لندن ـ «القدس العربي»: رغم ان آخر استطلاع للرأي أظهر الجمعة تحولا في التأييد لإستقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة قبل الاستفتاء الذي سوف يجرى الخميس المقبل بشأن الإستقلال، الا ان المخاوف السياسية والاقتصادية في انكلترا خاصة وحول العالم عامة، ما زالت تلقي بظلالها على الــرأي العام البريطاني والعالمي.
وأظهر الإستطلاع الذي شمل 1300 شخص، والذي أجرته مؤسسة «يوغوف» لصالح صحيفتي «تايمز» و»صنداي»، أن 52٪ من السكان ضد إنهاء الإتحاد مع بقية المملكة المتحدة مقابل تأييد 48 ٪ لإنهاء الاتحاد.
وكان استطلاع سابق للشركة، نشر يوم الأحد الماضي، قد أشار الى أن نسبة المؤيدين للاستقلال تبلغ 51 ٪ ونسبة المعارضين له تبلغ 49٪ .
وقال بيتر كيلنر رئيس مؤسسة «يوغوف» إن الاستفتاء يظهر أول مرة تقدم الحملة المؤيدة للاتحاد منذ أوائل آب/أغسطس الماضي، وعزا التغيير إلى الحملات التي قام بها رئيس الوزراء العمالي السابق غوردون براون والذي حذر من أن الاستقلال سينعكس سلبا على الوظائف والأوضاع المالية للأسر.
عواقب اقتصادية
وهدد العملاق المصرفي «رويال بنك اوف اسكتلاند» أو البنك الملكي الاسكتلندي بنقل مقره الى انكلترا اذا استقلت اسكتلندا وذلك في تصعيد جديد للمؤسسات الكبرى في عالم الأعمال البريطاني ضد هذه الخطوة المحتملة، في حين حذر صندوق النقد من مغبة فوز المعسكر الداعي الى الإستقلال.
وقبل اسبوع من الإستفتاء التاريخي في اسكتلندا على البقاء داخل المملكة المتحدة أو الإنفصال عنها حذرت الشركات الكبرى بشدة من مخاطر قطع هذا التحالف الذي يعود الى اكثر من 300 عام.
فقد ضاعفت هذه المجموعات الجهود لتحذير الناخبين الاسكتلنديين من العواقب الاقتصادية غير الواضحة لانفصالهم عن بريطانيا وذلك منذ نشر نتائج استطلاع للرأي يظهر ميلا في نوايا التصويت لصالح دعاة الإستقلال.
وحذر صندوق النقد الدولى من التصويت لصالح استقلال اسكتلندا في الأسبوع المقبل، مشيرا إلى أن ذلك من شأنه يؤدي إلى «وضع ضريبي ومالي ونقدي جديد ومختلف». وقال المتحدث باسم الصندوق وليام موراي إنه نتيجة لذلك، قد تواجه المملكة المتحدة حالة من عدم الاستقرار. مضيفا أن «عدم اليقين يمكن أن يؤدي إلى ردود فعل سلبية على السوق على المدى القصير» ورفض المتحدث التكهن بآثار هذه الخطوة في الأسواق على المدى الطويل. وأضاف أن صندوق النقد الدولي لا يتخذ أي موقف إزاء مسألة الاستفتاء السياسية في اسكتلندا.
مزيد من الاستقلالية
وأعلن وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن، أن الحكومة ستضع خططا في الأيام المقبلة لمنح اسكتلندا مزيدا من الاستقلالية في مجالات الضرائب والإنفاق والرعاية الاجتماعية إذا رفضت الانفصال في الاستفتاء المقرر في 18 الشهر الجاري.
ويشكل نظام الضمان الاجتماعي، الذي يتمسك به البريطانيون، رهانا كبيرا في الإستفتاء المرتقب في اسكتلندا، إذ أن مؤيدي الاستقلال يريدون حمايته من رغبة لندن في «خصخصته» وهو ما نفته لندن نفيا قاطعا.
وإذا صوتت اسكتلندا لصالح الإنفصال فسيعقب ذلك مفاوضات مع لندن بخصوص مسائل من بينها العملة والدين العام ونفط بحر الشمال ومصير قاعدة الغواصات النووية البريطانية في اسكتلندا وذلك قبل الموعد المقرر لسريان الاستقلال في 24 آذار/مارس 2016.
وسيثير أي تصـــويت مؤيــــد لانفصال اسكتلندا عن بريطــانيا تســـاؤلات حول وضع بريطانيا على الساحة العالمية، وقد يؤدي إلى ضغوط على كاميرون تدفعه للإستقالة.
العضوية في مجلس الامن
وحذر رئيس وزراء بريطانيا الأسبق جون ميجور من أن المملكة المتحدة قد تكون مضطرة لترك مقعدها في مجلس الأمن في الأمم المتحدة، إذا ما جاءت نتيجة الإستفتاء مؤيدة لاستقـــلال اسكتلندا، وقال «سوف نفقد مقعدنا على الطاولة الأعلى في الأمم المتحدة».
ويبذل الدبلوماسيون البريطانيون جهودا لتوضيح أن استقلال اسكتلندا لن يؤثر على موقع الممكلة المتحدة في مجلس الأمن، أو على عضويتها في النادي الأكثر تميزا في الدبلوماسية العالمية، الذي يضم الدول الخمس دائمة العضوية.
ومهما تكن نتائج الاستفتاء فمن المرجح أن تقبل المملكة المتحدة على تغيرات جذرية لم تعهدها. التغييرات ستطال قواتها المسلحة وجيشها وترسانة ردعها النووي وحتى ثقل المملكة المتحدة في المحافل الدولية وصولا الى ألوان العلم البريطاني وكذلك المشهد السياسي في بريطانيا برمته من المرجح أن تطالها تداعيات استقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة.
ويرى أنصار الاستقلال في اسكتلندا وعلى رأسهم رئيس الوزراء أليكس سالموند أن الوحدة مع بريطانيا لا تخدم اسكتلندا في الوقت الحاضر بل على العكس تضعف من قدراتها الاقتصادية على وجه الخصوص. سالموند وخلال التجمعات الداعية للاستقلال وعد بـ»أن اسكتلندا في حال استقلالها ستحقق الرخاء وســـترفع مســـتويات الدخل وستعتمد على نفط بحر الشمال لتمويل طموحات تطل بها على المشهد العالمي وعلى أوروبا وتحـــتل مكانتها التي تستحقها» وتوقع أن تزيد ثروة اسكتلندا بـ5 مليارات جنيه إسترليني كل عام في حال إدارة شؤونها الاقتصادية بالكامل دون تدخل من لندن.
من جانبه يرى رئيس الوزراء ديفيد كاميرون أن الوحدة في المملكة المتحدة تمثل أحد أعرق وأنجح الاتحادات السياسية التاريخية ومن الصعب أن يوافق الاسكتلنديون على التخلي عنها، وخلال الحملة من أجل التصويت بـ»لا» للاستقلال قال نائب وزير المالية البريطاني داني ألكســـندر إن رفض الاسكتلنديين الانفصال عن بريطانيا يعني مستوى معيشة أفضل لكل فرد من مواطنيها بما يعادل 1400 جنيه إسترليني.
البرنامج النووي
ويؤكد محللون أن التصويت بشأن استقلال اسكتلندا عن بريطانيا يضع البرنامج النووي لـبريطانيا على المحك، خاصة قاعدة «فاسلين» في المياه العميقة في اسكتلندا التي تحوي الغواصات النووية البريطانية، وإذا ما صوتت اسكتلندا بـ»نعم» في 18 من ايلول/سبتمبر الجاري فيمكن لتلك الغواصات النووية أن تصبح دون ميناء وخاصة أن زعيم الحزب الوطني الاسكتلندي اليكس سالموند أكد مرارا في خطابته النارية المحفزة على الاستقلال بأن أول ما ستفعله الحكومة الاسكتلندية عند إعلان الاستقلال هو أنها ستطلب من الغواصات النووية البريطانية المدمرة أن تغادر، مؤكدا أن اسكتلندا ستكون منطقة خالية من الأسلحة النووية في غضون أربعة أعوام من الاستقلال عن بريطانيا العظمى.
القلق لا ينحصر فقط بمصير الترسانة النووية البريطانية المستقرة في اسكتلندا بل يمتد إلى القوات المسلحة البريطانية والتي تتخذ من اسكتلندا مقرا لها.
فبينما يصر اللواء الوطني الاسكتلندي على أن عـــدة أفـــواج عسكرية موجودة حاليا ستخدم الحكومة الاسكـــتلندية وتصبح من مسؤولية دافعي الضرائب الاسكتلنديين، إلا ان ورقة للحــكومة البريطانية اعلنت العام الماضي قالت فيها بان «دولة اسكتلندية مستقلة لا يمكن ببساطة استمالة الوحدات القائمة فيها في المقام الأول والتي يتم تجنيدها أو مقرها في اسكتلندا، فهي جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة البريطانية».
ومن المفترض بأن الجنود الاسكتلنديين الذين مقرهم إنكلترا سيسعون للبقاء في جيش إنكلترا الجديدة، فيما سيتم تقسيم الأسلحة بين البلدين عبر التفاوض، وسينخفض عداد الجيش البريطاني ليصبح من أصغر الجيوش في اوروبا.