بغداد-“القدس العربي”: تزداد العلاقات التجارية بين العراق وتركيا، تعثرا عقب إجراءات متصاعدة اتخذتها حكومة بغداد، بوقف استيراد أكثر من 85 سلعة تركية، متسببة في إلحاق أضرار فادحة باقتصاد تركيا التي يخشى العراقيون أن تلجأ في المقابل إلى خطوات تلحق الضرر بالعراق أيضا، وسط مؤشرات بكون دوافع الإجراءات العراقية، سياسية أكثر منها اقتصادية.
وفي الوقت الذي قررت فيه حكومة العراق في 12 تموز/يوليو الماضي، رفع مساحة حظر استيراد البضائع التركية لتصل إلى نحو 85 سلعة، تزيد قيمتها عن المليار دولار، فقد بادرت بغداد بالمقابل، لتعويض النقص باستيراد منتجات بديلة من دول أخرى في مقدمتها إيران، مما تسبب في إلحاق أضرار كبيرة بالاقتصاد التركي، وخاصة في قطاع صادرات البيض والدجاج التي تعد أهم السلع المصدرة إلى العراق، وليمتد القرار العراقي لاحقا ليشمل حظر واردات المعكرونة المختلفة وملح الطعام وسلع تركية أخرى.
وأغلب الصادرات التركية للعراق هي المواد الغذائية، فإضافة إلى الدجاج وبيض المائدة، هناك الدقيق والبقوليات، والبسكويت، وزيوت الطعام، ومنتجات الشيكولاته، ومنتجات الألبان والمرطبات والمعكرونة وملح الطعام، مع كميات من الفوط الصحية، وحفاضات الأطفال والملابس الجاهزة والأحذية، والأثاث وحتى المجوهرات، بينما تستورد تركيا النفط وجلود الأبقار والذهب الخام، بإجمالي 1.5 مليار دولار فقط.
ويحتل العراق المركز الرابع بين أكبر الدول التي تذهب إليها الصادرات التركية بإجمالي 8.7 مليار دولار عام 2017. وقد أبدى وزير الخارجية جاويش أوغلو، خلال زيارته للعراق، رغبة بلاده بزيادة حجم التجارة بين البلدين إلى 20 مليار دولار سنويا.
الخسائر الأكبر
وكانت وزارة الزراعة العراقية، قررت وقف استيراد الدجاج وبيض المائدة من تركيا، حيث أبلغ الوزير صالح الحسني السفير التركي ببغداد فاتح يلدز لدى استقباله في آب/اغسطس الحالي، باستمرار قرار وزارته منع استيراد الدواجن وبيض المائدة من الخارج بمبرر وفرتهما محليا، مبينا له أن قرار المنع جاء بتوجيه من الأمانة العامة لمجلس الوزراء.
وإمعانا في إلحاق الضرر والتشدد في الموقف، فقد أعلنت وزارة الزراعة تعليمات مشددة بحظر بيع حتى الموجود بالفعل في السوق العراقي من هذه السلع، مهددة بتعرض المخالف للمساءلة القانونية، كما أصدر أوامر لإدارة الجمارك بحظر دخول تلك المنتجات.
ويعد العراق المستورد الرئيسي للدجاج وبيض المائدة من تركيا، ولذا فقد أثر قرار حكومة بغداد بمنع الاستيراد على قطاع الدواجن في تركيا وخاصة في ولاية ماردين التي تعتمد على تصدير الدجاج والدقيق إلى العراق، ما أدى إلى انخفاض أسعار البيض بنسبة 50 في المئة، كما أدى القرار إلى إفلاس عدة شركات وتسريح آلاف العمال، وإقدام شركات الدواجن على إعدام ملايين الدجاج والبيض لعدم توفر سوق لهما وعدم امكانية خزنهما لفترات طويلة في موسم الصيف.
وقد توقعت العديد من الصحف التركية أن يكون للقرار العراقي تداعيات متعددة منها إفلاس وإغلاق عدد من شركات إنتاج الدواجن والبيض، مع توقعات بزيادة أعداد العاطلين عن العمل في تركيا وتوقف عمل آلاف من سائقي الشاحنات التي تنقل البضائع إلى العراق. وقد استغلت المعارضة التركية هذه الأزمة سياسيا لتوجيه اتهامات للحكومة بسوء إدارة العلاقات مع العراق.
ويذكر ان حجم التجارة بين العراق وتركيا بدأ في الانخفاض منذ إغلاق الحدود بين تركيا والإقليم ضمن تداعيات الاستفتاء على الاستقلال عام 2017 خاصة وان جميع الصادرات التركية إلى العراق تعبر من خلال الإقليم إلى باقي محافظات البلد. فبعد فترة إغلاق الحدود التي قامت بها تركيا وإيران بالاتفاق مع بغداد للضغط على حكومة الإقليم، انخفضت حركة الشاحنات التركية، كما أقدمت سلطات الإقليم على فرض ضرائب ورسوم جديدة على البضائع التركية ما ساهم في تخفيضها لتزيد بذلك الضغوط والقيود عليها.
ونظرا لكون المنفذ الوحيد الحالي لعبور الصادرات التركية نحو العراق على طول الحدود البرية بين البلدين، هو محافظة دهوك شمال العراق، وفي أعقاب أزمة استفتاء إقليم كردستان على الاستقلال، فقد اتفقت تركيا والعراق على بناء معبر حدودي جديد هو أوفاكوي الذي يمر بالموصل إلى بغداد، لإنهاء تحكم الإقليم بالتجارة بين البلدين، إلا ان حكومة عادل عبد المهدي لا تبدو متحمسة للمشروع بسبب علاقتها الجيدة بحكومة الإقليم حاليا.
أضرار عكسية
وقد يعتبر البعض أن موقف حكومة بغداد من وقف استيراد بعض السلع التركية مبررا لتوفر المنتوج المحلي، إلا أن الواقع يظهر خلاف ذلك.
حيث كشف رئيس غرفة تجارة بغداد جعفر الحمداني، في لقاء تلفزيوني، عن خسائر كبيرة لحقت بالاقتصاد العراقي جراء قرار الحكومة ايقاف استيراد بعض السلع من تركيا، مؤكدا أن “وقف استيراد البيض والدجاج سبب مشاكل في الأسواق المحلية الرئيسية وأثر على سلة غذاء المواطن والوضع الداخلي للبلد”.
وأشار إلى “وجود أكثر من ألف و400 تاجر يعملون في قطاع البيض والدجاج في بغداد، ويعمل لديهم نحو 15 ألف عامل، وان القرار سيؤدي إلى إغلاق الكثير من المحال وتسريح أغلب العمال، إضافة إلى ارتفاع أسعار صندوق البيض من 32 ألف دينار عراقي إلى 95 ألف دينار يتحملها المستهلك حاليا”.
وأكد انه “مع دعم المنتج المحلي ولكن وفق الآليات المتبعة عالميا بأن يكون هناك وفرة للمنتج المحلي في السوق مع افساح المجال للمنافس الأجنبي وحسب الجودة والسعر، بما يضمن حماية المستهلك ضمن قانون الحماية، كما يتيح الحرية للمستهلك باختيار السلعة وهو قانون معمول به عالمياً”. وكشف الحمداني أن “العراق بحاجة إلى نحو مليون و300 ألف طن من الدجاج سنويا، بينما لا ينتج أكثر من 150 ألف طن منه” عاداً إياه “كارثة حقيقية”.
وأكدت وزارة التخطيط العراقية أن البيض المنتج محليا لا يشكل سوى 40 في المئة من البيض المستورد، ما يتطلب توفير الكميات المطلوبة من البيض والدجاج للأسواق المحلية.
وتسببت الحرائق الكثيرة التي تعرضت لها الحقول الزراعية وحقول الدواجن في العديد من محافظات العراق هذا الصيف في حدوث شحة في الدجاج والبيض وارتفاع أسعارهما في السوق المحلية، حيث وقعت حرائق كبيرة في حقول الدواجن في الديوانية وديالى وغيرها من المناطق، تسببت في خسائر كبيرة لمربي الدواجن.
ويؤكد تجار عراقيون أن قرار حكومة بغداد تقليل استيراد السلع التركية، له دوافع سياسية ظهرت من خلال زيادة استيراد السلع الإيرانية لمساعدتها في فك حصارها حيث يتواصل الدجاج والبيض عبور الحدود العراقية الإيرانية رغم قرار منع استيرادها.
