بيروت – «القدس العربي»: بعد الانتعاش الاقتصادي الذي تحقق في لبنان في شهر آذار/مارس 2014 والذي ترافق مع تأليف حكومة المصلحة الوطنية برئاسة الرئيس تمام سلام، فإن النشاط الاقتصادي عاد الى التراجع منذ فشل مجلس النواب في انتخاب رئيس للجمهورية ومنذ عودة التوتر الأمني الى الساحة اللبنانية من بوابة عرسال. وبحسب التوقعات فإن أي مؤشرات ايجابية مستبعدة في المستقبل القريب طالما لم تحدث صدمات سياسية وأمنية تتمثل أولاً بإنتخاب رئيس جديد للجمهورية ومن ثم إجراء الانتخابات النيابية وثانياً بوقف تداعيات الأزمة السورية على الوضع في لبنان.
وإذا كان قرار رفع الحظر عن سفر الرعايا الخليجيين الى لبنان أعطى بعض الأمل في تحسن الوضع السياحي في لبنان، إلا أن السياحة تلقت ضربات متتالية منذ بدء مسلسل التفجيرات الانتحارية المتنقلة من الضاحية الى طرابلس الى ضهر البيدر وصولاً الى التفجير الذي وقع في أحد فنادق الروشة والمداهمات التي شملت عدداً من الفنادق اضافة الى استهداف مناطق البقاع بصواريخ من الجانب السوري والتي توّجت في عز الحركة السياحية مطلع شهر آب/اغسطس بإندلاع الاشتباكات في عرسال بين الجيش اللبناني ومجموعات «داعش» و»جبهة النصرة « الأمر الذي أدى الى إحجام كثيرين عن السفر الى لبنان حيطة وحذراً رغم الخطة التي أطلقها وزير السياحة ميشال فرعون تحت عنوان « Live Love Lebanon». وبحسب وزير السياحة فإن « 30 ألف مسافر سجّل المطار حركتهم يومياً ما يدفعنا الى ضرورة البدء بالتخطيط لتوسيع المطار أو لإنشاء مطار آخر»، مقدراً «ما تقوم بها وزارتا الداخلية والأشغال ومديرية الطيران المدني من إجراءات في هذه الفترة التي تشهد ضغطاً استثنائياً». وأكد فرعون أن «أشهر حزيران/يونيو وتموز/يوليو وآب/اغسطس شهدت زيادة بنسبة أكثر من 25 في المئة من الوافدين بالمقارنة مع العام الماضي، ما يعني أننا أمام مشكلة إيجابية تستوجب الاهتمام بها والتركيز على أهمية مبادرة الحكومة الى إجراء إصلاحات في مجالات مختلفة، ومن بينها المطار».
ويمكن القول إن الاقتصاد في لبنان بات يسير على وقع مشكلة النازحين السوريين الذين تجاوز عددهم المليون و300 الف نازح أي أكثر من ثلث الشعب اللبناني ولما لذلك من انعكاسات سلبية على الأوضاع الاجتماعية والصحية والتربوية وسوق العمل والبنية التحتية. أما العوامل السياسية والأمنية المرافقة للوضع اللبناني فهي تجعل اقتصاد البلد يعيش صعوداً وهبوطاً وهذا ما كان عليه الحال في الأشهر القليلة الماضية من هذا العام وحتى عودة الرئيس سعد الحريري الى بيروت حاملاً معه الهبة السعودية بقيمة مليار دولار للجيش والقوى الأمنية.
وفي تقرير وزّعه صندوق النقد الدولي اخيراً حديث عن الأخطار السلبية التي تشمل المزيد من الضعف في المالية العامة وهذا يعني التأخير في تنفيذ الاصلاحات الهيكلية وارفاع أسعار الفائدة، ويعني استمرار الدين العام ليشكل نحو 150 في المئة من الناتج القومي. والقى تقرير الصندوق الضوء على العجز المتراكم في الكهرباء حيث لفت الى ان العجز يصل حالياً الى نحو 3100 مليار ليرة في السنة، وبالتالي من المفروض تخفيف هذا العجز من طريق تعديل التعرفة الكهربائية ومكافحة مكامن الهدر التي تصل في بعض المناطق الى نحو 50 في المئة.
أما الوضع العقاري فسجّل جموداً مع انخفاض عدد المعاملات العقارية وتراجع قيمة المعاملات العقارية، وتراجعت حركة الاستثمارات الخارجية واقتصرت على عمليات محلية تتم عبر اللبنانيين المغتربين والذين يلجأون الى التملك في لبنان.
وفي ما يتعلق بالمؤشرات المالية، فقد شهد عام 2014 تصعيداً في الحركة النقابية والمطلبية مع سلسلة اضرابات دعت اليها هيئة التنسيق النقابية لإقرار سلسلة الرتب والرواتب بنسبة 121 في المئة في وقت يستمر لبنان من دون موازنة منذ العام 2005 بحيث يتم الانفاق منذ تلك السنة على قاعدة الإثني عشرية مع مستويات مقلقة للعجز في المالية العامة التي ستقارب 7700 مليار ليرة. لكن على الرغم من ذلك مازالت الليرة اللبنانية مستقرة نتيجة احتياطات مصرف لبنان المركزي وسياسة الحاكم المركزي رياض سلامة. وأمام لبنان استحقاق مالي في شهر تشرين الثاني/نوفمبر يتمثّل بإستحقاق موعد سندات اليوروبوند في وقت يؤكد وزير المال علي حسن خليل عدم استعداده لدفع أي مبالغ مالية من دون صدور قانون خاص من مجلس النواب وهو ما يصطدم برفض قوى 14 آذار التشريع قبل انتخاب رئيس الجمهورية. وقد دقّ وزير المال ناقوس الخطر في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، ولفت الى صعوبة تمويل عجز الموازنة في غياب موازنة عامة وإصدار تشريع يسمح للمالية بإصدار جديد لسندات «اليوروبوند». وكذلك كان كلام مشابه لرئيس الحكومة تمام سلام الذي أكد «أن الوضع المالي لا يقل أهمية وخطورة عن الأوضاع الأمنية».
في غضون ذلك، يتخوف خبراء اقتصاديون في لبنان من أن تسفر الأوضاع الاقتصادية عن خفض التصنيف الإئتماني للدولة اللبنانية وما يترك ذلك من انعكاس على القطاع المصرفي الذي يعتبر الممول الرئيسي للديون السيادية مما قد يؤدي الى اضطرار الدولة الى رفع معدلات الفوائد للمرحلة المقبلة. وكان تصنيف لبنان تراجع 10 درجات مقارنة بالعام المنصرم، في تصنيف تقرير «التنافسية العالمية» الذي أصدره «المنتدى الاقتصادي العالمي»، اذ تقهقر من المرتبة الـ103 بين 144 إقتصاداً في التقرير السابق إلى المركز الـ113 بين 144 دولة.
ويبدي الخبير غازي وزني أسفه لكون «عام 2014 لم يشهد تقدماً على صعيد ملف النفط والغاز « الذي يعوّل عليه اللبنانيون لتحقيق نهضة اقتصادية ومــالـــية بسبب الخلافات بين القوى السياسية، وأشار الى «ان تأجيل عمليات المناقصة لهذا القطاع له تبعات متعددة ان على صعيد صورة لبنان الخارجية واستياء الشركات النفطية العملاقة وان على صعيد إمكان اسرائيل الإستيلاء على جزء من الحقول اللبنانية».
سعد الياس