كالعادة وكأننا نشاهد فيلما بالابيض والاسود قديما يعاد لاكثر من مرة على قناة تليفزيونية حكومية قد افلست، وتأتي الاوديسة لتنزع اوراق التوت عن الانظمة العالمية ومجلس الامن اللذين استمدا الشرعية الدولية لكل اعمالهم غير الشرعية سواء في العراق او افغانستان بشرعية التدجيل بالشعارات التي استهلكت عن الانسانية وحقوق الانسان حتى اصبح المواطن العربي بعد عمليات التواطؤ التي تتم على ارض الواقع تتاح فيها الفرصة الكاملة لكتائب القذافي لتسيطر على المدن التي ثارت فتدكها بالمدفعية من الخارج وبعد ان تهيئها تسلم سكانها العزل للمرتزقة وتهدي نساءها الليبيات كسبايا لقادة جحافل المرتزقة القادمين من دول لازالت تركب الافيال.
غير متاكد من ان فجر الاوديسة سوف يبزغ في هذا الليل الدموي الذي طال سواده على الشعب الليبي فلم تسلم اولاده من الذبح وتتهدم على رؤوسه اسقف المساجد والبيوت وتقطع عنه الماء والكهرباء ومن يسعفة الحظ ويستشهد يحفرون قبره ويخرجونه. بدت رؤوس الانظمة الغربية وعلى راسهم اوباما ساحر القبعات السياسية باستثناء فرنسا التي استردت الى حد ما ثقة الشعوب العربية بعد موقفها الواضح والسريع في وقف ماكينات الموت وكانهم يتخطفهم الطير دخلوا في ورطة او صدمة هذا اقرب تعبير يمكن استخدامة امام ما يحدث من عمليات تضارب في الاقوال والمواقف التي اصبح الانسان في حل من استدعاء الادلة والشهود لتبرهن على انهم كانوا يتمنون في قرارة انفسهم ان يختلف العرب فيما بينهم كعادتهم التاريخية فلا يجتمعون ويخرجون بالبيان الذي فاجأ الجميع بدعوة مجلس الامن الذي لا يملك من امره شيئا وتمسح اسرائيل الارض بكرامة اعضائه بالتدخل لحماية الشعب الليبي الذي يتعرض الى عملية ابادة لم يعرفها العالم منذ الحقبة النازية التي تتطابق فيها سياسات الزعيمين هتلر الذي دمر العالم ووقف يرقص على الخراب وبعد ان انتهى من احتفاليته انتحر، اما القذافي الذي اختصر ليبيا في شخصه وتخيل بانه فوق النقد ولا تجري عليه قوانين الطبيعة ونظريات التغيير لم يستوعب ان يكون هناك من لا يرى فيه المجد والعزة وصانع امجاد التاريخ ففتح جرابه السحري وجاء بالمرتزقة والماجورين من الادغال ليقتلوا في الشعب الاعزل الذي فاض به الكيل وخرج يطالب بحقه في الحياة مثل كل شعوب الارض في ظل نظام سياسي تحكمه مؤسسات تشريعية ونيابية ولا توجد فيه وصايا من اللجان الثورية والعبثية السياسية التي تعتبر الاحزاب السياسية خيانة وجريمة تآمر ومؤامرات رجعية، القذافي وبعد ان تاكد ان العالم يتجادل ويتضارب وابتلع نظريته حول هيمنة تنظيم القاعدة على الثوار ‘المهلوسين المقملين’ لم يتخذ قرارا ثوريا مثل هتلر وينتحر بل قرر ان ينتحر الشعب الليبي بأكمله عن طريق نقل السلطة لواحد من ابنائه من امراء الحرب وان يظل هو يتمدد تحت الشمس داخل الخيمة ويقدم للمكتبة العربية اخر ابداعاته الخيالية. القذافي الذي اثرت فيه اساطير امريكا اللاتينية فتقمصته اشباح حكاية الاقطاعي العجوز دون كيشوت الذي عجز عن فهم ان العالم يتغير وسنة الحياة ان التغيير يطيح بالقديم ويأتي بالجديد وقرر ان يمتطي صهوة جياده ويحارب طواحين الهواء في رمزية على محاربة كل جديد، القذافي في حقيقته ظاهرة صوتية انكمش داخل حدوده يمارس تجاربه الثورية على الشعب البائس المرهق وخارجها لا يهش ولا ينش واكتفى بان يتحول الى مجرد ايقونة تاريخية ترمز لفترات سياسية قد عفى عليها الزمن، فسيفساء من الكوميديا السياسية واستعراضات لعروض الازياء وعلى الرغم من قلة امكانياته العسكرية واضمحلال دوره السياسي قرر ان يكون هو الحليف الاستراتيجي لامريكا وحارسا لشواطئ حلفائها الاوروبيين من هجرات الافارقة المعدمين الذين احبوه ووثقوا به ومنحوه تاج السلطنة المصنوع من القش. الاوروبيون تعاملوا مع القذافي على انه مجرد فزاعة يعتمدون عليه في افساد كل اجتماعات القمة العربية ويشفي غليل صدور الحكومات الاسرائيلية التي تبدلت عشرات المرات في فترة حكمه بهجومه على الحكام العرب الذي يتولى عمادتهم داخل اروقة الجامعة العربية او امام الميكرفونات وقفزه على كل القرارات التي تدعو الى قيام دولة فلسطينية مستقلة وطرحه لدولة اسراطين التي ترسخ وجود اسرائيل كدولة يعيش فيها الفلسطينيون بعد تاريخهم الطويل من الكفاح وما قدموه من شهداء كرعايا يأكلون ويشربون وتنتهي للابد فكرة التحرير وللمسجد الاقصى رب يحميه، القذافي تعلم من درس صدام حسين في العراق وتحول الى الجسر الذي تعبر عليه المصالح الاقتصادية الغربية الى افريقيا التي توجه ملوكها البائسين كملك لملوكها بعد ان ملأ جيوبهم باموال الشعب الليبي الذي لا تسمع الناس سيرتها غير في ما تتناوله الصحف العالمية عن مغامرات اولاده بدءا من شراء القصور الفارهة وانتهاء بالشهادات العلمية وحتى تكتمل فصول الكوميديا زادت افريقيا من كرمها ومنحته طوائفها الصوفية لقب امام المسلمين ليكتمل المشهد وينسدل الستار.
خالد الهواري – السويد[email protected]