لندن – «القدس العربي»: ما ان سكتت المدافع في غزة حتى عادت الحملات الإعلامية المتبادلة بين حركة المقاومة الفلسطينية (حماس) وحركة التحرير الوطني (فتح) فالأولى تسيطر على غزة وخاضت ثلاث حروب مدمرة مع إسرائيل والثانية تقود السلطة الوطنية في الضفة الغربية وقادت حركة التحرير الوطني منذ انطلاقة شرارته عام 1965 حتى أوسلو.
وجاءت الحملات الإعلامية المتبادلة بين الحركتين رغم اتفاق المصالحة الذي وقع في نيسان/إبريل وجاء بعد سنوات من الإنقسام الفلسطيني الحقيقي- بين الضفة والقطاع – ورغم وجود حكومة وفاق وطني (شكلت في حزيران/يونيو) فقد كان تشكيلها السبب الرئيسي وراء شن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حربه الأخيرة على غزة، أي تقويض المصالحة.
وعمليا لا تبدو الحملات الإعلامية شيئا جديدا على الواقع السياسي الفلسطيني، فمنذ خروج حركة حماس من رحم الإنتفاضة الأولى عام 1987 لم تتوقف الحرب والإتهامات المتبادلة بينها وفتح والتي ظلت تدور حول مسألة التمثيل والشرعية الفلسطينية ومن يقود الشارع في فلسطين. وتراوحت المنافسة بين الطرفين من إعتقالات وتعذيب وتهميش إلى ان وصلت للمواجهة في حزيران/يونيو 2007 وقامت حماس بفرض سيطرتها على القطاع بشكل كامل. ولم يأت التحرك بدون مبررات لدى الحركة التي فازت في إنتخابات المجلس التشريعي في كانون الثاني/يناير 2006 وبأغلبية ساحقة (74 مقعدا مقابل 35 لفتح) ورفض للولايات المتحدة خاصة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس التي طالبت الرئيس محمود عباس بحل الحكومة التي تقودها حماس، وجاء تحرك الأخيرة ليعطي الرئيس الفلسطيني الذي تعرض لضغوط شديدة من أمريكا وإسرائيل الفرصة كي يفوض سلام فياض ويشكل حكومة تسيير أعمال. وعليه تحولت المناوشات والإتهامات بين الفصيلين الكبيرين في الحركة الوطنية إلى كيانين منفصلين وساعد على تكريسه الفصل العنصري والحصار الجائر الذي فرضته إسرائيل على غزة والمقاطعة الأمريكية لها والمعاناة اليومية التي تسبب بها الإغلاق اليومي لمعبر رفح بين مصر وغزة. ومن هنا لجأ أهل غزة لحفر الأنفاق التي ازدهرت كوسيلة للنجاة من واقع مفروض وتحولت لدى البعض لتجارة مربحة مثل تلك الأعمال التي إزدهرت نتيجة لواقع الإحتلال وقرب الحواجز. ووجدت السلطة الوطنية في سيطرة حماس على غزة فرصة لمواجهتها في الضفة ومن هنا قامت بحملة تجفيف المنابع للحركة ومؤسساتها وسجن أفرادها وحققت الأجهزة الأمنية معهم.
وتظل العلاقة بين حماس وفتح معقدة، ولهذا أسباب موضوعية تتعلق بقيادة فتح لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث تقود معظم أجهزتها وممثلياتها في الخارج، يضاف إلى هذا أن فتح تظل العمود الفقري لمشروع السلطة الوطنية. وما زاد في تعقيد العلاقة هو فوز حماس في الإنتخابات نظرا لانعكاسات كل هذا على شعبية فتح وأثر كل هذا على قيادتها للمشروع الوطني، وخوفها من دخول حماس في منظمة التحرير وسيطرتها على مؤسساتها.
ومن هنا فجوهر الخلاف بين حماس وفتح منذ نشأة الأولى ينبع من وجود برنامجين للحركة الوطنية الفلسطينية، واحد يؤمن بالتفاوض كوسيلة لتحقيق المطالب المشروعة للفلسطينيين وآخر يؤكد خيار المقاومة كطريق لتحرير فلسطين وإن بصورة مرحلية، أي ضمن حدود عام 1967. ورغم رفضها للتسوية إلا أن حماس أظهرت براغماتية في ممارستها السياسية، فمن ناحية دخلت في مشروع السلطة وقادت حكومته، حيث قالت إنها دخلت الإنتخابات بناء على برنامجها وليس بناء على التسوية، وتقول إنها لم تحكم عمليا خاصة بعد خطف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. فبعد إعتقال قادتها ونواب المجلس التشريعي في الضفة وحصار غزة لم يكن ممـكنا ممارسة حكومة حماس أي سلطة فعلية.
