تجري دماء كثيرة في الفصل الأول من الرواية التي تحمل عنوان «بلا دماء». شيء يشبه المجزرة هيّأت لها السطور الأولى، وإن لم يجاوز عدد القتلى الاثنين، الأب وابنه. سيارة المرسيدس كانت تتقدّم من المزرعة التي «يلفها الظلام الدامس في مواجهة ضوء السماء». في بيت المزرعة القديم كان مانويل روكا، الأب، ينتظر وصول القتلة. زودّ ابنه، بل طفله، ببندقية قديمة جاء بها من إحدى الغرف، وأنزل ابنته في الحفرة التي في وسط الدار وأفهمها بأن عليها أن تبقى مختبئة في الأسفل، ولا تخرج إلا حين تحسّ بأن كل شيء انتهى.
لم يجر بين القتلة الذين خرجوا من السيارة ومانويل روكا حوار طويل. فقط كلمات تهديد وردّ على التهديد كان يجري تراسلها بين هنا وهناك. كلهم على سلاحهم، بمن فيهم الطفل الذي لم يعرف لماذا أعطيت له البندقية ولم يقل له والده إن كان عليه استخدامها. وفجأة، بعد تلك المقدمات القليلة، اندلع الرصاص بين داخل البيت وخارجه. أحد القتلة، تيتو الذي في منتصف عشرينياته، تمكن من الدخول إلى البيت، ومن فوره أطلق الرصاص على الأب مانويل روكا. كان ذلك الشاب ماهرا، بل محترفا، وجعل ينادي زملاءه القتلة للدخول معلنا لهم إن الطريدة تلقت إصابة. كانت الرصاصة قد أصابت الساق وأحدثت فيها فجوة. وفيما استعدّ رجل آخر من العصابة ليطلق النار على رأس الوالد المصاب، ظهر الطفل، كما ليكمل أحداث فيلم رعاة البقر، وليعِد بمفاجأة. قال بصوته الطفولي، فيما هو يصوّب بندقيته إلى القتلة: «لا، لن تفعلوا ذلك». لكن سرعان ما أتته الطلقة المفجّرة من بندقية الشاب المحترف تيتو، فألصقته بالجدار، كتلة شوهاء من لحم محترق.
ذلك الذي بدا كتفصيل في المواجهة المسلحة، السريعة، أخرج المشهد من حركته السينمائية طالما أن السينما لا تصل بالعنف إلى هذا الحدّ. قتل الأطفال محظّر في الأفلام، فكيف إن جرى حدوثه بهذا القدر من الوحشية، حتى قرّاء الروايات هالهم ذلك المشهد وقد تلقّى كاتبه باريكو كثيرا من النقد لخروجه عن التقليد الذي يحيّد الطفولة، عن أن يكونوا موضوعا للمشاهد المغالية في عنفها. لكن، مع ذلك، لن تتوقّف الرواية، بل لن يتوقف فصلها الأول ذاك، عند هذه الفظاعة، وها هي تقفز عنه إلى ملاحقة الطفلة المختبئة في الأسفل. كانت مستلقية في وضع الجنين حين أزاح الشاب القاتل الغطاء الذي يغطّي ذلك القبو. بدا أنه لا يعرف ماذا عليه أن يفعل. لكن لا لأكثر من لحظات أخرج في آخرها مشهد القتل، للمرة الثانية، من سينمائيته. كأن الطفلة، المتسائلة أكثر مما هي خائفة، أعادت إليه ذكرى قديمة تخصّه.
لقد أتوا للثأر إذن. كان كل منهم قد عرف عن قرب تلك الوحشية وتلقى إحدى ضرباتها. حتى الشاب القاتل كان مهجوسا بالطريقة التي صُفِّي فيها والده.
كان الحوار الذي جرى قبل المقتلة، بين جماعة المرسيدس ومانويل روكا، قد أربك التعريف التقليدي للقاتل والضحية. قال ساليناس، قائد جماعة المرسيدس، لذاك الأخير أن عليه أن يتلقى جزاء جرائمه، ثم عرفنا أن ما ارتكبه روكا هو القضاء على مرضى عقليين في المستشفى التي كان يتولى إدارتها. لقد أتوا للثأر إذن. كان كل منهم قد عرف عن قرب تلك الوحشية وتلقى إحدى ضرباتها. حتى الشاب القاتل كان مهجوسا بالطريقة التي صُفِّي فيها والده.
لكن ذلك العذر الذي أعطي للقتلة لم يختتم الرواية. هناك الفصل الثاني، والأخير، الذي أرجع وقائع ما كنا قرأناه ستين سنة على الأقل. سنتأخر قليلا حتى نعرف أن تلك السيدة التي تعبر الطريق محاذرة أن تغوص قدماها في مياه الأمطار هي طفلة القبو، وأن بائع اليانصيب السبعيني، الجالس في كشكه، هو الشاب القاتل تيتو. لقد تعقّبته، وها هي بعد كل هذه السنوات تقف أمامه وجها لوجه. في حوارهما الغريب الملغز يضعنا الروائي باريكو في مزيج من رواية الماضي كل والتساؤل عن مقصد السيدة بعد عثورها على من قتل أباها وأخاها. أما هو، تيتو، فقد غيّرته السنوات. بدا مذعنا وقابلا بأن يتلقى العقاب. وهي لا تعرف ماذا تريد، أو ربما كانت تتساءل، فيما هي تدعوه إلى أن يحتسيا كأسا معا، ثم فيما هي تدعوه، بل ترغمه، على أن يصاحبها إلى الفندق ليتضاجعا، لماذا جاءت إليه. ونحن، قراء الرواية، لا نعود نعرف في أي اتجاه يذهب بنا الكاتب. تبكيت الضمير والشعور القاتل بالذنب، حتى الرغبة بالموت يشمل الجميع هنا، قتلة وضحايا، كأنهم مشاركون بالسوية في ارتكاب الفظاعة.
*رواية أليساندرو باريكو «بلا دماء» نقلتها إلى العربية أماني فوزي حبشي لمنشورات الجمل ضامة إليها محاضرة كان ألقاها الكاتب عن «الواقع والحكي» الكتاب في 133 صفحة، سنة صدوره 2019.
٭ روائي لبناني