أزمة الساحل: فشل الحلول الأمنية والعسكرية والعالم يبحث عن أخرى

عبد الله مولود
حجم الخط
0

نواكشوط-“القدس العربي”: تعترف الجهات الدولية بفشل الحلول الأمنية والعسكرية سواء منها الجهات المتأثرة بالوضع الأمني المتفجر منذ سنوات عديدة في منطقة الساحل الأفريقي، أو المتورطة في حروب الساحل التي اتسع نطاقها؛ فلا حرب برخان الفرنسية أوقفت النزيف ولا القوات الأمريكية في النيجر بطائراتها المسيرة، تمكنت من إعادة الاستقرار، بل إن التدخلات العسكرية الخارجية زادت طين الأزمة بلة لكونها ساعدت الحركات الجهادية في تسويغ خطابها وتسهيل اكتتاب عناصرها.

وتتألف منطقة الساحل من عدّة بلدان أفريقية تمتد من غرب القارة إلى شرقها، انطلاقًا من داكار وصولًا إلى جيبوتي.

وتواجه هذه المنطقة تنامي التهديد الإرهابي والجريمة المنظمة؛ فثمة جماعات تابعة لتنظيم “القاعدة” تجتمع تحت راية جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهناك أخرى تابعة لتنظيم “داعش” مثل الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى. وتتنامى كلّ هذه الجماعات في منطقة الساحل وتنفّذ الكثير من الهجمات ضد القوات المالية والدولية كبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي.

جسر التواصل

 

وظلت المنطقة الساحلية الصحراوية الافريقية جسرا عريقا للتلاقي والتبادل بين الشعوب والثقافات والحضارات، وقنطرة ربط بين شمال القارة الافريقية ووسطها وجنوبها.

وتحولت هذه المنطقة من واحة أمن لساحة حرب تتداخل فيها الصراعات وتزلزل استقرارها التهديدات، ما جعلها بؤرة قلق وخوف لسكان المنطقة وللعالم المتأثر بتطاير شررها.

وأمام فشل الحلول الأمنية والعسكرية التي ابتلعت المليارات بدون أن تحل المشكلة، بات البحث عن حلول أخرى هاجس حكومات المنطقة والهيئات الدولية، ومجالا لدراسات وتحليلات المفكرين والمهتمين.

وشكل رؤساء دول موريتانيا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد المعرّضة للتهديد الإرهابي القوة المشتركة العابرة للحدود في قمتهم المنعقدة في باماكو يوم الثاني تموز/يوليو 2017؛ وتجسد هذه القوة التابعة لمجموعة دول الساحل، عزيمة الافارقة على تولي زمام الأمور وضمان أمنهم. بأنفسهم

تهديدات أمنية مزمنة

 

وتعاني المنطقة منذ عقود عدة، من تزايد أنشطة التهريب والجريمة المنظمة، بسبب عوامل عدة أبرزها ندرة الأنشطة البديلة التي تحقق لسكانها أرباحا كافية، أو ثراء سريعا مماثلا لما تحققه جماعات التهريب ويجده عدد من المسؤولين المتواطئين في بعض الدول، من أرباح خيالية مقابل التعاون مع تلك الجماعات أو التستر عليها.

وتعتبر تجارة الكوكايين من كولومبيا وبيرو وبوليفيا في أمريكا الجنوبية إلى أوروبا والشرق الأوسط مرورا بالساحل والصحراء، من أخطر الأنشطة التي تطورت بسرعة في العقد الأول من هذا القرن، حتى أضحت الأكثر ربحا من بين أنشطة الإتجار في المنطقة، وعند وصولها إلى الشواطئ الغربية لافريقيا تنقل عن طريق الجو أو بواسطة القوارب أو برا عبر الصحراء

ومن عوامل التهديد الأمني انتشار الأسلحة المتطورة والإتجار فيها، ومع الغموض الذي يلف الخريطة الكاملة لانتشار تلك الأسلحة، تقدر القيادة العسكرية الأمريكية في افريقيا “أفريكوم” أن عدد صواريخ أرض-جو أس. أي7 السوفييتية الصنع من تلك الأسلحة قد يرتفع إلى عشرين ألف صاروخ، بينما أعلن حلف شمال الأطلسي اختفاء قرابة عشرة آلاف صاروخ أرض-جو لم يتم التعرف على نوعيتها بالتحديد.

