باريس: إن مسرحية «عمالقة الجبال» لمؤلفها الايطالي لويجي بيراندلو، بمثابة انتصار للخيال، وانتصار للشعر، مثلما هي، في نفس الوقت، تراجيدية الشعر، في وسط وحشية هذا العالم الحديث.
تتحدث المسرحية، عن شاعر ايطالي عجوز، يدعى «كوترون»، يقرر الانعزال مع عصابة من المتسولين تنضوي تحت اسم عائلة «لاسكاكونتي»، في فيلا خربة مهجورة، حيث يقرر أن يبني «مملكته»، في هذا المكان الذي سيصنعه من أحلام وتعاويذ سحرية، ويصعب على العالم اختراقها، ويمكن أن يطلق العنان فيه لخياله وينشر تعاويذه السحرية الشعرية مثلما يريد … وذلك لأن الشعر، وفقا له، قد فشل في هذا العالم، ولم يعد له مكان.
عند دخولنا صالة المسرح وببدء العرض، صرنا نتساءل: أين نحن على وجه التحديد؟! هل نحن في محطة ضخمة مهجورة، أم في قفار غامضة، على الرغم مما يبدو عليها من ترتيب؟!. وفقا للنص، أن ما نشاهده يدور في مدخل فيلا كبيرة، ضالة في عمق واد بعيد. لقد شاهدنا هنا، وفي هذا المكان، أن للدمى روحا، وللبشر مظهر الدمى. وإن لاسكاكونتي، عائلة محتالة على الرغم من العابها الصبيانية التي يقودها «كوترون»، زعيمهم في الشعوذة، الذي يفرض قواعد الحياة في «مملكتة»، متبعا أطروحة تقول: من أجل أن تعيش في هذه المملكة، عليك ان تفعل مثلما يفعل الأطفال عندما يخترعون قصصهم، ويقومون بتصديقها، لدرجة انهم يأخذون لعبهم، على محمل الجد. وفجأة، وعن طريق الصدفة، تصل فرقة مسرحية جوالة إلى هذا المكان، فرقة تبحث عن مسرح يمكن ان تقدم فيه عرضا مسرحيا كتبه شاعر شاب قد انتحر، وهنا، وفي مثل هذا الجو الغامض، تختلط الأمور، بحيث لم نعد نعرف من هو الممثل، في الواقع، ولم نعد نميز بينه وبين شخصه، ولم نعد نعرف بمن نؤمن أو نعتقد، وكيف يمكن ان نميزهم من بين لعبهم المسرحي وحياتهم الواقعية المعاشة؟!
وهناك في أعالي الجبال، مثلما يشير العرض، يعيش العمالقة، الذين قطعوا على انفسهم عهدا، أن يستخدموا قوتهم فقط في الأعمال الضخمة، مثل: الحفريات، والاساسات، وتحويل مجرى الأنهار، وشق الطرقات بين الجبال وهكذا يقترح المتسولون والممثلون أن يلعبوا لهؤلاء وحدهم. والسؤال الذي يمكن طرحه، هل يمكن أن يجتمع الشعر بالواقع، في مثل هذه المعادلة الخيالية والواقعية في آن واحد؟! ثم من هم هؤلاء العمالقة الذين تحمل المسرحية اسمهم؟! لا نعرف سوى انهم يجسدون الخطر، ويعيشون بعيدين عن متناول اليد، ويبنون عوالم مفرطة، ومخيفة، حيث لا يوجد فيها مكان للمسرح ولا لعروضه. ويتساءل مخرج العمل لوران لافارج، قائلا: هل هناك كابوس بالنسبة للممثلين أسوأ من كابوس عدم الاجتماع بجمهوره؟! هذه هي الفكرة القوية والرئيسية للمسرحية، وعنف آنيتها. إنها تنذر بعالم يكرس نفسه كليا للاقتصاد، والعلوم، والتكنولوجيا.
عالم يصبح فيه الفن غير مجدي. وهذا ما يهدد عالمنا اليوم، أو ربما غدا. وهنا يمكن طرح السؤال التالي: هل أن الانسان قد خلق حقا للفن؟! لم يقتصر بيراندلو على التنديد في النظام الفاشي في بلده، لدرجة انه أصبح غير مرغوب فيه، لعمق كتاباته التي كانت تحفر بالعمق بشكل كبير. إن نص «عمالقة الجبال» مكتوب بدرجة عالية من الدقة، فهو يحتوي على جمل وملاحظات محاطة بأقواس أكثر من الحوارات.
