حذر أمين عام حزب التجمُّع الوحدوي اليمنيّ عبدالله عوبل من مآلات الحرب المستعرة في بلاده منذ أكثر من أربع سنوات، لاسيما بعد أن أتضحت أهدافها باعتبارها حرباً بالوكالة وتخدم أجندة خاصة وتستهدف تفتيت البلاد، وقال “إذا لم نتدارك خطورة التفتيت فإننا مقبلون على أوضاع صعبة للغاية” متهماً ما يُعرف بتحالف استعادة الشرعية الذي تقوده السعودية بالوقوف وراء إنشاء الميليشيات التي تشن حرباً على قوات الحكومة في الجنوب، وقال إن “الجنوب يتشظى ببركات التحالف الذي باشر بتنفيذ أجندته قبل توقف الحرب”، مؤكداً أن مخرجات مؤتمر الحوار والمصالحة الوطنية هي الضمان لتجاوز الحرب. وهنا نص الحوار:
*هل كانت اللحظة اليمنيّة الراهنة متوقعة؟
**كان واضحاً أن ثمة مسارين: الأول هو السير في طريق تنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل التي توافق عليها اليمنيون لأول مرة في التاريخ الحديث، والمسار الآخر هو طريق الحرب والعودة إلى سلطة قوى المجتمع التقليدية التي ترفض مخرجات مؤتمر الحوار، التي هي السبيل لتأسيس دولة مدنية حديثة. القوى المدنية الحديثة من تجار وطبقة وسطى ومحامين وقضاة وأساتذة جامعات وصحافيين وأطباء وشباب ونساء…الخ هم مَن انتصروا لمشروع الدولة المدنية، لكن القوة والنفوذ، للأسف، كانت لدى الطرف الآخر الحوثيون والرئيس السابق صالح مدعومون بقوى المجتمع التقليدي الذي يخشى التغيير. لذلك إجابة على سؤالك، فما يحدث الآن من حرب كان متوقعاً، وما لم يكن متوقعاً هو نطاقها الإقليمي وطول أمدها والوصول إلى حافة انهيار الدولة ومؤسساتها اقتصادياً في هذه اللحظة.
*ماذا تعني بأن نطاقها الإقليمي وطول أمدها لم يكن متوقعاً؟
**لم نتوقع تدخلاً إقليمياً واتجاه بوصلة الحرب للدفاع عن مصالح غير يمنية، فالحرب شهدت تدخلاً إقليمياً وصارت حرباً بالوكالة، وهذه الأطراف لديها أجندتها الخاصة التي اتضحت لاحقاً. هؤلاء لا يقاتلون من أجل اليمن. ومن هنا طال أمد الحرب وانعكست على وضع الدولة واقتصادها ومعاناة الناس.
انقلابات وحروب
* وما علاقة مراحل الحكم السابقة بهذه اللحظة؟
**لم تكن اللحظة اليمنيّة الراهنة مقطوعة الصلة بما سبقها من مراحل الحكم في اليمن منذ عام 1962. إن أهداف الثورة اليمنيّة ومهامها منذ ستينيات القرن الماضي، قد مرت بمنعطفات كثيرة ابتداءً بالحرب الجمهورية-الملكية 1962-1970 وما تلاها من انقلابات وحروب بين الشطرين، كلها كانت في نهاية المطاف تؤدي لتقوية القوى القبلية والدينية التقليدية ومنظومة قيمها السلبية، على حساب قوى التغيير المدني وبناء مؤسسات الدولة المدنية الحديثة وتحديث ثقافة المجتمع. كانت الدولة هي الطرف الأضعف بينما كانت القوة في مكان آخر، باستثناء فترة حكم الرئيس الشهيد ابراهيم الحمدي (1974-1977) التي اُجهضت من قِبل ذات القوى التقليدية وبدعم إقليمي لا تخطأه العين.
إن ضعف الدولة اليمنيّة من خلال تقوية قوى النفوذ التقليدية على حساب القوى المدنية الحديثة قد ساهم بالوصول إلى هذه النتيجة التي دمرت ما تبقى من صورة الدولة التي جرى تكوينها ببطء على مدى نصف قرن رغم تسلل النظم التقليدية خلال تلك الفترة إلى كل مفاصل المؤسسة الحكومية، ومع ذلك كانت لدينا دولة، وإن كانت بمؤسسات هشة وتعاني من ضعف في تطبيق القانون وفساد، إلى أن جاءت هذه الحرب لتُعيد اليمن إلى عصر ما قبل الدولة. إن ما يجري الآن في الوطن من حرب ودمار ما هي إلا نتيجة تراكمات التخلف والفساد في النظم السابقة التي حكمت اليمن شمالاً وجنوباً.