التهديد الأكبر

 

يتمثل التهديد الأكبر في أنشطة القاعدة والجماعات الشبيهة، إذ تشكل الجماعات الإرهابية أحد التهديدات الأمنية في المنطقة، فالوضع الجغرافي والسياسي والأمني المتوتر يعتبر بيئة مناسبة لنشاطها.

فمنذ أن ﺘﺤﻭلت الجماعة السلفية للدعوة والقتال (الجزائرية) إلى ﺘﻨﻅﻴﻡ القاعدة في المغرب ﺍﻹﺴﻼمي عام 2007 وهي تتوسع في المجال الصحراوي الواسع، لتنشق عنها أو تنضم إليها مجموعات أخرى، مما يجعل منطقة الساحل أمام فسيفساء تتداخل فيها الحركات الجهادية مع جماعات الجريمة المنظمة والتهريب، ويستفاد منها في توفير مصادر التمويل واختراق المنطقة.

الحلقة المفرغة

 

يؤكد المفكر الإسلامي والفاعل السياسي المغربي ​سعد الدين العثماني في دراسة نشرها عام 2014 تحت عنوان “منطقة الساحل والصحراء: التحديات والآفاق المستقبلية “أن هناك تحديات متشابكة ومتداخلة، يغذي بعضها بعضا إلى حد أنها تشكل حلقة مفرغة يجب العمل على كسرها أولا، قبل الانتقال إلى المواجهة الجزئية لكل تحد على حدة”.

ولعل أولوية الأولويات في علاج هذه الأزمة هو قطع الأموال الضخمة التي تعتمد عليها الجماعات المسلحة وأموال جماعات الجريمة المنظمة ومهربي البشر والمسؤولين المتواطئين والقبائل المستفيدة وغيرهم، لأن هذه الأموال تعيق برامج التنمية السياسية والاقتصادية في دول الساحل، ما يجعل هذه البلدان هشة أمام الهجمة الإرهابية.

مقاربات ثلاث

 

ويستخلص من الدراسات والتقارير التي تناولت أزمة الساحل ثلاث مقاربات لعلاجها هي الشمولية، وفك ارتباط الشباب بالجهاديين، وترسيخ الحوار السياسي الداخلي.

يقول العثماني “إن كثيرا من المقاربات لحل مشاكل الساحل والصحراء تغيب عنها الشمولية والاندماجية ويطغى عليها التركيز على الجانب الأمني والعسكري أو محاربة الإرهاب، مما يؤدي إلى توالي حالات الفشل في المعالجة بفعل تهميش الأبعاد الأخرى”.

ومن هنا، يضيف المفكر المغربي “فإن معالجة الوضعية تتطلب حلولا مستدامة وإجراءات متنوعة ومتكاملة، وعدم الانغلاق في البعد الأمني والعسكري والتوقف عن اعتبار باقي المجالات مجرد إسناد له”.

الحوار السياسي الداخلي

واقترحت ندوة حول سبل مكافحة التطرف نظمتها وزارة الشؤون الإسلامية في موريتانيا مؤخرا “فك ارتباط الشباب بالجماعات المسلحة والجريمة المنظمة، ودعم الحوار السياسي الداخلي في دول المنطقة، مع العمل لإيجاد حلول واقعية للمشاكل الناجمة عن سياسات التهميش والإقصاء وإيجاد حلول ناجعة للخصوصيات الثقافية والعرقية”.

وعن الاستغناء عن أنشطة التهريب، يؤكد العثماني “إنه مرتبط بمدى توفر مصادر دخل بديلة كافية للمواطنين، كما أن معالجة تداخل مصالح المسؤولين مع شبكات التهريب يقتضي تطوير نظام الحكامة (أو الحوكمة) والشفافية والمساءلة، وثقافة سيادة القانون والمؤسسات المنتخبة وتقوية الوجود الإداري للدولة وبناء القدرات في المجال القضائي”.

تحديات ومطبات

 

 رغم أهمية التنسيق العسكري والأمني وتشكيل قوة مكافحة الإرهاب الجديدة في منطقة الساحل والصحراء بهدف مواجهة انتشار وتمدد التنظيمات الإرهابية، توجد مطبات وتحديات تعترض جهود الحل منها كثرة التنظيمات الإرهابية، والتحالف مع القبائل، والتعاون مع عصابات الجريمة المنظمة، وسرعة تنقل المجموعات الإرهابية، والهشاشة الحدودية.

لقد استطاعت التنظيمات الجهادية المسلحة تشكيل تحالفات فيما بينها، على غرار التحالف الذي جمع كلاً من “إمارة منطقة الصحراء الكبرى” و”تنظيم المرابطون” و”جماعة أنصار الدين” و”جبهة تحرير ماسينا” في بداية اذار/مارس 2017 تحت اسم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” بقيادة إياد آغ غالي زعيم “جماعة أنصار الدين”.

واللافت في هذا السياق، هو أن هذا التحالف مكّن تلك التنظيمات من رفع مستوى التنسيق فيما بينها، بشكل سمح لها بتصعيد حدة عملياتها الإرهابية في نطاق جغرافي أوسع.

كما تمكنت التنظيمات الجهادية من إرساء شبكة تحالفات مع مجموعات قبلية وعرقية نافذة في المنطقة، خاصة تلك التي تتبنى توجهات جهادية تسعى من خلالها إلى تحقيق أهداف سياسية، مثل حركة “أنصار الدين” التي تنتمي إلى قبائل الطوارق، وحركة “تحرير ماسينا” التي تنتمى إلى مجموعة “الفولان” العرقية.

ومن دون شك، فإن هذه التحالفات تساعد تلك التنظيمات على ضم عناصر جديدة إليها وتوفير معاقل آمنة تستطيع من خلالها التخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية والتعامل مع أية أزمات طارئة.

وتتعاون التنظيمات الجهادية المسلحة مع عصابات الجريمة المنظمة لتوسيع نطاق مواردها المالية، وتصعيد مستوى نشاطها واستقطاب عناصر جديدة إليها.

بؤر التوتر الصغيرة

 

اتجهت الحركات الجهادية المسلحة لتكوين مجموعات إرهابية صغيرة تستخدم في الغالب أسلحة خفيفة على عكس التنظيمات الإرهابية التقليدية التي تستخدم الأسلحة الثقيلة، على غرار ما حدث في العراق وسوريا، وهو ما مكّن هذه المجموعات من التحرك والتنقل بين المناطق المختلفة وزاد من الصعوبات التي تواجه أجهزة الأمن والقوات الموجودة في تلك المنطقة والتي تسعى إلى رصدها.

ومن أبرز التحديات هشاشة المناطق الحدودية لدول الساحل التي مكنت التنظيمات من سرعة التمدد، مستغلة اتساع مساحة هذه الحدود وعدم القدرة على ضبطها ومراقبتها بشكل كامل.

الحل داخلي لا خارجي

 

يؤكد الأستاذ سعد الدين العثماني في معالجته “أنه أيا كانت أهمية الجهود الإقليمية والدولية، فستظل ضمن دائرة المصاحبة وفي إطار دور الوسيط أو الميسر، أما حل المشاكل في العمق وبكيفية مستدامة فلن يتحقق ما لم يأخذ أبناء المنطقة الأمور بأيديهم، وفق مقاربة تشاركية وتوافقية ومندمجة، هم من يقررون إجراءاتها وبالتالي هم من يجنون ثمارها”.

ويضيف “هناك حاجة ماسة إلى دراسات حول دور بعض القوى الإقليمية أو الدولية ذات المصالح والمستغلة لثروات المنطقة في التأثير على تنفيذ الاستراتيجيات الأفريقية والأممية لحل مشاكل المنطقة”.

ثم تساءل العثماني قائلا “ما هي تفاعلات تلك القوى مع الأطراف المؤثرة في الصراع؟ كيف يمكن تفادي تصعيد جديد في المنطقة؟ كيف يمكن تفادي تدخلات عسكرية أخرى بعد تدخلي فرنسا في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى؟”.

ضرورة تغيير الخطط

 

يقول بكاري صمب مدير معهد تمبكتو لدراسات السلام والخبير في الإرهاب لـ “القدس العربي”: “إن معالجة الوضع الأمني المتدهور في منطقة الساحل يتطلب تغييرا في الأساليب تبعا لتغيير الحركات الجهادية المسلحة لأسلوبها حيث أنها انتقلت من الجهاد الإيديولوجي إلى الجهاد الظرفي المصبوغ بالجريمة”.

وأضاف “هذا التغير يلزم الجميع بالنظر نظرة أخرى للإرهاب الإسلاموي”.

 وأضاف بكاري صمب “ما من شك في أن الحلول العسكرية لم تعط النتائج المرجوة منها، وكان على المجموعة الدولية أن تستفيد من الدرس الأفغاني الذي لقن للأمريكيين، وأن تعرف بكل بساطة أن بنادق الكلاشنكوف لا يمكن أن تنتصر وحدها على إيديولوجيا قائمة راسخة أو لا يمكن لقطع السلاح أن تحل مشكلات بنيوية تغذي تطرف الشباب المنضم لحركة بوكو حرام أو للدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى”.

وقال “لم يستطع الأمريكيون بعد خمس عشرة سنة قضوها في أفغانستان من دحر حركة طالبان التي قتلت الكثير منهم، ومع أن عملية “سرفال” الفرنسية قد خلصت من الشمال المالي من براثن الجهاديين عام 2013 إلا أن عملية “برخان التي تلتها توجد عاجزة اليوم عن دحر الجهاديين في الشمال المالي وفي تخوم النيجر”.

وجزم “بأن الإرهابيين يشهدون ازدهارا كبيرا في الساحل حيث تمكنوا من تنسيق عملياتهم وإن كانت بزخم أقل، بينما نشهد تشتتا للجهود الدولية وتعددا للشركاء الدوليين الناشطين في مكافحة الإرهاب بالساحل حيث أن ألمانيا بدأت تبحث عن دور أمامي متخلية عن تحفظها الذي طبع دورها في منطقة الساحل ومنطقة غرب افريقيا”.

الإرهاب يمد مخالبه

 

ما من شك في أن الإرهاب يتمدد ويتوسع سواء في مالي التي أصبح الإرهاب حدثا مركزيا فيها أو في المنطقة الساحلية برمتها؛ فقد تحول وسط جمهورية مالي إلى ساحة للتوترات التي تجاوزت حدتها التراب المالي إلى بوركينافاسو المجاورة.

إن كل هذا يجعلنا نجزم بأن الحل العسكري لم يجد نفعا في قمع دابر التهديد الإرهابي المستفحل ولا في تأمين بلدان المنطقة التي تعيش تحت ضغط الخوف والقلق.

 ويقول صمب “لقد تأكد أبا الوليد الصحراوي قائد الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى أنه مع انتهاء عملية “سرفال” العسكرية الفرنسية في مالي عام 2014 أن الاستراتيجيات الشاملة قد انتهت وأن التنسيق اللوجستي قد انتهى، وعلى أساس قناعته هذه اقترح إنشاء بؤر متعددة للبلبلة واستغلال الخلافات العرقية والنزاعات بين المجموعات المحلية عبر إضفاء الصبغة الإسلامية عليها. وهذا حسب ما يراه أبو الوليد، كاف لجذب التدخل الغربي في المنطقة الذي يتأسس عليه خطابنا المسموع لدى أوساط الشباب المعارض للتدخل الأجنبي في الشأن المحلي وبخاصة تدخلات أمم كافرة”.

معضلة الساحل الجديدة

 

لقد كان بالإمكان أن تكون القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل بديلا مناسبا عن الجيوش الغربية، فالسكان يقبلون بوجودها بينما يرفضون القوات التي يرفرف عليها العلمان الفرنسي والأمريكي، لكن هذه القوة لم تجد الوسائل المالية ولا التعاون لقيامها لأن الشركاء الغربيين لا يريدون لهذه القوة أن تحل محلهم لذا فقد أبقوا عليها مشلولة عن قصد.

 وهناك مسألة أكد عليها جميع المختصين وهي ضرورة إزالة التناقض بين الرؤيتين المحلية والدولية لحل الأزمة الأمنية في الساحل، بعد أن تأكد ميدانيا، فشل الحل العسكري.

 يقول الخبير صمب “أن الخطط والاستراتيجيات المقترحة لحل الأزمة الإرهابية في الساحل تفتقر لتحديد لأولويات: فهناك جدل قائم بين من ينظرون فقط للجانب الأمني وبين يفضلون مراجعة الأمور لتغيير خطط التدخل والبحث عن الأنسب فيها”.

 وأضاف “بينما ينشغل المهتمون بحل الأزمة في جدليات ترتيب الأولوية، نجد أن المجموعات الجهادية المسلحة قد راجعت خططها واتبعت منهجا واضحا هو استغلال جميع النزاعات والتوترات القائمة في المنطقة لصالحها وهذا ما حقق لها أمرين: الأول تعددية بؤر التوتر في المنطقة، والثاني الضغط على المجموعة الدولية”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية