عندما تتقاعد الدول من حرب عادلة، تنهض المنظمات. وقد فرغت إسرائيل من حروب الدول، وتفرغت لحروب المنظمات. وبينما كانت لسنوات طويلة تنتقي حروبها مع المنظمات واحدة بواحدة، فإنها، هذه المرة، قررت أن تعلن الحرب عليها جميعا في وقت واحد! ولماذا لا، وقد جربت ذلك مع الدول وكسبتها مرتين متتاليتين عندما حاربت على ثلاث جبهات في وقت واحد. علاقات إسرائيل مع الدول العربية الآن، تتراوح بين “سلام دائم” بقوة اتفاقيات ثنائية، في حالتي مصر وإسرائيل، وبين ما يمكن وصفه بأنه عقود عرفية غير مكتوبة، خصوصا مع دول الخليج الغنية بالنفط. وبين هذا وذاك تخضع العلاقات لاتفاقيات هدنة عملية يحرسها مراقبون دوليون، كما في حالتي سوريا ولبنان. في غير ذلك وعلى كل الجبهات المحيطة بإسرائيل والبعيدة عنها من شرق البحر المتوسط إلى باب المندب، تعمل في ساحة صراع مكشوف ضد منظمات مسلحة غير حكومية لها بأس شديد، مثل حزب الله في لبنان وسوريا وأنصار الله (الحوثيون) في اليمن (من خلال السعودية وباستخدام وجودها العسكري في باب المندب) وحماس والجهاد في غزة وفتح في الضفة.
في الأيام الماضية اشتعلت كل الجبهات فجأة، لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواجه انتخابات عامة في 17 أيلول/سبتمبر، وجد نفسه ينزلق إلى ركن ضيق مع تشديد الخناق عليه قانونا في قضايا فساد، ومع فشل سياساته في تشديد الحصار على إيران، ومحاولة إقناع العالم بشن حرب ضدها. للخروج من مأزقه، يبدو أنه قرر استخدام الحرب سلاحا للتعبئة السياسية المحلية، وأداة لزيادة حدة التوتر الإقليمي.
وقد أرفق نتنياهو حربه على المنظمات هذه المرة، بإعلان غير مسبوق في السياسة الإسرائيلية، عندما كشف النقاب رسميا، عن أن إسرائيل تقوم وستواصل العمل ضد إيران في أي مكان في العالم. وحسب تصريحه: “ليس لإيران حصانة في أي مكان. قواتنا تشن عمليات ضد العدوان الإيراني، وسوف نستمر في العمل ضدها، وضد وكلائها بإصرار ومسؤولية من أجل حماية أمن إسرائيل”. وكشف الغطاء عن أن إسرائيل تقوم بعمليات عسكرية كثيرة غير معلنة قائلا: “نعمل دائما، ليس فقط إذا لزم الأمر، في مناطق كثيرة، ضد دولة تريد إبادتنا. ولقد أطلقت أذرع الأجهزة الأمنية، وأصدرت توجيهاتي لها بفعل أي شيء ضروري لإحباط خطط إيران”. ومن أجل أن يمنح لتصريحه قدرا من القداسة الدينية ختم نتنياهو بنص من التلمود يقول: “إذا نهض أحد ليقتلك، فاقتله أولا”. في حربه الأخيرة لم ينتهك نتنياهو سيادة إيران، ولم يشن عملية عسكرية ضدها، لكنه انتهك سيادة لبنان وسوريا والعراق. نتنياهو لم يوجه خطابه بإعلان الحرب إلى خامنئي أو روحاني، أو الأسد أو عون، وإنما وجهه إلى قاسم سليماني وإلى حسن نصر الله.
إسرائيل لم تكف عن توجيه ضربات إلى سوريا على مدى السنوات السبع الماضية، ولم تكف عن اختراق المجال الجوي اللبناني، وشن عمليات محدودة ضد قواعد حزب الله بالقرب من مزارع شبعا وفي الجنوب، كما استخدمت المجال الجوي اللبناني في شن غاراتها داخل العمق السوري والعراقي. وهي تستعين على المنظمات بثلاثة أسلحة، الأول هو سكوت حكومات عربية عن انتهاك سيادة أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية، والثاني هو التفوق الساحق لسلاح الطيران الإسرائيلي، والثالث هو ضعف الدفاعات المضادة للطائرات في الدول المحيطة بها ولدى المنظمات.
غير أن الأشهر الأخيرة شهدت تطورا نوعيا في العمليات القتالية على الجانبين. إسرائيل تتوسع في استخدام الطائرات المسيرة (الدرون) سواء في أعمال التجسس وجمع المعلومات، أو في شن هجمات مسلحة. لكن الأخطر هو استخدام طائرات إف- 35 المعدلة إسرائيليا في شن هجمات قاتلة. وقد ساعد استخدام إسرائيل هذه الطائرات على التوغل في عمق العراق وسوريا، وشن هجمات بسهولة على مواقع عسكرية قرب حمص والقائم والموصل، بدون أن تسقط منها طائرة واحدة.