الرد التركي
ويرى المراقبون أن أخطاء حكومة بغداد في التعامل مع الجارة تركيا وإهمال مصالحها لتحقيق أهداف سياسية، دفع الأخيرة إلى مواقف وإجراءات كثيرة منها قيام القوات التركية بشن حملات واسعة منذ أشهر لملاحقة عناصر وقيادات حزب العمال التركي المتمركز في شمال العراق منذ سنوات، وخاصة بعد تنفيذ حزب العمال عدة عمليات إرهابية في الداخل التركي إضافة إلى قيامه بخطف تركيين في السليمانية واغتيال دبلوماسي تركي في أربيل مؤخرا، وبعد التأكد من تقصير وعجز حكومتي بغداد وأربيل في الحد من النشاطات الإرهابية للحزب المعارض. حيث نجحت تلك الحملات في اقتناص العديد من قادة الحزب في معاقلهم في جبال قنديل وسنجار، كما تمكنت من اعتقال آخرين منهم.
وفي ملف مياه الأنهار المشتركة بين العراق وتركيا، فإن للأخيرة قدرة كبيرة على التحكم بمستوى المياه التي تدخل العراق عبر نهري الفرات ودجلة، من خلال إقامتها عشرات السدود الكبيرة عليهما منذ سنوات.
وكان أوغلو الممثل الخاص للرئيس التركي رجب طيب اردوغان، زار العراق قبل أشهر لبحث مشكلة المياه مع إبداء حرص حكومته على الاتفاق مع الحكومة العراقية لتوفير احتياجات البلد من المياه، بالتزامن مع بدء عمل سد اليسو على نهر دجلة في الأراضي التركية الذي سبق للرئيس التركي اردوغان ان أجل افتتاحه لعدم الاضرار بالجانب العراقي أثناء موسم الجفاف الماضي. وتقول تركيا إن سد اليسو الذي يبلغ طوله 1820 وارتفاعه 135 مترا ويغطي مساحة 300 كيلومتر مربع، سيكون مصدرا مهما للطاقة الكهرومائية ويساهم في تطوير منطقة واسعة من تركيا.
وأقر وزير الموارد المائية العراقي السابق محسن الشمري أن “ساسة العراق غير قادرين على التفاوض مع الجانب التركي حول ملف المياه، وان العراق سيعاني خلال السنوات المقبلة من مشاكل مائية كبيرة بسبب سد اليسو التركي”.
وأشارت المصادر التركية إلى أن أنقرة تبحث عن طرق لزيادة مشترياتها من النفط العراقي للتعويض عن النفط الإيراني لتجنب العقوبات الأمريكية، وأن تركيا تدرس امكانية استيراد النفط الخام عن طريق ميناء البصرة جنوبي العراق، إضافة لزيادة الإمدادات عبر خط أنابيب كركوك – ميناء جيهان التركي المطل على البحر المتوسط.
كما أبدت تركيا مرارا استعدادها للمساهمة في إعادة إعمار المناطق المحررة من تنظيم “داعش”.
ويبدو أن العلاقة بين البلدين الجارين العراق وتركيا تستند إلى مقومات استراتيجية ومصالح متبادلة متعددة الوجوه، ومن المؤكد أن اتخاذ بغداد مواقف مؤذية للاقتصاد التركي بدون مبرر مقنع، هو انضمام إلى دول الضغط على الحكومة التركية الحالية، وخدمة لطرف معين ما يكون له تأثيرات تلقي بضلالها السلبية على الاقتصاد التركي إضافة إلى التداعيات التي تلقيها على مواقف الحكومة التركية السياسية ازاء قضايا المنطقة، وأن حكومة بغداد تجازف من خلال التضحية بمصالح الجارة تركيا بخسارة شريك له القدرة على الرد بإجراءات متاحة يمكن ان تزيد من أزمات العراق المزمنة، ولتؤكد أن مواقف حكومة بغداد بعيدة عن الحكمة أو إدراك أبسط متطلبات وضرورات بناء علاقات متكافئة مشتركة تخدم البلدين الجارين.