فينيسيا ـ «القدس العربي»: «قصة زواج» للمخرج الأمريكي نوا باومباك، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي (28 أغسطس/آب إلى 7 سبتمبر/أيلول) فيلم شديد الإنسانية وبالغ الحساسية، هو فيلم يضع فيه صاحب «فرانسيس ها» رؤيته للحب والارتباط والزواج والانفصال، فيلم يضعنا في خضم هذا الفيض من الحب والغضب والاتهامات المتبادلة، والحنين التي يشهدها الحب والزواج في فصوله المختلفة.
«قصة زواج» يعيد إلى الأذهان «مشاهد من زواج» لأنغمار برغمان، ولكن بروح باومباك الجلية وبلمسته الواضحة. يقدم باومباك فيلما يبكينا شجنا أحيانا، ويضحكنا أحيانا، ولكنه يلمس قلوبنا دوما. إنه فيلم يأتينا من مخرج في أوج صنعته وتمكنه من أدواته، مخرج صاحب رؤية إنسانية ثاقبة تمكنه من صوغ الحياة الزوجية بكل ما تصطخب به من مشاعر في فيلم بليغ، ويعينه على ذلك أداء مفعم بالمشاعر من ممثليه الرئيسيين سكارليت جوهانسون وآدم درافر.

ربما يقدم لنا الفيلم في عنوانه جزءا كبيرا من مضمونه. إنه فيلم عن زواج يشهد أزمة تودي به إلى نهايته وإلى الطلاق، ولكن رغم الطلاق يبقى الزواج، أو هكذا يبدو لنا، فتلك الذكريات والمشاعر والصداقات والاهتمامات، التي تكونت خلال أعوام من الزواج لا تنتهي بالتوقيع على وثيقة الطلاق. ولكن الفيلم لا يجمل الطلاق أيضا، ولا يقدم لنا صورة منمقة مثالية عن الانفصال. يغمسنا باومباك وسط معركة الطلاق، وحضانة الابن، والتفاصيل المادية للانفصال. وسط هذا الخضم من المشاعر الملتبسة، التي تأتي مع انفصام عرى علاقة دامت أعواما، يتوجب على الزوجين التعامل مع التبعات المادية للانفصال.
مع بداية الفيلم نسمع صوتي نيكول (سكارليت جوهانسون) وتشارلي (آدم درايفر) وهما يصفان ما يجدانه محببا في الآخر. إنهما متزوجان منذ نحو عشرة أعوام، ولهما طفل في نحو الثامنة. يصاحب وصف الزوجين لما يحبانه في بعضهما بعضا مشاهد من زواجهما وحياتهما ومنزلهما، ولأنشطتهما معا ومع ابنهما الصغير. لا نستطيع إلا أن نبتسم ونشعر بالدفء وهما يصفان حياتهما، حياة تشبه حياتنا، أو ربما الحياة في بيت أسرتنا. ولكم رغم الحب، الذي لا نشك قط منذ البداية في وجوده واستمراره، نكتشف أن هذا الوصف المفعم بالحب والذكريات يأتي بطلب من مستشار نفسي للحد من التبعات النفسية للانفصال. قد نسأل أنفسنا: لم إذن الانفصال والحب باق لم ينته؟ ولم الطلاق وما تقوله نيكول عن تشارلي يشي بحب وتقدير كبيرين؟ ولم الانفصال وكل ما يقوله تشارلي عن نيكول يشير إلى أنه ما زال يحبها؟ الإجابة ليست باليسيرة، ولكن يمكن القول إنها الخلافات والاختلافات الصغيرة التي تراكمت عبر الأعوام. نيكول ممثلة شابة موهوبة ولدت في لوس أنجليس، كانت تطمح في الشهرة في هوليوود، ولكنها التقت آدم، المخرج المسرحي النيويوركي الواعد، وكان الحب. تنتقل نيكول لنيويورك لتصبح نجمة فرقة تشارلي للمسرح التجريبي وممثلته الأولى وملهمته.
كتب باومباك سيناريو وحوار الفيلم بذكاء وحساسية كبيرين، فكل كلمة تقال لها دلالاتها، وكل مشهد يزيد من فهمنا للزوجين وللأسباب الصغيرة المتراكمة التي أدت إلى الطلاق.
