لندن – «القدس العربي»: فيما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على «الدولة الإسلامية» والمعروفة إعلاميا بـ»داعش»، يتساءل العديد من المراقبين ان كانت واشنطن جادة في هذه الحرب فعلا ومدى إمكانية نجاحها في الانتصار على تنظيم الدولة من دون دعم لوجستي واستخباراتي على الأرض وخاصة داخل سوريا، لان الوضع ربما يكون محسوما في العراق مع الدعم الهائل الذي يتلقاه الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكردية من الدول الغربية.
وحسمت واشنطن الجدل الدائر حول مشاركة النظام السوري في هذه الحرب عندما أعلن الرئيس الأمريكي باراك اوباما بان بلاده لن تتعــــاون مع دمشق في حربها على «داعش». وتتوالى التصريحات المتباينـــة بين المؤيدة أو المتوجسة من خطة اوباما التي تستهدف اجتـــثاث تنظـــيم «الدولة الإسلامية» في كل من العراق وسوريا، فبينما أيدت عشر دول عربية على رأسها السعودية ومصر والأردن التحرك لإنهاء هـــذا التنظـــيم بكبح تدفق المقاتلين وإرسال الأموال إليه، اتخذت تركيا دور المراقب في «حلف جدة» خلال قمة عقدت في المدينة السعودية الساحلية الخميس بحضور وزير الخارجية الأمريكي جون كيري.
وفيما اعتبرت روسيا قيام هذا التحالف بضربات جوية داخل الأراضي السورية انتهاكا صارخا للقانون الدولي مطالبة بتفويض دولي من مجلس الأمن، سخر وزير الخارجية الأمريكي كيري من هذه التصريحات، وقال «علي ان أقر بانه لو لم يكن ما يحصل في اوكرانيا جديا، لكان بامكان المرء ان يضحك على فكرة طرح روسيا لمسألة القانون الدولي أو أي أمر يتعلق بالأمم المتحدة».
وأضاف «انا متفاجئ بالحقيقة ان روسيا تتجرأ على التطرق لاي مفهوم للقانون الدولي بعد ما حصل في القرم وشرق اوكرانيا».
وسارعت ايران الحليف القوي للنظام السوري الى اتهام واشنطن بالسعي الى «انتهاك سيادة الدول بذريعة مكافحة الإرهاب» وذلك على لسان علي شمخاني سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الايراني.
أما بالنسبة لألمانيا، فقد قال وزير الخارجية الألماني مارك والتر ستينمير بخصوص توجيه ضربات جوية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا «لم يطلب منا أحد المشاركة ونحن لن نشارك»، وذلك على هامش لقائه مع نظيره البريطاني هاموند في برلين، الخميس.
وتعد ألمانيا من أوائل الدول التي إنبرت لتقديم مساعدات عسكرية لإقليم شمال العراق، لمواجهة «داعش».
وجاء الموقف الكندي على لسان جاسون ماكدونالد المتحدث باسم رئيس الوزراء ستيفين هاربر إذ قال إن «بلاده ملتزمة بمواجهة هذا التهديد الإرهابي البربري، إلى جانب تقديم مساعدة إنسانية، ومستشارين عسكريين في العراق، دون ان يتوسع هذا الإلتزام إلى سوريا».
وأتخذت الصين موقفا متحفظا من الخطة الأمريكية، حين قالت إن العالم يجب أن يحارب الإرهاب لكن سيادة الدول يجب أن تحترم. أما النظام السوري، فحذر على لسان وزير المصالحة الوطنية، علي حيدر، يوم الخميس، من أي تدخل أجنبي في أراضيه، معتبرا أن ذلك سيكون «اعتداء على سوريا» ما لم توافق عليه دمشق.
وترى واشنطن في المعارضة السورية المعتدلة رأس حربة لهذا التحالف الدولي في محاربة «داعش»، لكن هناك مخاوف لدى مراقبين بان يملأ نظام الأسد الفراغ الذي ستتركه «داعش» في المناطق السورية. وقال مسؤول رفيع في إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما «لن نعمل مع نظام الأسد، لملاحقة داعش، لأنه ليس لديه أي شرعية لدى المجتمع السُني»، واستبعد المسؤول في البيت الأبيض، تمكن النظام السوري من ملء الفراغ، في المناطق التي سيتركها داعش، بفعل الغارات المرتقبة، مضيفا «المناطق الخاضعة لداعش، لا تسمح لنظام الأسد بأن يديرها، نظرا لأنها ذات أغلبية سنية» على حد تعبيره.
وأردف المسؤول «في الحقيقة، لدينا قناعة بأنه من المحتمل بقوة، أن المعارضين الشرعيين الذين نعمل معهم، سيستفيدون، في حال تراجع قوة داعش في هذه المناطق».
من جهته أكد خبير السياسة الخارجية والأمن، مارك بيري، أنه رغم إعلان الولايات المتحدة، أنها ستقوم بتدريب عسكري للمعارضة «المعتدلة»، فإن الأمر تعترضه صعوبات، متابعا: «لا نمتلك معلومات مفصلة عن هوية المعارضين المعتدلين، وعددهم، ومدى تقبلهم من قبل الشعب السوري». أما مدير مركز التحاليل السياسية – العسكرية بمعهد «هودسون» للدراسات، ريتشارد ويتز، فقال «لا نعلم فيما إذا كانت المجموعة المعتدلة في سوريا موثوقة»، معربا عن اعتقاده بقدرة نظام الأسد، على ملء الفراغ في المناطق التي من المحتمل أن يخليها داعش، جراء الغارات، وأن نظام الأسد أكثر من بإمكانه الاستفادة منها، وفق رأيه.
في سياق متصل، أوضح المنسق السابق لمكافحة الإرهاب في الخارجية الأمريكية، «دانيال بنجامين»، أن تحديد المعارضة المعتدلة التي ستدربها وتزودها بالسلاح، يعد من بين أكبر التحديات أمام الإدارة الأمريكية، مشيرا إلى قلة عدد المعارضين الذين يمكن أن ينطبق عليهم المعيار الأمريكي في الإعتدال. ولفت بنجامين، إلى أن «داعش» إعتاد على التعامل مع الغارات الجوية، وأن قدرات الولايات المتحدة الاستخباراتية في سوريا محدودة، متوقعا بدء الغارات الأمريكية ضد التنظيم في العراق أولا، وتقييم الخيارات بخصوص سوريا بالتزامن مع ذلك، ثم بدء الغارات فيها، في ضوء المعلومات الاستخباراتية.
ويرى مراقبون ان المعارضة السورية فقدت الثقة في الإدارة الأمريكية وطالبت واشنطن بضمانات تحدد استمرارية الدعم العسكري واللوجستي لمحاربة «داعش» وصولا إلى إسقاط النظام السوري.
لكن مقربين من المعارضة السورية يؤكدون انها ستكون المستفيد الأكبر من هذا التحالف لانه سيكون مضطرا مع الوقت للتعامل مع الأزمة السورية إما بالدفع باتجاه حل سياسي أو القيام بعمليات عسكرية تحد من تأثير قوات النظام السوري على المعارضة المدعومة من قبل الولايات المتحدة، وذلك بفرض منطقة حضر جوي، الأمر الذي سيعجل بنهاية نظام الأسد.
أحمد المصري