هل تجري مقايضة «منطقة آمنة» للنازحين السوريين على الحدود مقابل إخضاع إدلب للنظام؟

حجم الخط
0

أنطاكيا – «القدس العربي»: يبدو أن الرئيس التركي لم يسع لأكثر من»مهلة» أو تهدئة مؤقتة للعمليات في إدلب، في لقائه الأخير مع نظيره الروسي، بعد تأكيد موسكو تصميمها على مواصلة محاربة «الإرهابيين» في إدلب.
وعلى هامش لقاء الرئيسين في معرض «ماكس – 2019» للطيران والفضاء الدولي قرب موسكو، تفقد اردوغان قمرة القيادة لمقاتلة Su-57 من الجيل الخامس وعندما استفسر الرئيس التركي، خلال الجولة، عما إذا كانت الطائرة Su-57 متاحة بالفعل للشراء، أجاب بوتين مبتسما «يمكنك شراؤها» ، حسب ما نقلت وكالة بلومبيرغ للأنباء.
وربما كان هذا المشهد هو الأهم في حسابات وعلاقات الطرفين، من المشهد القاتم في إدلب، الذي أسهمت في رسم دمويته الطائرات الروسية نفسها في معرض ماكس 2019، اذ يرى محللون أن قضية إدلب «محسومة»، والخلاف يتعلق فقط حول «المهلة والتفاصيل»، وبينما تركز موسكو على إغراء أنقرة بصفقات عسكرية فإن أنقرة تحتاج دعمها في كسر العلاقة بين أمريكا والأكراد.

محللون: في لقاء بوتين – اردوغان إدلب قضية ثانوية

وفي هذا رأى أليكسي مالاشينكو، كبير المحللين في مجموعة أبحاث «حوار الحضارات» ومقرها برلين، في حديثه لشبكة «بلومبيرغ»، الإخبارية الأمريكية، أن «بوتين واردوغان يحاولان منع تصاعد الأزمة في إدلب، لأن لديهم مصالح مشتركة كثيرة بما في ذلك مبيعات الأسلحة…ومن المحتمل أن يكونوا قادرين على تجنب كابوس، لكن هذه مشكلة طويلة الأجل لن تختفي»، وأشار مراقبون إلى أن خيارات تركيا في سوريا محدودة، ووفقاً لتقديرات «آرون شتاين»، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية في واشنطن، فإن النظام السوري: «سيستمر في الالتفاف على كامل منطقة إدلب ولن يتوقف، فقد أدت اتفاقية «أستانة» إلى تأخير الأمور، لكن شروطها غير قابلة للتنفيذ، وسيتم استخدامها لتبرير ما سيحدث». حسب شتاين الذي علق بذلك على حسابه الشخصي .ووفقاً لمراقبين، فإن الروس لن يكبحوا قوات وميليشيات النظام، لكن العملية ستستمر ببطء، قضما تدريجيا، ولقاء بوتين اردوغان، الأخير، لم يضعف شهية الروس للحسم العسكري ولا نزوعهم نحو تمكين النظام من بسط سيطرته على المعقل الأخير للثوار في الشمال السوري.
وفي الوقت الذي تقترب فيه ميلشيات نظام الأسد، المدعومة من روسيا، من آخر معقل للمعارضة في البلاد، يبدو الطرفان التركي والروسي مهتمين بمحاولة إيجاد أرضية مشتركة حول «معضلة» إدلب قبل استضافة القادة الروس والإيرانيين في أنقرة في 16 أيلول/سبتمبر المقبل. ومن الواضح أن محرقة أطراف إدلب، في الأشهر الثلاثة الأخيرة، لم تضعف العلاقة بين تركيا وروسيا ولا أثرت في توثيق الارتباط العسكري بينهما.
وربما رأى القادة الأتراك، الاستعانة بدعم الروس للمواجهة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وقد يكون هذا، من منظورهم، أفضل طريقة لتعزيز مصالح بلادهم. ثم إن خيارات واشنطن للضغط على أنقرة في سوريا اصبحت محدودة، فقد كان للصراع السوري تأثير مدمر في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، وخاصة ما ارتبط بتسليح واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية.
فتركيا في استدارتها نحو الروس، منذ أربع سنوات تقريباً، أعادت ترتيب أولوياتها في سوريا، فقد خرجت من مسار تغيير النظام إلى مسار يركز على كسر الوفاق بين الولايات المتحدة والوحدات الكردية وضمان عدم تدفق النازحين مجدَداً، واحتاجت أنقرة، في كل هذا، إلى إسناد من الروس، وأخضعت دعمها لفصائل الثوار المقاتلين للأسد في الشمال السوري لهذه المصالح الجديدة، ولهذا، بدت إدلب في اللقاء الأخير بين بوتين واردوغان «قضية ثانوية» بعيدة قليلاً عن مركز الاهتمام التركي في سوريا، ولم تؤثر في سياسة الاعتماد المتبادل بينهما، لكن قضية النازحين تبدو أكثر ما يؤرق تركيا ومعها ملف تمكين اللاجئين من العودة إلى مناطق في الشمال.
ويشير محللون إلى ان ملف «التعامل مع الهجرة الجماعية للاجئين»، «هو التهديد الرئيسي الذي تشكله إدلب على تركيا» كما يقول المحلل الروسي، كيريل سيمينوف، في مقال نشره موقع «المونيتور»، ، ويضيف سيمينوف: «إذا قصفت الطائرات الحربية الروسية والسورية الأجزاء الجنوبية والشرقية من منطقة التصعيد (في محافظة إدلب)، فيمكنها دفع تدفق هائل من الناس تجاه الحدود التركية. فمن ناحية، من غير المجدي أن يدافع الثوار بشدة عن مدن الأشباح، ومن ناحية أخرى، فإن الهجرة الجماعية المحتملة للاجئين نحو تركيا تفرض الضغط على أنقرة».
وربما تفهمت موسكو أزمة تركيا مع اللاجئين ومخاوفها من موجات النزوح، فعرضت على تركيا، وفقاً لتقديرات بعض المحللين، منطقة عازلة للنازحين داخلياً مقابل إخضاع إدلب للنظام، كما قد تسمح روسيا بمنح المنطقة الحدودية وضعاً مشابهاً لمنطقة درع الفرات، وربما حتى بدون تسوية نهائية.
لكن الوفاق الروسي التركي كان يصب في مصلحة موسكو، لذلك اقتضى بعض التحفيز الروسي، فكانت العروض العسكرية، التي طغت على اللقاء، في مجال التعاون الدفاعي. وبالطبع، في مصالح الدول، ليس ثمة شيء مجاناً، كما علق الكاتب مكسيم سوشكوف، الباحث في المجلس الروسي للشؤون الدولية على حسابه في موقع «تويتر»، قائلاً: «(الآيس كريم)، هو الشيء الوحيد الذي حصل عليه اردوغان من بوتين مجاناً ولم يدفع ثمنه، وكل الأمور الأخرى إما أن يدفع ثمنها أو يُساوم عليها أو يتنازل عنها».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية