جدل واسع في إسرائيل حول ماهية الاعتراف بهجماتها في المحيط العربي

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة-“القدس العربي”: رغم مرور نحو الأسبوع على تهديدات الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله بالثأر القريب من ضرب موقع حساس لحزبه في بيروت، ما زالت حالة ترقب وتوتر تسود منطقة الحدود الشمالية وسط مخاوف إقليمية ودولية من انفجار جديد على غرار حرب لبنان الثانية. فرنسا التي ترى نفسها كصاحبة نوع من الوصاية على لبنان حاول رئيسها إيمانويل ماكرون على طريقته المساهمة في نزع فتيل التوتر بالاتصال مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والتحدث معه. في بيان مقتضب اكتفى نتنياهو بالقول مجددا إن إسرائيل ستدافع عن نفسها من الاعتداءات التي تشن عليها وإنها ستمنع أعداءها الذين يبتغون تدميرها من التزود بأسلحة فتاكة. وحسب البيان كرر نتنياهو تهديداته مؤكدا على أن من يرعى العدوان والتسلح لن يتمتع بأي حصانة. وفي انتقاد مبطن لدول الغرب التي تحاول تسوية التوتر مع إيران تابع نتنياهو حديثه مع ماكرون “وعلى أن هذا هو التوقيت غير المناسب لإجراء مباحثات مع إيران في الوقت الذي تقوم به الأخيرة بزيادة وتيرة عدوانها في المنطقة”. نتنياهو الذي يخوض معركة صراع بقاء سياسي وشخصي عشية انتخابات عامة في 17 أيلول/سبتمبر الجاري تبدو الأخطر في مسيرته، يواصل الاعتراف بالتصريح والتلميح بضرب أهداف في البلدان العربية المحيطة وذلك بهدف تعزيز قوة الردع الخاصة بإسرائيل، كما يؤكد هو ومقربوه. غير أن عددا كبيرا من المحللين والمراقبين يشير لهدف غير معلن لدى نتنياهو في إتباع سياسة الإقرار والاعتراف الجديدة يتمثل في خلط الأمن بالسياسة ومحاولة كسب نقاط انتخابية في معركة فاصلة بالنسبة له.

في خطوة استثنائية كشفت إسرائيل لحكومة لبنان والعالم أن حزب الله “ينتج صواريخ دقيقة بناء على طلب من إيران”. ويعتبر المحلل للشؤون العسكرية يوسي يهوشع أن الكشف هذا يحمل تلميحا لنصر الله بضرورة إعادة النظر برده على عملية بيروت التي لم تقر بها إسرائيل رسميا، لافتا إلى تهديد نتنياهو لـ “حزب الله” باللغة العربية “دير بالك”. ويتابع “التهديد موجه في الواقع لكل لبنان بأنه سيدفع ثمنا باهظا في حال تسلح حزب الله بصواريخ متطورة دقيقة”. في المقابل يرى عدد كثير من المحللين والمراقبين المحليين أن نتنياهو “يلعب بالنار” وربما يورط إسرائيل في حرب هي في غنى عنها نتيجة سياسة الاعتراف والتباهي المعلنة من قبله بخلاف سياسة الضباب بعدم الاعتراف وعدم النفي التي انتهجتها إسرائيل بهذا المضمار طيلة عقود. ولذا يحذر المحلل العسكري البارز أليكس فيشمان من كثرة الجبهات وأشار لمقتل لبنانيين في سوريا وتفجير مخازن سلاح لخدمة إيران في العراق وفي بيروت تحلق طائرات مسيرة وسط محاولات تدخل روسية. ويخلص فيشمان للقول في مقال نشرته “يديعوت أحرونوت” أمس حول حالة الفوضى المتشابكة “في نطاق الأحداث المتسارعة بوتيرة مجنونة فإن أمرا واحدا واضح: عندما تدار معركة في عدة جبهات بالتزامن ويتم فيها اجتياز خطوط حمر فإن إسرائيل أيضا من شأنها أن تسدد الأثمان”.

تحذيرات

واعتبر المحلل العسكري في القناة 13 ألون بن دافيد، أن مهاجمة المصنع الذي قيل إنه مركز لتطوير وتحسين صواريخ  دقيقة هو الهجوم الأهم بين الهجمات الإسرائيلية المكثفة التي شهدها الشهر الأخير، في العراق وسوريا ولبنان. وقال إن “الهجوم المنسوب لإسرائيل في بيروت، قد يشكل نهاية 13 عاما من الهدوء عند الحدود الشمالية، ويقربها لأول مرة منذ سنوات، إلى خطر الحرب مقابل حزب الله”. وأوضح بن دافيد، في مقاله الأسبوعي في صحيفة “معاريف” أن من بين جميع الهجمات المنسوبة لإسرائيل في بداية الأسبوع الحالي، فإن القرار بإرسال طائرات مسيرة مفخخة إلى بيروت وتدمير جهاز نادر يملكه حزب الله، هو الأكثر دراماتيكية، ومؤشر على تغيير بالغ في السياسة الإسرائيلية بسبب امتناع إسرائيل، منذ انهاء حرب لبنان الثانية، عن شن هجمات في لبنان. وتابع هو الآخر على غرار زميله يوسي يهوشع أن “الجهة التي أرسلت الطائرتين المسيرتين من أجل مهاجمة جهاز تحسين دقة الصواريخ، أرادت أن تلمح لحزب الله أن فترة الحصانة في لبنان انتهت… وكذلك تقول للبنانيين إن إسرائيل لا تريد الحرب، ولكنها لن تتحمل إقامة مشروع كهذا في لبنان أيضا”. ويرى المحلل العسكري في صحيفة “يسرائيل هيوم” يوءاف ليمور، أن البيان الذي أصدره الجيش الإسرائيلي حول مشروع حزب الله لتحسين دقة الصواريخ، وتضمن أسماء ضباط إيرانيين ومسؤول في الحزب، ومواقع ووثائق “يدل على مدى عمق التغلغل الاستخباراتي الإسرائيلي في حزب الله ولدى الإيرانيين”.

عمل دعائي

 

ولفت ليمور إلى أن نشر بيان الجيش الإسرائيلي، والتسريب لصحيفة “التايمز” البريطانية الأربعاء المنصرم بأن إسرائيل استهدفت جهاز تحسين دقة الصواريخ “هما ذروة جهد إعلامي… يهدف إلى جعل النقاش العام والدولي يقتصر على مكانه الصحيح: ليس على العدوانية الإسرائيلية ورد فعل حزب الله الذي يأتي في أعقابها، وإنما على نشاط حزب الله السري الذي قد يقود الجانبين إلى حرب”. وأضاف ليمور أنه “في إسرائيل يأملون بأن هجمة المعلومات هذه ستلجم الانتقام الذي أقسم عليه الله حسن نصر الله ولكن بالأساس أن تجعله، هو وقائد قوة قدس، قاسم سليماني، يعيدان التفكير. فقد أوضحت إسرائيل، هذا الأسبوع، أن صواريخ دقيقة بحوزة حزب الله في لبنان هي خط أحمر وهي ليست مستعدة للمساومة بشأنه، حتى بثمن نشوب حرب”.

دراسات الأمن القومي

ويرجح ليمور أن نصر الله لن يجر حزب الله ولبنان إلى حرب، “لكن حزب الله وإيران لن يغيرا جلدهما، وتحدي الصواريخ، وثمن الحرب الناجمة عنه، سيستمر في مرافقة إسرائيل في المستقبل المنظور”. لكن التحفظات أو الانتقادات الموجهة لنتنياهو وحكومته بقي صوتها أعلى في الجانب الإسرائيلي غير الرسمي وذروتها بتقرير نشره “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، الذي يعتبر أهم معهد أبحاث إسرائيلي. وجاء في التقرير، الذي كتبه مدير المعهد ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق، عاموس يدلين، والباحث في المعهد أساف أوريون، وهو ضابط كبير سابق في شعبة التخطيط في الجيش، أنه “في النقطة الزمنية الحالية، يبدو أنه من أجل السماح باستمرار الرد الحازم والفعال على منظومة أذرع إيران القتالية، ينبغي تبريد الأمور قليلا والعودة إلى المبادئ التي تم اختبارها للعقيدة العسكرية الإسرائيلية (المعروفة بالمعركة بين حربين) حتى الآن، ودمج صحيح بين وتيرة العمليات، وخفض مستوى التصريحات والنشر، من خلال أخذ الشركاء والظروف الاستراتيجية بعين الاعتبار. ويرى التقرير وجوب ذلك، من أجل خدمة الغايات الأساسية للمعركة: إبعاد الحرب، منع التصعيد، ردع العدو من مهاجمة إسرائيل وإبطاء تعاظم قوته من أجل عرقلة زيادة خطورة التهديد. لافتا إلى أن الظروف والجبهات الجديدة تستوجب توازنا معقدا أكثر بين مخاطر المعركة وفرصها قياسا بالسنوات الأخيرة في سوريا. لقد بدأت مرحلة جديدة و”المعركة بين حربين” هي وصف إسرائيل للعمليات العسكرية التي نفذتها ضد سوريا، وموجهة في الأساس ضد إيران وحزب الله، بادعاء أن وجودهما ومحاولة إيران التموضع وإحضار ميليشيات موالية لها إلى سوريا، يشكل خطرا على إسرائيل.

العقيدة العسكرية

 

 ووسعت إسرائيل هذه العقيدة العسكرية لتمتد إلى العراق، من خلال التفجيرات التي وقعت، في الأسابيع الأخيرة، في معسكرات، بادعاء أن ميليشيات “الحشد الشعبي” الموالية لإيران، تخزن أسلحة وصواريخ فيها ويمكن أن تستخدم ضد إسرائيل. كذلك شملت العقيدة الإسرائيلية تفجير طائرتين مسيرتين في الضاحية الجنوبية لبيروت، استهدفتا آلة لتحسين دقة الصواريخ، حسب تسريبات إسرائيلية، وغارة على موقع لحزب الله في قرية عقربا في سوريا أسفرت عن مقتل عنصرين من الحزب وآخر إيراني. ورافق كل ذلك تصريحات أطلقها نتنياهو، بأن إسرائيل ستستهدف إيران وأذرعها في كل مكان، بما في ذلك العراق. ووصف تقرير المعهد هذا التطور بأنه “تغيير هام” وأضاف أنه على الرغم من أن هذا التطور لم يلق اهتماما في إسرائيل، بسبب عدم وجود تبعات سياسية وملموسة للقرار الإسرائيلي بهذا الخصوص، إلا أن المعهد حذر من أن هذا الوضع سيتغير. واعتبر يدلين وأوريون أن الهجوم في الضاحية الجنوبية لبيروت أهم بكثير من الهجمات في سوريا والعراق، لأن الرئيس ورئيس الحكومة اللبنانيين وصفا الهجوم بأنه “إعلان حرب” إلى جانب خطاب أمين عام حزب الله، الذي شدد على خطورة الهجوم في الضاحية، كونه يخرق “قواعد اللعبة” بعد حرب لبنان الثانية، بأن تمتنع إسرائيل عن شن هجمات ضد الحزب، وقتل عنصرين من الحزب في سوريا في الليلة نفسها. ولفت المعهد إلى أن المبدأ الأساسي في “المعركة بين حربين” منذ وضعها، هو الامتناع عن التصعيد وإدارة العمليات من دون أن تؤدي إلى حرب “وذلك بواسطة تقليص الشعور بوجود حاجة ملحة لدى العدو بالقيام برد فعل تصعيدي”. لكن تواصل الأحداث في العراق (أربعة تفجيرات) حرك رد فعل شعبي وسياسي، زاد التوتر بين الحكومة العراقية والقوات الأمريكية في العراق. ولأن تفاصيل المعلومات الاستخبارية والعسكرية التي كانت في أساس القرار الإسرائيلي لم تُنشر، فإن بالإمكان التكهن فقط أن القرار بتنفيذ جميع العمليات في الشهر الأخير، يعبر عن تفضيل ضربات متراكمة بوتيرة عالية، حتى بوجود خطورة أعلى بالتصعيد وهذا تجاوز في تاريخ المعركة بين حربين حتى الآن. وتماثل مع هذه الانتقادات وزيرا الأمن السابقان إيهود براك موشيه يعلون اللذين اتهما نتنياهو بالمقامرة بأمن إسرائيل لإنقاذ نفسه من السقوط السياسي ومن السجن على خلفية فضائح فساد. بين هذه وتلك من التحليلات تتواصل عملية حالة الترقب والتوتر في الجبهة الشمالية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية