ثائر الناشف
هكذا هو حال لبنان، الصغير في حجمه الكبير في مشكلاته، لا يكاد يهدأ ناسه من معمعة الحروب الكبري حتي يدخلوا في أتون الحروب الصغري، بكل ما تحتويه من اقتتال أهلي ومذهبي بغيض وتطاحن سياسي وإعلامي، لم يبق ولم يذر منه شيئاً.
بالأمس مرت ذكري الحرب الأهلية، وأفئدة اللبنانيين واجفة مشحونة بالرعب والهلع الشديدين خوفاً من تكرارها، وغداً تقترب الذكري الأولي لعدوان تموز (يوليو) الآثم، وأذهانهم مشتتة ومنقسمة علي أمرها وسط استقطاب سياسي ومذهبي، لا أحد يستطيع أن يقدّر مخاطره، ولا أن يتكهن بتداعياته الكارثية.
من هذا الموقع الخطير، يحتاج لبنان إلي من يضمد جراحه ويمنع نكأها ويهرع لإسعافه في حال تعرض لجروح جديدة، وهذا يستدعي الغوص في أعماق الأزمة التي يعيشها لبنان في هذه المرحلة بالذات من عمره السياسي، الذي نتمني أن يكون طويلاً، سيما وأنه كتب بدماء شهدائه الأوائل في ايار (مايو) عام 1916 وحتي آخر قافلة منهم عام 2007. التحدي الأكبر الذي يواجهه لبنان اليوم، يتمثل بثنائية المحكمة ذات الطابع الدولي، وحكومة الوحدة الوطنية، وما عدا ذلك فهي تحديات ثانوية، لا خوف منها علي مستقبل لبنان ومصيره. لب المشكلة هو كيف سيخرج من هاتين الثنائيتين معافيً سليماً بدون أي جروح أو مطبات؟
مخرج لبنان الوحيد، بتآزر أهله وجيرانه من حوله، ونقصد سورية بالدرجة الأولي، إلي جانب مؤازرة الدول العربية والأجنبية علي حد سواء، فالمخرج السليم من هذا النفق المسدود، في أن يكون لبنان للبنانيين فقط، ومعناه أن يتنحي الفرقاء اللبنانيون جانباً من تحالفاتهم السياسية، مع الشرق إيران والغرب فرنسا وأمريكا، هنا يصبح لبنان (وطناً) كما قال النائب جورج عدوان في إحدي جلسات البرلمان المقفلة أبوابه بمفاتيح الرفض الحديدي، وهناك مخرج آخر يعيدنا إلي أربعينات القرن الماضي، تاريخ استقلال لبنان، فإمّا أن يختار العلاقة مع فرنسا أو مع سورية؟ لكن الخيار الأمثل وقتها، اختيار لبنان، وهو ما كشف عنه النائب سمير فرنجية.
وبالنسبة لتآزر الجيران، وكنّا عنينا سورية علي وجه التحديد، لأنها الأكثر انتفاعاً من لبنان في استقراره أو اضطرابه، ولا أحد قادر علي نسيان جميع الأدوار التي لعبتها في لبنان بسلبها وإيجابيها، فهي كما أخذت منه أعطته، أي أنها لم تعطه أكثر مما كان يريد، ولم تأخذ منه ما يحتاجه، هذا ما قاله اللواء غازي كنعان حرفياً لإذاعة صوت لبنان قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة (نحن أخذنا وأعطينا). يتساءل البعض: لماذا نخص سورية فيما يتعلق بمشاكل لبنان؟ أليس للبنان جيران آخرون غيرها كالأردن وإسرائيل؟ هذا صحيح في جزء منه، أما الصحيح في كله، أن الترابط الوثيق في القضايا بين لبنان وسورية، يصعب علي أي خبير سياسي أو ديبلوماسي فصلها عن بعضها البعض، ويسرنا أن نسمع وزير الخارجية السوري وليد المعلم، يقول علي فضائية (anb)، أن سورية جسر لبنان الوحيد ولبنان بوابة سورية تجاه العالم والغرب.
واللافت أيضاً عندما اعتبر المعلم أن الديمقراطية في لبنان، لا تقوم علي حكم الأكثرية، إنما علي الوفاق والتوافق الوطني، ولا يحق لطائفة أن تلغي الطائفة الأخري، السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا يتجاوز حزب الله هذه القاعدة؟ إلاّ إذا كان يعتبر نفسه الاستثناء الوطني، الذي يحق له ولطائفته ما لا يحق لغيره؟
في هذا السياق، يظل الموقف السوري من قضية سلاح الحزب أكثر غموضاً ومراوغة، فعندما سُئل المعلم، لماذا لم تفتح جبهة الجولان السوري مع إسرائيل حتي الآن، أسوةً بجبهة الجنوب اللبناني؟ أجاب باقتضاب: في سورية توجد دولة تقرر دخول الحرب أو السلم، أمّا لبنان فلم تكن توجد فيه دولة، لذلك قالت المقاومة كلمتها في وجه إسرائيل. أيعقل أن لا يوجد في لبنان دولة ومؤسسات وبرلمان؟ ماذا يوجد إذاً؟ بل ماذا فعلت سورية طيلة سنوات وجودها في لبنان؟ ألم يعترف الرئيس اللبناني إميل لحود، وهو من أشد أصدقائها بفضلها في تمكين قيام الدولة اللبنانية؟ اللهم إلاّ إذا كانت تعتبر أن سلاح الحزب ينتهي مفعوله بقيام الدولة القائمة أصلاً!
آخر الكلام، الحال من بعضه، بالنسبة للبلدين، لأنّ مخارج الأزمة في لبنان بات معروفاً أين تقبع مفاتيحها، بالمقابل فإن حالات القلق والارتباك في سورية معروف أيضاً مصدرها.
ہكاتب سوري من بيروت8