فيلم «عربة اللذة» (1951) اقرب ما يكون للفيلم المثالي، فالمؤلف كان الكاتب تنسي وليامز، واخرج الفيلم المخرج ايليا كازان، اما البطولة فقد كانت للممثلة البريطانية فيفيان لي، وظهر في الفيلم ايضا عمالقة التمثيل في الولايات المتحدة الأمريكية مارلون براندو وكارل مولدن. ويعد الفيلم ايضا نقطة تحول في تاريخ السينما العالمية عامة، والأمريكية خاصة، فقد تناول موضوعا جديدا لم تتطرق إليه السينما من قبل، واعتمد على أفضل كوادر تلك الفترة في عالم السينما، بالإضافة إلى اتباع أسلوب جديد في الإخراج والتمثيل، إلى درجة أن الفيلم اعتبر ثورة في تطور صناعة السينما.
أحداث الفيلم
تدور أحداث الفيلم حول امرأة في الأربعينيات من العمر تدعى «بلانش دوبوا» (فيفيان لي) تصل إلى مدينة «نيو أورلينز» الأمريكية وتأخذ الترام (قطار يسير في شوارع المدن) يدعى «اللذة» إلى الحي الفرنسي حيث تقيم شقيقتها «ستيلا» (كم هنتر) مع زوجها «ستانلي كوالسكي» (مارلون براندو). والشقيقتان هما آخر من بقي من إحدى العوائل الثرية والراقية في الجنوب الأمريكي، إلا أن الدهر كان قاسيا معهما، حيث أفلست عائلتهما منذ فترة. وكانت «بلانش» في أسوأ حالاتها، فقد أصبحت معدمة ولم يبق أحد من أقاربها على قيد الحياة لينقذها من مأساتها، وكان شعورها باليأس يمزقها. وتكتشف بلانش أن شقيقتها تسكن في شقة من غرفة واحدة، ومتزوجة من رجل متوحش سيئ الخلق والتعليم ويعمل عاملا بسيطا. ويبرز الفرق بين تصرفات الزوج الفظة ورقة وأدب الشقيقتين منذ البداية، ما يثير عداءً واضحا بين الزوج والقادمة الجديدة، فاحتقارها له لتصرفاته السوقية وقلة تعليمه كان واضحا، مما زاد من حقده عليها ورغبته في إلحاق أقصى قدر من الأذى بها. ولكن نزوة أخرى أخذت تنمو في أعماقه وهي افتراس «بلانش» جنسيا، فأصبحت هدفا لرغباته القذرة. ويشك الزوج أن «بلانش» تخفي أموالا طائلة من إرثها، فتقوم هي بدورها بإطلاعه على وثائق رسمية لتثبت خطأ ظنه للكف عن مضايقته لها. ومع ذلك فإن الزوج يفتش حقائبها أمامها راميا بكل أوراقها على الأرض، وغير آبه ببكائها، بدون أن يعثر على مراده، فقد كان يريد مالها بأي شكل كان، حتى إن كان غير موجود في الحقيقة.
وتتغير حياة العائلة عندما تكتشف «ستيلا» أنها حامل، فأصبح هدف الزوجة الاستعداد لاستقبال الطفل. وتمضي الشهور وتلتقي بلانش خلالها بمتش (كارل مولدن) الرجل اللطيف والخجول الذي يعمل مع «ستانلي» (زوج شقيقتها) ويحصل إعجاب متبادل بين الاثنين وتظهر سعادة «بلانش» واضحة لظهور بصيص أمل لحياة مستقرة. وفي إحدى الليالي يلعب الزوج الورق مع زملائه في الشقة، ويثمل بشدة وتنتابه نوبة غضب هائجة حيث يضرب زوجته (شقيقة بلانش)، فتهرب مع «بلانش» إلى شقة أحد الجيران. وعندما يهدا الزوج يصيح بزوجته من خارج المبنى طالبا منها العودة، نجدها تعود بخنوع.
تحاول «بلانش» إقناع شقيقتها بترك زوجها بدون جدوى، ولكن الأخيرة تصر على البقاء، فهي تنتظر مولودا وستحتاج إلى زوجها. وفي هذه الأثناء تنتظر «بلانش» عرض الزواج من «متش» ولكن انتظارها يطول، فتبدا بالاستسلام للقلق الشديد والكحول، مما زاد من حالتها النفسية سوءا. وما أن يبدا «متش» باظهار جديته نحوها حتى يفقد الزوج صوابه، إذ أن هذا يعني تركها لمنزله وهو الذي لم يستطع أن ينالها بعد، ففجر مفاجاة باخبار «متش» بان بلانش مضطربة عقليا، وأنها قد طردت من عملها لممارستها الجنس مع أحد طلابها. ولم يستطع «متش» تحمل وقع هذه الصدمة، فانسحب بهدوء وألغى خططه تجاهها ما مثل كارثة لبلانش. وتقوم «ستيلا» بلوم زوجها لتحطيمه آمال «بلانش» ولكنه لم يبد أي ندم ويزداد صراخه وهيجانه، ولم يوقفه سوى شعور زوجته المفاجئ بأنها على وشك الولادة.
يواجه «متش» «بلانش» بما قاله «ستانلي»، وتضطر هي بعد تردد أن تقر بكل شيء متوسلةً إياه أن يغفر لها، ولكنه شعر بأنه خُدع وتألم لما حدث، فأنهى علاقتهما.
يواجه «متش» «بلانش» بما قاله «ستانلي»، وتضطر هي بعد تردد أن تقر بكل شيء متوسلةً إياه أن يغفر لها، ولكنه شعر بأنه خُدع وتألم لما حدث، فأنهى علاقتهما. وأثناء مكوث «ستيلا» في المستشفى للولادة يعود «ستانلي» إلى الشقة ويجد «بلانش» تجهز نفسها للانتقال إلى سكن آخر» فيثور وتحدث مواجهة جديدة بين الاثنين، ويحاول جاهدا إهانتها غير مبال بحالتها النفسية والمالية المزرية، وكل ما أظهرت هي تراجعا كان يزداد هو قسوة واستمتاعا بما يراه، وما أن يجد أن قواها قد خارت حتى ينجح في اغتصابها. وتنهار بلانش تماما وتصبح في حالة عصبية أقرب إلى الجنون، وفشلت محاولاتها لإخبار شقيقتها بجريمة «ستانلي» فستيلا ترفض تصديق كلمة واحدة ضد زوجها. وفي نهاية الفيلم نجد الشقيقتين يوضبان حقائب «بلانش» كي تذهب إلى مستشفى الأمراض العقلية، ويأتي الطبيب مع الممرضة لأخذها ولكنها تصاب بنوبة خوف منهما وترفض مصاحبتهما، ولكن الطبيب الماهر أنقذ الموقف بالتعامل معها بكل لطف واحترام، وكان لهذا تأثير ساحر على «بلانش» التي سرعان ما استجابت له قائلة «إنني أعتمد دائما على طيبة الغرباء». ويبدو الزوج سعيدا فقد حصل على كل ما أراده من «بلانش» ولا يبدو مهتما أن زوجته قد أخذت طفلهما وتركته. وتنتهي أحداث الفيلم هنا.
ملاحظات عن الفيلم
لم يحدث في تاريخ السينما الأمريكية أن عولج موضوع من هذا النوع من قبل، واعتبرت طريقة الإخراج والتمثيل ثورة في صناعة السينما. وعلى الرغم من العرض الرائع لمارلون براندو في الفيلم، فإنه كان قزما أمام الممثلة البريطانية فيفيان لي، التي كانت ببساطة ملكة الفيلم بأكمله، حيث أبهرت الجميع برقتها وضعفها الطاغي، وظهرت في كل مشهد تقريبا، على الرغم من أن تمثيلها كان مسرحيا أكثر مما هو سينمائيا. ونجحت فيفيان لي في تمثيل دور ابنة العائلة الراقية التي تعرضت للإفلاس والإهانة ولكنها ترفض الاعتراف بالواقع، وتستمر في الحياة وسط أحلام يقظة مؤلمة. وبرع أيضا المخرج إيليا كازان الذي حوّل مسرحية شهيرة إلى فيلم مليء بقسوة ترعب المشاهد ونجح في إظهار مشاعر الممثلين ببراعة، وجعل تطور أحداث الفيلم مثيرا وسلسا. ومما ساعد في قوة الفيلم كونه بالأبيض والأسود، حيث زاد ذلك من التأثير الدرامي للفيلم.
خلفية الفيلم
كان تنسي وليامز قد ذكر عام 1945 أنه قد بدأ بكتابة مسرحية عن فنانة موهوبة تفشل في حياتها المهنية وتلجأ إلى الدعارة، ولكن القصة تطورت حتى تحولت إلى قصة تتناول تأثير الانهيار المالي والعائلي على امرأة مسكينة تفشل في مواجهة الواقع الأليم وتقع فريسة لإنسان شرير ومتوحش. وأخرج المسرحية إيليا كازان نفسه عام 1947، وعندما أراد تحويل المسرحية إلى فيلم سينمائي كان ينوي استخدام الممثلين الرئيسيين في المسرحية، التي كانت البطلة الرئيسية فيها الممثلة الأمريكية جيسيكا تاندي، ولكن كازان غير رأيه واعتمد الممثلة البريطانية فيفيان لي لسببين، أولهما شهرتها الكبيرة، حيث إنها كانت بطلة الفيلم الشهير «ذهب مع الريح»، وثانيهما أنها سبق أن مثلت الشخصية نفسها عندما عرضت المسرحية في لندن بنجاح باهر.
تنسي وليامز وكتاباته
إذا قارنا شخصيات الفيلم بقصة حياة تنسي وليامز نفسه فسنكتشف تشابها غريبا بينه هو شخصيا و«بلانش»، فقد تعرض وليامز إلى أمراض نفسية قوية وانهيار عصبي كامل في حياته، ولذلك فإن «بلانش» كانت في الواقع تمثل وليامز نفسه في معاناته المستمرة في حياته. ولكن وليامز جعل الشخصية امرأة، وقد يكون السبب أن المشاهد يتعاطف مع امرأة أكثر مما يتعاطف مع رجل، خاصة إذا كان المعتدي هو رجل قاس. وأما شخصية الزوج فشبهها بشخصية والد وليامز المثير للدهشة، فقد كان والده سكيرا وشرسا واضطرت والدة وليامز أن تتركه بعد أن تحملته طويلا وكانت هي من ربت ورعت تنسي بحنان كبير، ما يجعلنا نلاحظ قرب شخصية «ستيلا» (شقيقة «بلانش») منها، وهذا يعني أن تنسي وليامز كتب المسرحية عن عائلــــته هو. ومن المعروف أن وليامز حرص على التعبير عن مشاكله وتجاربه الشخصية من خلال كتاباته، ولذلك فإن عوامــــل مشتركة ميزت إنتاجه الأدبي إلى درجة أن بعض قصصه كانت متشابهة جــــدا. ونال ولــــيامز جائزة «البوليتزر» الأدبية المعروفة مرتين، إحداهما عن مسرحية «عربة اللذة» والأخرى عن مسرحية «قطة على سطح صفيح ساخن».
لم يكن اختيار تنسي وليامز لمدينة «نيو أورلينز» كمكان لأحداث القصة مجرد صدفة حيث عرف وليامز المدينة جيدا نظرا لسكنه هناك لفترة في شقة تطل على شارع كان يسير فيه ترام يدعى «اللذة» لكون آخر محطة له كانت في شارع بالاسم نفسه. ولا غرابة أن تكون «بلانش» وشقيقتها من الجنوب الأمريكي، فقد كان وليامز نفسه من هناك وكان الجنوب عموما من السمات المشتركة في كتاباته.
كان نجاح الفيلم منقطع النظير وحصد أربع جوائز أوسكار، حيث كانت جائزة أفضل ممثلة رئيسية لفيفيان لي وجائزة أفضل ممثلة ثانوية لكم هنتر (شقيقتها في الفيلم) وجائزة أفضل ممثل ثانوي لكارل مولدن لدور متش. ولكن الغريب أن مارلون براندو والمخرج إيليا كازان لم يحصلا على أي جائزة أوسكار. وتعد هذه المرة الأولى التي يفوز فيلم واحد بثلاث من جوائز الأوسكار الأربع المخصصة للتمثيل. وقد أعيد تمثيل المسرحية على المسرح ثمانية مرات وأعيد تحويل القصة إلى فيلم سبع مرات. وقد مثل في هذه الأفلام مجموعة من أشهر الممثلين العالميين مثل آن مارغرت وجيسيكا تاندي وتريت وليامز. وانتجت ثلاثة افلام تلفزيونية مأخوذة عن الفيلم أيضا، وكان أشهرها عام 1995 من تمثيل أليك بولدوين وجيسيكا لانج، ولكنها لم ترق إلى مستوى الفيلم الأصلي. وتجاوزت القصة المجال السينمائي، حيث أنتج عنها عرض أوبرا وستة عروض للبالية.
٭ باحث ومؤرخ من العراق