غياب التنمية
* هل أفهم أن الدولة ارتكبت خطأ جسيماً في علاقتها بمسؤولياتها تجاه الوطن والمستقبل في الشمال وفي الجنوب وفي عهد الوحدة؟
**الدولة اليمنيّة لم ترتكب خطأ، بل القيادات والنُخب، جميعاً، هي مَن ارتكبت الخطيئة في عدم الاتفاق الصادق والتوافق المسؤول على دولة مدنية حديثة ومشروع تنموي شامل ونظام مؤسسي متطور ينبثق من مشروع وطني جمهوري حقيقي، حيث ظلت الفرقة والفردية والمرحلية والمصالح الضيقة تعزز من الضبابية في الرؤية للمستقبل وتعيق ميلاد المشروع الوطني للدولة ككيان مؤسسي والتهيئة له من خلال التنازل والتسامح والقبول بالوطن بيتا للجميع وتجاوز العصبية والتنافس من خلال مراكز النفوذ التقليدية. في الجنوب كان النظام اليساري قد أضاع البوصلة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، فبقي من غير مشروع يتجاوز الانهيار الاقتصادي، وكان التفكير الأفضل هو الاتجاه لتوحيد اليمن والاستفادة من إمكانيات الدولتين في بناء مشروع وطني يؤسس لدولة مدنية حديثة، وفي الشمال توقف مشروع الرئيس ابراهيم الحمدي بعد اغتياله ليعود واقع السلطة إلى ترسيخ مواقع النفوذ والقوة التقليدية على حساب مؤسسات الدولة. كما كان للرئيس السابق صالح حساباته في تقوية سلطته على حساب المشروع الوطني لذلك شهدنا حرب 1994 وما تبعها من نهب وتسريح لضباط الجيش والأمن من الجنوبيين، وتلك كانت الضربة القاضية في ظهر المشروع الوطني والوحدة الوطنية المنشودة كمشروع وفرصة كنا نتطلع ألا تضيع.
كما أن الحرب المستعرة منذ 2015 قد فاقمت من مشكلات الجنوب، وأصبحنا أمام مشروع تفكيكي يعمّق التخلف ويزيد من بؤر الصراع. ما زال الجنوب متضرراً كثيراً من الحرب حتى بعد خروج الحوثيين. لقد تكاثرت فيه الميليشيات خارج سلطة الدولة وانتشرت الاغتيالات وتراجعت الخدمات بشكل أسوأ وظهرت مشاريع الانفصال وغيرها من المشاريع التي لا علاقة لها بوحدة اليمن وسيادة أراضيه كما أن ما هو موجود في مناطق الجنوب من تشكيلات مسلحة خارج سلطة الدولة يدل على أن الجنوب يتعرض لمرحلة من التفتيت قد تؤدي إلى واقع أسوأ مما كان عليه قبل الاستقلال.
الأحزاب
* من مفاجآت هذه الحرب كانت الأحزاب. كيف تقرأ انقسام معظم الأحزاب اليمنية المؤثرة بين أطراف الحرب وصمتها حتى الآن عن اتخاذ موقف وطني جريء لإيقاف الحرب وإنقاذ البلاد؟
**هذا الأمر ليس مفاجئاً، بعض الأحزاب السياسية اليمنيّة هي جزء من النظام السياسي، وهي الأخرى تعتمد في تمويلها على خزانة الدولة، وهي أيضا موزعة الولاء على مستوى الأقاليم، وهي في سلوكها هذا لا يمكن أن تكون مستقلة وقادرة على التأثير في مسار الأحداث، والواقع أن التأثير في هذه الحرب أمر يتعلق بالإقليم والقوى الدولية الكبرى.
انقسام معظم الأحزاب بين أطراف الصراع هو واقع ناتج عن انتشار الثقافة التقليدية بمنطق مصالحها وغياب الثقافة الوطنية بمنظومتها المدنية الحديثة، بدليل أن مفهوم الوطن ما زال مجزئا في الوعي العام. التقاليد الحزبية لا تكون فاعلة إلا في مجتمع ديمقراطي فيه حد أدنى من التنمية.
* وأين ذهب مشروع الدولة الوطنية المدنية الحديثة؟
**مشروع الدولة المدنية الحديثة ما زال مطروحاً على جدول أعمال السياسة في هذا البلد، لكن لكي يتحقق هذا المشروع يجب أن تتوفر شروط، أهمها أن تكون القوى الحاملة لهذا المشروع هي الحديثة، ولهذا فإن الأحزاب التقليدية ليست المؤهلة لقيادة هذا المشروع. يجب أن تتوقف هذه الحرب ويُعاد طرح مخرجات الحوار الوطني على جدول الأعمال، وتحقيق مصالحة وطنية والاتفاق على دولة اتحادية من أقاليم يتحقق حول تقسيمها إجماع وطني، وتجاوز آثار الحرب وما سببته من أحقاد وكراهية والعمل بروح وطنية والتعافي من جراح هذه الحرب. أما الأحزاب التي انقسمت على قوى الحرب فليست مؤهلة لقيادة مشروع الدولة المدنية. لقد صارت هذه الأحزاب ميليشياوية وأصبحت جزءاً من قوى الحرب وفقدت صفتها المدنية.
* هناك مَن يقول إن تماهي هذه الأحزاب في حسابات الحرب هو دليل على تأخر نضوج بيئتها. كيف تقرأ هذا المشكل؟
** وظيفة الأحزاب هي التنافس على مشاريع وطنية تخدم الناس، لذلك تضع الوصول إلى السلطة هدفا حيوياً وليس في ذلك ما يعيب. العيب هو الارتهان للأجندة الخارجية أو الانقسام حول القوى المتصارعة في الداخل بينما منطق الأحزاب مدني وطني وليس حربيا عسكريا. وفي كل الحالات فإن الرهان الآن هو على قوى المجتمع الحديث: المهندسون والأطباء وأساتذة الجامعات والصحافيون والمحامون وغيرهم وعلى تنظيمات مجتمعية فاعلة مثل النقابات والجمعيات المهنية وغيرها من أشكال التضامن المهني، هؤلاء يستطيعون أن يحدثوا فرقاً في مجال السياسة، وأن يحققوا التقدم نحو الدولة المنشودة، كما أن الاعتماد على الشباب والمرأة كقوة تغييرية ديمقراطية أمر مهم. لقد تغيّرت ظروف العصر مع التقدم التكنولوجي الهائل وتغيّرت معه منصات العمل السياسي وأشكال النضال الديمقراطي. الأحزاب لم تعدّ وسيلة عصرية للنضال.
الدولة الاتحادية
* تتعرض الوحدة اليمنية اليوم لأكبر تهديد، بل يمكن القول إنها لم تعد موجودة إلا شكلا. كيف ترون مستقبل اليمن الواحد؟
** الوحدة اليمنية بشكلها المركزي ضُربت في حرب صيف 1994 اليوم نحن أمام خيار الدولة الاتحادية باعتبارها تجاوزاً إيجابياً لما أفرزته نظم الحكم السابقة. مصدر الصراعات كلها كان غياب العدالة في توزيع الثروة والسلطة وتحقيق التنمية. اليوم نحن في حاجة إلى حل جذري يجنبنا العودة إلى الصراعات المسلحة. الدولة الاتحادية بالاتفاق على عدد الأقاليم هي الحل الأمثل لمشكلاتنا المعقدة. تقدم الدول الاتحادية نموذجاً في الحفاظ على وحدة الدولة.
* وأين تقفون في حزبكم من الحرب؟
**نحن وقفنا ضد الحرب منذ اليوم الأول وأصدرنا بيانات تندد بالحرب والانقلاب على مخرجات الحوار من قبل جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) وما زال موقفنا أن هذه الحرب عبثية ويحب العمل على إيقافها، وما زلنا ضد أي محاولات للانتقاص من السيادة الوطنية والتدخلات التي خرجت عن مسار استعادة الشرعية إلى إرباك الإدارات المحلية ووجود أجندة أخرى تزيد من الانقسام الداخلي وتؤدي إلى مزيد من التوترات. نحن مع حل سياسي لا يمس بوحدة البلاد ويحافظ على سيادتها، نحن مع المرجعيات الثلاث؛ وهي مخرجات الحوار والمبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن، ولكننا نشدد على المصالحة الوطنية وإنهاء آثار الحرب والتوجه لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني… ما لم فالبديل هو المشاريع الصغيرة.
الحرب الحالية كما نراها هي حرب في سياق مشروع يُعاد فيه تقسيم مناطق النفوذ في المنطقة والسيطرة على الثروات وطرق الملاحة الدولية واليمن دولة غنية بالثروات وموقعها الاستراتيجي مهم جداً. هذه الحرب ستتوقف فقط عندما يدرك اليمنيون المخاطر التي تحيق بهم، وأن الحرب الراهنة تستهدفهم جميعاً. الحرب تمضي إلى تفتيت البلاد ولن يكون الشمال كما كان ولا الجنوب. لدينا حكومة في صنعاء وحكومة في عدن وحكومة في مأرب وحكومة في المهرة وحكومة في حضرموت، إذا لم نتدارك خطورة التفتيت فإننا مقبلون على أوضاع صعبة للغاية.
* وماذا عما يجرى في عدن والجنوب في تقديرك إلى أين تسير الأوضاع هناك؟
**الجنوب ليس بأحسن حال من الشمال. الجنوب يتفكك أمام أعيننا ولن تقوم له قائمة إذا أصرّ البعض على الانفصال في وضع كهذا يهدد كياننا الاجتماعي.
المجلس الانتقالي
* وهل ما شهدته عدن منذ السابع من آب/أغسطس من أحداث سيطر خلالها ما يسمى ما يُعرف بالمجلس الانتقالي الجنوبي على عدن ومن ثم أبين، هي خطوة فيما تشير إليه بتفكيك الجنوب، وقبل ذلك كيف تقرأ ما يجري من قِبل ما يُعرف بقوات الأحزمة والنخب بهدف اخراج محافظات الجنوب من سيطرة قوات الحكومة الشرعية؟
**ما شهدته عدن منذ 7آب/أغسطس من سيطرة لقوات موالية للإمارات على عدن ثم أبين، هو استباق إماراتي لتأمين مصالحها في الاستيلاء على مناطق الثروة النفطية وتقاسم الكعكة الجنوبية لا علاقة للمجلس الانتقالي بقوات الأحزمة والنُخب، فهذه ميليشيات انشأتها الإمارات وتتلقى أوامرها من ضباط إماراتيين، وتصرف هي رواتبهم مباشرة، وليس عبر البنك المركزي اليمني أو عبر وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية، من هنا فالمجلس الانتقالي هو فقط عبارة عن واجهة وغطاء حينما تريد الإمارات استخدام القوة ضد قوات الشرعية.
إن استغلال قضية الجنوب ما هو إلا تغطية لتحقيق مصالح التحالف باستخدام شعارات عاطفية تدغدغ مشاعر الناس البسطاء وتوظف هذه المشاعر ضد الشمال وضد الشرعية. كما أن فساد الشرعية عامل إضافي لتزايد مناصري “الانتقالي”.
نعم؛ الجنوب يتفكك في ظل غياب مشروع وطني يجمع كل القوى السياسية اليمنية… لقد رأينا كيف نأت حضرموت بنفسها عن مغامرات مراهقي “الانتقالي”، وكذلك فعلت المهرة. إذاً فالجنوب يتشظى ببركات التحالف الذي باشر في تنفيذ أجندته قبل أن تتوقف الحرب. منذ أربع سنوات قلنا نحن في التجمع الوحدوي إن زراعة الميليشيات خارج القانون وفي مواجهة الأجهزة الرسمية أمر ينبئ بحروب لا تنتهي، وها هي النتيجة.
* لكن صدرت قرارات جمهورية بتعيين قيادات ما تُعرف بقوات الأحزمة والنُخب، كما كانت هذه القوات قبل الأحداث تمارس بعض المهام الرسمية في المدن الجنوبية؟
**صحيح تم تعيين قياداتها بقرارات رئاسية، لكن تحولوا لاحقاً إلى رأس حربة إماراتية ضد الشرعية. أما عن كونها كانت تتولى مهام رسمية فهذا غير صحيح. لقد استولت على النقاط العسكرية بالقوة وبمساعدة طيران التحالف.
الحكومة الشرعية فاسدة في كل مفاصلها، وتحتاج إلى إجراءات صارمة لوقف العبث بالمال العام والوظائف. لكن جنون “الانتقالي” وهوسه بالاستيلاء على السلطة يدفعه لارتكاب حماقات والتهور باستخدام القوة لتحقيق أجندة تتعلق بالسيطرة الإماراتية على المناطق البترولية لتعويض خسائرها في الحرب مع الحوثيين. إن المجلس الانتقالي يذهب بالناس إلى طريق معبد بالوهم. فليست دول التحالف هي المعنية بانفصال الجنوب، وهي التي لم تستطع أن تقنع مجلس الأمن في حرب 1994 بانفصال الجنوب، وهي اليوم غير قادرة على ذلك.
الإمارات تستخدم شعارات الانفصال لدغدغة مشاعر الناس في الجنوب والذين بسبب الفقر وممارسات النظام السابق أصبحوا يرون في الوحدة سبباً لتعاستهم. لكن الأجندة التي دفعت المجلس الانتقالي إلى الحرب لا علاقة لها بالقضية الجنوبية، بل يتم استخدام هذه القضية لأجندة تخص التحالف وحدة. نحن ضد هذه الحرب العبثية التي يتقاتل فيها الجنوبيون، وكلهم ضحايا مكر ودسائس التحالف الذي يقاتل بأبنائنا ويخوض حرباً بالوكالة ربما بين دولتي التحالف الإمارات والسعودية.