لا بد إذا من النظر إلى أن العلاقة المتوترة والصدامية بين الحركتين كانت نتاجا لتصادم استراتيجيات وتعارضها، فحركة فتح، والرئيس الراحل ياسرعرفات الذي كان يعيش عـــزلة في تونـــس بعد حرب الخليج الأولى بسبب قراره دعم صـــدام حســين الذي احتل الكويت وجد في الإنتفاضة الفلسطينية الأولى رافعة له كي تحسن وضعه الدولي وتظهر براغماتيته، ومن هنا قادته للقبول لاحقا بتبني القنوات السرية في اوسلو.
وإستغلت حماس من جهتها الإنتفاضة الأولى لبناء قوتها على الأرض واستغلت فيما بعد ضعف وفساد السلطة للدخول في مشروع أوسلو وهي الرافضة له عبر المجلس التشريعي في انتخابات عام 2006، وأسهم قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الإنسحاب من طرف واحد 2005 في تقوية حماس التي أثبتت أن البندقية هي خيار الشعب الفلسطيني وليس المفاوضات.
ومهما كانت طبيعة العلاقة وصداميتها إلا أن تجربة الحركة تؤكد تعاملها مع الواقع السياسي الفلسطيني بمرونة وبراغماتية وفهم للوقائع السياسية مما يجعلها، كما يقول أفي شليم، المحاضر في الشؤون الدولية في كلية سانت انطوني جامعة أكسفورد، لاعبا سياسيا شرعيا فازت في انتخابات حرة ونزيهة. ورغم أنها «ترفض وبشدة شرعية إسرائيل إلا أن قادتها قالوا أكثر من مرة أنه في حال قامت فتح بالتفاوض مع إسرائيل على تسوية تؤدي لحل دولتين بناء على حدود 1967 فستحترم خيار الشعب الفلسطيني إن تم تمرير الإتفاق من خلال استفتاء وطني. وعليه فيجب على إسرائيل التوقف عن التفكير في الوحدة الفلسطينية كتهديد بل ويجب تبنيها كحجر بناء لأمنها». ويرفض شليم محاولة شيطنة إسرائيل لحماس وربطها بتنظيم الدولة الإسلامية، فهي «على خلاف داعش ليست تنظيما جهادي النزعة ولكنها حركة محلية تقودها قيادة سياسية براغماتية وبأهداف محددة». وكان شليم واضحا في تحميل إسرائيل مسؤولية الحرب الأخيرة «فقد كانت هجمات صواريخ ـ السبب الرئيسي للحرب- ردا على الإجراءات الأمنية الإسرائيلية القاسية. فقد حدد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أهداف العملية بـ «هدوء مقابل هدوء». ولكن كان الهدوء مخيما قبل أن تبدأ إسرائيل بهذه الدوامة الجديدة من العنف». ودعا شليم في مقالته التي نشرتها «الغارديان» الإسبوع الماضي لنزع صفة « الإرهاب» عن حماس، لأن وصفا كهذا هو سلاح قوي في الحرب الدعائية لكن لا فائدة منه في عملية البحث عن السلام. ودعا اسرائيل لنقل مواجهتها مع حماس من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات.
وبالعودة للحرب الأخيرة فهي تدور على ترتيبات الوضع في غزة ودور السلطة الوطنية فيها، فإسرائيل والدول التي تدعمها لا تريد العودة للوضع القائم قبل الحرب وتريد تسليم السلطة الوطنية مفتاح القيادة فيها سواء من ناحية المعابر والأمن، وتدعو إلى نزع سلاح المقاومة وهذا مطلب غير واقعي كما يراه شليم «لأن غزة هي مركز للمقاومة ضد الإحتلال ومنذ 47 عاما ولن ترمي حماس سلاحها». في الوقت نفسه تطالب الحركة برفع الحصار غير القانوني المفروض منذ 7 سنوات على القطاع وفتح المعابر الحدودية. أما المطالب الأخرى للحركة فتضم بناء المطار الدولي الذي دمرته إسرائيل عام 2001 ، والإفراج عن السجناء وفتح معبر آمن للضفة الغربية «وهي مطالب متجذرة في إتفاقيات خرقتها إسرائيل» كما يقول شليم.
ومما يجعل الخلاف الحالي مهما أنه جاء بعد حرب مدمرة لم تترك إسرائيل فيها ولا بيتا قائما، وفي وقت إرتفعت فيها أسهم المقاومة حتى في الضفة الغربية حيث أشار استطلاع أجراه المركزالفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في مدينة رام الله ورصد فيه تحولات مهمة على صعيد مواقف السكان من المقاومة وحماس وموقفهم من السلطة الوطنية وحكومة رامي الحمدالله ورئيس السلطة الوطنية محمود عباس. رصد الإستطلاع تقدما في شعبية حماس لم تشهد الضفة الغربية مثيلا له منذ عام 2006. وبناء على هذا يمكن فهم حالة الإضطراب التي شابت تصريحات عباس حول حكومة ظل حماس في غزة واتهامه لها بمحاولة الإنقلاب عليه. والحركة وإن رأت أن اتهاماته لا أصل لها، تقول إنها تقوم بتعهداتها فيما يتعلق بأعباء ما بعد الحرب. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن القيادي أبو مرزوق، أن هناك 40 مليون دولار أمريكي بواقع ألفي دولار لكل عائلة، لكن هذا لا يكفي ولن يحل المشكلة طالما لم تدخل مواد البناء الضرورية. لكن الحركة تعي أن جهود الإعمار تحتاج لجهود دولية وتعاون محلي بين القوى التي صنعت انتصار غزة ـ وأنها مسؤولية حكومة الوفاق أو الوحدة الوطنية التي تتكون من تكنوقراط ليس فيهم وزير من حماس.
يفهم أن رئيس السلطة يتعرض لضغوط سواء من الداخل – قاعدته في فتح خاصة بعد فشل أو تعليق خياره في المقاومة الشعبية- السلمية ومن الخارج، خاصة الولايات المتحدة التي حملت حماس مسؤولية الحرب وأعطت إسرائيل ضوءا أخضر لمواصلة قصف وتدمير غزة، ويتعرض لضغوط من إسرائيل التي أكدت في أكثر من موقف على ضرورة منح عباس سلطة واسعة في غزة.
وبالتأكيد فلن تنتهي التراشقات، ولن تكون الحرب الباردة الأولى والأخيرة بين الحركتين، فطالما ظل الحصار قائما والإحتلال يقوم بالإعتقال ومصادرة الأراضي وتعكير صفو أي محاولة للوحدة بين الفلسطينيين فسيظل مجال الخلافات والرؤى قائما، ومع ذلك فاي خلاف مهما كان حجمه سيترك أثره على مسار الحركة الوطنية في مرحلة حرب غزة الثالثة، لأن هذا له علاقة بالمستقبل، وغزة تحمل مفتاح المستقبل لكل من حماس وغزة. فحجم الدمار كبير، شمل أبراجا سكنية ومساجد ومدارس ومستشفيات وبنى تحتية للماء والكهرباء، ويبدو أن هم القيادة العسكرية الإسرائيلية ومعها السياسية من «جز العشب الموسمي» هو تحويل غزة لأرض يباب، وصحراء مقفرة. وكلما تأخر الإعمار ولم تتغير الأوضاع، فحماس ستتعرض للضغوط، إما العودة لحمل البندقية أو غضب شعبي، واستمرار غياب السلطة ورئيسها عن غزة ستكون له أثاره السلبية على فتح.
وفي النهاية ستظل الخلافات بين فتح وحماس قائمة، لكن ما يهم هو احتواؤها وتقريب وجهات النـــظر بحـــيث لا يعاد تكرار تجربة 2007 في غزة أي المواجهة المسلحة. وإذا اتفق الطرفان على أمر يجب تطبيقه. وفي ضوء ما حققته حماس والفصائل الأخرى في غزة من انتصار فستجد فتح نفسها أمام استحقاقات للإعتراف بالجميع وان سيطرتها على مؤسسات القرار الفلسطيني ليست عملية، وأن هناك حاجة لإشراك الجميع.
إبراهيم درويش