمولية الثقافية، ومما يذكر له أنه وضع كتابا في جزءين عن ذكرياته في بغداد، هما: «بغداد أمس» و»الحياة بعد بغداد»، وقد صدر هذان الكتابان باللغتين العبرية والإنكليزية، وقام الصديق محمود عباسي، أمد الله في عمره، بترجمة الجزء الأول «بغداد أمس» إلى العربية، وأصدره عن «دار نشر المشرق»، التي كان يتولى إدارتها عام 2011. وواضح من عنواني هذين الكتابين أنه يتحدث في الأول عن حياته في بغداد، وعن علاقاته فيها إبان الأربعينيات، في ما يتحدث في الثاني عن حياته في البلاد، وقد نُشرت فصولٌ من هذين الكتابين في صحيفة «هارتس» العبرية، التي خصها بالعديد من كتاباته التنويرية.
يتحدث سوميخ في كتابه هذا، الجزء الأول تحديدا، عن علاقاته الأدبية بعدد من الكتاب والشعراء العراقيين منهم محمد شرارة ومحمد مهدي الجواهري، ومما ورد فيه عن هذا الأخير قوله: «أثار بي اللقاء مع الجواهري شهيتي الأدبية، كما أدى الدفء الإنساني الذي طوقني به، إلى أن أغوص عميقاً في قراءة الأدب العربي، وعلى الأخص الشعر، وصرت أتخيل نفسي شاعراً».. وبالمناسبة فقد كانت لي علاقات حميمة مع هذا الشاعر وأهداني قصيدة جميلة «إلى أبي سامر» تكونت من 31 بيتاً شعرياً ضمن ما يطلق عليه بـ»الإخوانيات» في عام 1987، وقد نشرها الصديق الفقيد محمد حسين الأعرجي في كتابه الموسوم «الجواهري دراسة ووثائق» الصادر عن «دار المدى» عام 2002. وجاء في البيت الأول قوله:
يا أبا سامرٍ، وأنت حبيبٌ تتخطى الأحبابَ والأسمارا
لكَ مني شوقٌ يدغدغُ نفسي كنسيم ٍ يُدغدغُ الأسحارا
نجيب محفوظ يشيد بسوميخ
كرّس ساسون سوميخ حياته العملية للبحث في الأدب العربي، وقد وضع العديد من المؤلفات المهمة عنه،وقد توقف عند علمين من أبرز شخصيات الأدب العربي في النصف الثاني من القرن العشرين هما نجيب محفوظ (أول كاتب عربي يحصل على جائزة نوبل الأدبية)، ويوسف إدريس، المبدع المتألق في مجال كتابة القصة القصيرة، وله عن هذين العلمين المبدعين العديد من المؤلفات، نشير منها إلى «عالم نجيب محفوظ» و»دنيا يوسف إدريس»، وقد كتب إليه نجيب محفوظ ردا على رسالة بعث بها إليه، يقول:
اليك صادق تحياتي وشكري، وبعد، لقد اطلعت على رسالتك بسرور صادق، إعراباً عما أكنه لك من شكر لعنايتك الكريمة بدراسة أدبي، وقد صرّحت في أكثر من مجال بأن كتابك عني يعتبر عملاً نقدياً عميقاً وشاملاً، وإنه يعتبر من أفضل ما كتب عني، إن لم يكن أفضلها جميعاً. وطبيعي إنني لمست فيه حبك للأدب العربي ولاجتهاداتي فيه لا تحرياتك عن عقلية عدو، بل إن دراستك كانت غنية في المقام الأول وإنسانية بالمعنى الشامل والدقيق».
أما تلميذه المحب الصديق محمود رجب غنايم، رئيس مجمع اللغة العربية، فقد كتب عنه قائلا: «إن أهم باحث للأدب الفلسطيني في تقديري هو بلا شك ساسون سوميخ، أستاذ كرسي الأدب في جامعة تل أبيب. وهو من أصل عراقي جاء إلى الجامعة من الحياة الأدبية. وقد كان في شبابه من النشيطين في صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وكتب في مجلات الحزب وعرف العديد من الأدباء الفلسطينيين عن كثب وأقام علاقات ودية مع هؤلاء الأدباء، أمثال راشد حسين وسميح القاسم وتوفيق زيّاد وإميل حبيبي وحنا أبو حنا وغيرهم الكثير.
٭ كاتب فلسطيني