في مقابل تفوق إسرائيل الجوي الكاسح، فإن المنظمات المسلحة غير الحكومية، التي تواجهها في حروبها داخل المنطقة، منذ استقالت الدول العربية من المواجهة، استطاعت تطوير أسلحة قاتلة، بإمكانات محدودة جدا، أهمها الطائرات المسيرة والصواريخ. فالطائرات المسيرة (الدرونز) يتم تصنيعها بسهولة في ورش بسيطة أو حتى داخل البيوت، وفق تكنولوجيا تم اكتسابها من دراسة حطام طائرة مسيرة أمريكية أسقطتها الدفاعات الجوية داخل إيران عام 2011. ويمكن إرسال هذه الطائرات لاختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية، بكفاءة عالية. وقد أثبتت هذه الطائرات أيضا كفاءة عالية في حرب اليمن حتى الآن. كما اعترفت إسرائيل بخطورتها، وبصعوبة مواجهتها، إلى جانب ارتفاع تكلفة تصميم أنظمة دفاعية لتدميرها. ويتفق خبراء الدفاع في العالم على أن شن حملات متزامنة بالطائرات المسيرة، يعرض المناطق المستهدفة لأخطار بالغة، حيث يصعب مواجهة عدد كبير من الدرونز في الوقت نفسه، وهو ما يتضح من ضربات الحوثيين لأهداف في السعودية. ويعتقد بعض الخبراء أن الضربة التي وجهتها إسرائيل، في الأسبوع الماضي، إلى موقع عسكري في (تل الحارة) جنوب درعا بالقرب من الجولان، كانت بمثابة استجابة لإنذار استخباراتي مبكر، يفيد بأنه يتم تجهيز عدد من الطائرات المسيرة في هذا الموقع، بغرض إطلاقها في وقت واحد إلى داخل إسرائيل. لكن التنظيمات المسلحة العاملة في جنوب سوريا نفت تماما الرواية الإسرائيلية في هذا الخصوص.
القدرات العسكرية للمنظمات تشمل أيضا أنواعا من الصواريخ، يتراوح مداها بين عدة كيلومترات إلى أكثر من 100 كيلومتر، يتم تطويرها محليا بتكلفة بسيطة جدا، تستطيع اختراق الأجواء الإسرائيلية، والنفاذ إلى الداخل خلال دقائق قليلة، بما لا يكفي لأنظمة الدفاع المضادة، لتدميرها قبل الوصول إلى أهدافها. ويتم في العادة استخدام الكثير من هذه الصواريخ، من جانب حماس والجهاد الإسلامي في غزة، بينما يستخدم أنصار الله في اليمن صواريخ أبعد مدى. وتخشى إسرائيل أن يلجأ حزب الله إلى استخدام الصواريخ لتهديد مستوطناتها في الجليل، أو حتى الوصول إلى المدن والقواعد العسكرية والمنشآت الحيوية مثل محطات الكهرباء وخزانات النفط.
الخطر الرئيسي من وجهة نظر إسرائيل الآن هو أن المنظمات، وفي مقدمتها حزب الله، تقوم بتطوير صواريخ موجهة، دقيقة الإصابة عظيمة الكفاءة، اعتمادا على تكنولوجيا الـ “جي بي إس” وأجهزة “الريموت كنترول” العادية الرخيصة. هذه التكنولوجيا التي تتكلف حوالي 5000 دولار للصاروخ الواحد، تستخدم في تحويل صاروخ زلزال- 2 الإيراني إلى قوة صاعقة، يمكن أن تهدد قواعد الطيران والمراكز العسكرية في قلب إسرائيل. أيضا فإن القدرات العسكرية الصاروخية للمنظمات تتضمن صواريخ مضادة للدروع من طراز كورنيت الروسية، أثبتت فاعليتها في مواجهات سابقة في شل عمليات التوغل البري الإسرائيلي. وليس من المستبعد أيضا أن يكون لدى بعض المنظمات قوة بحرية تتألف من زوارق خفيفة سريعة مسلحة، وطوربيدات وألغام وغيرها، وقد ظهر ذلك بوضوح في حرب اليمن.
وعلى الرغم من التباين الشديد في مقومات القوة بين إسرائيل والمنظمات، إلا أن الحروب بين الطرفين مرشحة لأن تطول إلى سنوات مقبلة، بل ربما إلى عقود، ولن تنتصر فيها إسرائيل. هذه النوعية من الحروب، تختلف عن تلك التي تقوم بين الدول؛ فهي حروب بين وحدات سياسية لا يعترف بها القانون الدولي، على عكس الحروب بين الدول، وغير متساوية الإمكانيات. ومع ذلك فإن مثل هذه الحروب، تأسيسا على تجارب بريطانيا مع الجيش الجمهوري الإيرلندي، والولايات المتحدة مع القاعدة، وإسرائيل مع حزب الله ومع فتح وحماس، تثبت أن الدولة لا تنتصر ورجحان كفة المنظمات المسلحة غير الحكومية عليها.
وتحاول إسرائيل التغلب على مشكلة المكانة القانونية باستدعاء دول أو حكومات إلى المشهد، كما في حال المواجهة مع حماس، حيث تم استدعاء مصر كطرف يلعب دور الوسيط والضامن والمراقب لتنفيذ اتفاقات هدنة بين الطرفين الأصليين. وعلى الرغم من النجاح الذي أحرزته مصر حتى الآن، فإن استدعاءها لم يمنع وقوع مواجهات متكررة شديدة الحدة.
مرة أخرى، حرب إسرائيل ضد المنظمات لا نهاية لها، ولن تنتصر هي فيها. لكنها إذا أرادت وضع حد لها، فلابد من استدعاء قوى أخرى، دولية أو إقليمية، لكي تتوسط وتضمن وتراقب اتفاقات (طويلة أو قصيرة الأمد) لوقف الإشتباكات. ونظرا لأن الأطراف التي تواجهها إسرائيل ترتبط بإيران، فليس أمامها إلا البحث عن طريق آمن إلى طهران! لكن الطريق إلى طهران يمر عبر بوابتين، الأولى هي بوابة حقوق الشعب الفلسطيني، والثانية هي بوابة إقامة سلام عادل ومتوازن بين شعوب المنطقة.