إنهما شابان موهوبان يعيشان وسط الثراء الفكري والإبداعي لنيويورك، وثمة حنين تشعر به نيكول ليكون لها نجاحها الخاص المنفصل عن شراكتها الفنية مع زوجها، كما تحلم بالعودة إلى مدينتها لوس أنجليس على الطرف الآخر من الولايات المتحدة.
مع مرور الأعوام وجدت نيكول أن لديها من الطاقة الإبداعية والرغبة في الحرية والتجريب أكثر مما يتيحه لها العمل في الفرقة المسرحية تحت إمرة زوجها. إنها تريد اكتشاف الذات أكثر مما يتيحه لها الزواج. تشارلي، على النقيض، لا يرى أن نيكول ينقصها من التحقق شيء، ولا يرى أن الزواج أو هو شخصيا يقفان عقبة في مسيرتها.
الأهم من ذلك هو أن الطرفين يظنان أن الانفصال سيتم في هدوء وبدون اللجوء للقضاء، وستتم التسوية المالية والاتفاق على حضانة ابنهما في هدوء، بدون الحاجة إلى تدخل قضائي.
تفوز نيكول بدور في مسلسل يصور في لوس أنجليس وتصحب ابنها معها، ويبدأ الصغير في الذهاب إلى المدرسة في لوس أنجليس، التي تبعد آلاف الأميال عن نيويورك. فكيف إذن يمكن لوالده أن يراه؟ وكيف يمكن أن يشترك في حضانته وهو على الطرف الآخر من الولايات المتحدة؟ وهنا يجد تشارلي ونيكول نفسيهما منجرفان في معركة قضائية، ما كانا يخططان لها، وما كانت في الحسبان. لا يحابي باومباك طرفا عن طرف، ولا يشيطن أيا من الزوجين، ولا يجعل من أي منهما ضحية على حساب الآخر. قد نتعاطف مع تشارلي لاضطراره للسفر آلاف الأميال ولاستئجار منزل جديد في لوس أنجليس حتى يتمكن من رؤية ابنه والمشاركة في حضانته، رغم أن عمله ومستقبله المسرحي في نيويورك، ولكننا أيضا نتفهم رغبة نيكول في تحقيق الذات واكتشافها.
كتب باومباك سيناريو وحوار الفيلم بذكاء وحساسية كبيرين، فكل كلمة تقال لها دلالاتها، وكل مشهد يزيد من فهمنا للزوجين وللأسباب الصغيرة المتراكمة التي أدت إلى الطلاق. نستمع إلى انفجار نيكول الغاضب وسيل الاتهامات التي تكيلها لتشارلي، ونجد في هذا التعبير عن الكثير من الصدق والغضب المكبوت. ثمة مواقف صغيرة ولكنها تكشف الكثير، تكشف الحب الذي ما زال باقيا رغم الغضب، مثل ذلك المشهد حين تجد نيكول رباط حذاء تشارلي محلولا، فتخشى عليه من السقوط، فتنحني لتربطه له. ثمة مشاهد تبكينا لفرط صدقها، مثل ذلك المشهد الذي تواجه فيه نيكول تشارلي وتخرج ما يعتمل في صدرها من غضب إزاءه. تبكي وتصرخ وتلوح بأصابعها متهمة إياه، ولكننا نعلم أن قلبها يتحطم وقلبه أيضا، فتنفطر قلوبنا معهما.
يتناول الفيلم أيضا الفيلم الطلاق كساحة للسجال القضائي والقانوني، الذي يستلزم وجود محامين أشداء، قادرين على الدفاع عن حقوق موكليهم وتكبيد الطرف الآخر أكبر قدر من الخسائر. تكلف نيكول محامية حادة كالصقر (لورا درن في أداء متميز للغاية)، هي محامية تكيل اللكمات للخصم، وفي محادثة تخلد في الأذهان لشدة ذكائها تخبر نيكول أن المحكمة يجب أن لا تعرف قط عن أخطائها الصغيرة، مثل حبها للنبيذ، لأن المحكمة لا تغفر قط لتجاوزات الأمهات.
«قصة زواج» لا يصور الطلاق كنهاية للحب، بل كبداية لصداقة، واستمرار لحب لم ينته بتوقيع وثيقة الطلاق. هو فيلم يجعلنا ندرك أن الحب لا ينضب بعد الطلاق، ولكن تتبدل صورته.