في هذا العمل الذي يعتبر الأخير بالنسبة لبيراندلو، والذي تقع احداثه بالقرب من مسقط رأسه، يعود بيراندلو من خلال التسامي، وبحنان غير متناهي، إلى الموضوعات الاساسية لأعماله الروائية والدراماتورجية، من اجل معرفة الحدود الغير مؤكدة بين الحقيقي والمتخيل، ومن العلاقة المعقدة التي يعقدها الفنانون مع العالم الذي يعيشون فيه ويوجهون له اعمالهم. بلا شك، أن حياة بيراندلو ليست بقصة مغامرات، لا سيما ان أكبر مصادرها الأصلية وفوائدها، متأتية من أعماله مباشرة وحداثتها. وقد ارتبطت شهرته بالثورة التي احدثها في الاشكال المسرحية، فهو يعتبر سيد «المسرح داخل المسرح»، الذي يروي فيه بحنان مفجع، عظمة وبؤس يوميات العمل المسرحي، ويعزز فيه الخيارات التي يقوم بها المسرح ومغامريه، كل مساء، من خلال عرض انفسهم، جسدا وروحا، الى الرغبة والرفض، وإلى الاستهجان أو مداعبات الجمهور. ومع ذلك فإن جزءا كبيرا من اعماله- مئتان وعشرون رواية وقصة قصيرة- استلهمت واخذت مصادرها، وبشكل قوي، من حياته الخاصة- زوجته اصيبت بالجنون- ومن اعماق «صقليته»، المخضبة في غموضه.
ويمكن أن نقول أن زواجه الفاشل، والعادات التقليدية، كانت شديدة، وإن لا معقولية الحياة الصقلية، قد بصموا فنه بشكل ابدي.
إن مسرحية «عمالقة الجبال»، تثير الكثير من التساؤلات حول وجود الشعر في العالم المعاصر، وحول العلاقات المعقدة بين الفنانين والعالم، وبين الواقع والخيال. وقد كتب بيراندلو رسالة إلى بنيامين كريميو مترجم كتابه، «صقلية القديمة»، يقول فيها: أنكم ترغبون ببعض الفقرات عن سيرتي الذاتية، وانني اشعر بالحرج حقا من عدم توفير ذلك لكم، وذلك لسبب بسيط جدا، هو انني يا صديقي العزيز، قد نسيت أن اعيش، نسيت إلى درجة عدم القدرة على قول أي شيء، وخاصة عن حياتي، ربما لأنني لم أعشها، بقدر ما كتبتها. ولكن إذا كنت تريد أن تعرف، شيئا عني، استطيع أن اجيبك، ولكن: «انتظر قليلا، يا عزيزي كريميو، حتى أطرح السؤال على شخصياتي!. ربما سوف يكون بمقدورها أن تمنحني بعض المعلومات عن نفسي. ولكن لا أنتظر منهما الشيء الكثير، لانها جميعها منطوية على نفسها، وغير اجتماعية».
أين يبدأ الواقع وأين ينتهي؟! أليس الواقع هو هذا الذي يريد أن يراه كل شخص فقط؟! كثيرة هي الاسئلة التي تطرحها اعمال بيراندلو المسرحية والروائية والقصصية، والتي نجدها تتصارع هنا في مسرحية «عمالقة الجبال.
لقد حاول الكاتب المسرحي لويجي بيراندلو، أن يجعل من هذا النص، الذي كتبه بعد حصوله على جائزة نوبل، والاعتراف به من قبل الجميع، الحامل النهائي لصوته، وانشغالاته الفلسفية والشعرية، والمعبر عن طعم اللعب وهو على حافة هاوية من الحزن دائما. ولكن الحياة لم تترك له الوقت الكافي لأن ينجز الفصل الاخير من المسرحية بنفسه، بسبب المرض، فأملاه على ابنه. ولقد استوفت هذه المسرحية جميع افكار والهام الكاتب في اعماله المبكرة، وإن كانت أقلها واقعية وأعمقها شعرا.
إن القصة بالنسبة للمخرج الفرنسي لوران لافارج، تدور في منظر مدني، حضري، وعلى أرض متصدعة، وخارج المدن العملاقة المحظورة على الفنانين، كما هو الحال الآن، عندما نطرد الاشخاص الذين بلا مأوى خارج مراكز المدن. ولهذا جعل المخرج قصة عرضه تدور في مكان يشبه الى حد كبير اماكن الانابيب التي تكون تحت الارض لأنها تجمع مياه مستعملة مسبقا، أو أماكن جمع النفايات التي يستثمرها «كوترون» مع متشرديه في العرض لبناء مملكتهم. أناس على الهامش، مثلما في فيلم « تود براون» «شخص غريب المنظر»، وممثلون أيضا، وشخصيات تشبه كثيرا شخصيات «مسرحية ست شخصيات تبحث عن مؤلف»، لبيراندلو.
ولكن المخرج لوران لافارج لم يشأ أن يضف فصلا بيراندليا، وأن يتطرق أو يعمل وفق شروط المسرح داخل مسرح، وبموجب الصدمات بين الواقع والوهم، بقدر ما حاول أن يجعل ممثليه يأخذون أدوارهم وأن يلعبوا بأجسادهم وأحشائهم، من أجل فهم التحديات التي تواجه عملهم، يقول «أردت استضافة الشعور بالضيق الذي نتعثر فيه كل يوم، والتضييق المفروض على الطموحات الفنية».
بلا شك أن لوران لافارج لا يفرح أو يحتفل بالتشاؤم، والبرهان يكمن في رغبته الشديدة في الذهاب إلى أبعد ما يكون في هذه التحفة الفنية التي تدعى «عمالقة الجبال»، دون تمويه أو اخفاء للفخاخ الموجودة فيها. فبعد أربعة عشر سنة من الاخراج في فرقته «الشمس الزرقاء»، يفترض انه قد اكتسب النضج الكافي لمواجهة الصعوبات والاسطورة.
محمد سيف