بعد نحو من 35 سنة عادت الكاتبة الفرنسية آني إرنو إلى ما اعتبرتْه حدث حياتها (الحدث، وهو العنوان الذي أعطي للكتاب). في مدة قاربت السبعة أشهر أنجزت تدوين ذكرى حملها، لأوّل مرّة، وسعيها المتخبّط لإجهاضه. في زمن الستينيات ذاك كان تعريض النساء أنفسهن لهذا الامتحان محفوفا بمخاطر كثيرة، ليس أولها النص القانوني الذي يعاقب بالسجن وبغرامة مالية. وقد أثبتت الكاتبة ذلك النص بحرفيته منقولا عن «الموسوعة العالمية الجديدة- لاروس»، لكنها مع ذلك لم تكن لتهجس بمفاعيله. كما لم يكن الخوف من وقوع الخبر على الأهل هاجسا ملحا هو أيضا، طالما أنها في زياراتها لهم تستطيع أن تخفي العوارض التي تتأتى عن الحمل، أو تُظهر أمام والدتها، بالحيلة، أن عادتها الشهرية لم تنقطع. ولم تتحرجّ من أن يعلم زملاؤها وزميلاتها في الجامعة بسعيها لأن تُجهض. في فرنسا الستينيات كانت معانَدة القوانين والأعراف من علامات تشكل الشخصية. كما أن الجهر بانتماء المرء إلى طبقة اجتماعية دنيا، كان هو أيضا دليلا على الانخراط بالزمن الجديد.
ما استعادته إرنو، بعد أكثر من ثلاثين سنة على تلك التجربة، هو علاقتها بجسمها خصوصا. وتحديدا في الفترة التي ابتدأت مباشرة بعد إجهاضها المتعسّر. ذاك أنه كان عليها أن تتفادى إجراء تلك العملية في المستشفى، لا تفلّتاً من الرقابة الرسمية والقانونية، بل لأنها تبحث عن طريقة أقل تكلفة، وقد وجدتها عند تلك المرأة التي أبلغتها، من دون أي تعاطف، أنها ستجري العملية في واحدة من غرفتي بيتها وأن ذلك سيكلفها 400 فرنك. هنا أيضا لا أثر لوطأة القانون، حيث لم يجر الحرص على السرية والكتمان، لا قبل إجراء الإجهاض ولا بعده.
ما استعادته إرنو، بعد أكثر من ثلاثين سنة على تلك التجربة، هو علاقتها بجسمها خصوصا. وتحديدا في الفترة التي ابتدأت مباشرة بعد إجهاضها المتعسّر.
وفي سطور أخرى من الرواية نعرف أن «ما تحت القانون» لا يقتصر على ما جرى في منزل تلك المرأة، بل قد يكون أشبه بعالم مواز يزداد انتشارا كلما ازدادت المعرفة به توسعا. لا أثر للندم أو للذنب أو لتبكيت الضمير، مما كان يمكن أن نقرأه في أدبيات كثيرة. هنا تخطر في الرأس نساء كثيرات بينهن، في أدبنا العربي على سبيل المثال، بطلات كثيرات لم يجدن إلا الانتحار سبيلا للخلاص من فضيحة الحمل، آني إرنو تركت العالم وراءها، راحت تتصرّف كأن ما استجد عليها مسألة شخصية بحتة، وهي لم تسع إلى إخفاء ذلك أمام أحد من زملائها في الجامعة. أحد هؤلاء بدا، لحظة سماعه ذلك الخبر منها، كأنه تلقى دعوة لعلاقة جنسية، إذ لا عاقبة قد تحصل من سلوك طريق سبق أن سُلكت ولا نتائج مربكة (كالحمل مثلا) قد تتأتى من ذلك. الزميلة المحافظة المتديّنة جرى إبلاغها أيضا، والغريب أنها أبدت تعاطفا ولم تتأخر عن تقديم المساعدة. في تجربتها تلك بدت إرنو في موقف من يحاكِم، بدل أن تكون هي عرضة للحكم.
بلا ندم ولا شعور بالذنب راحت تعيش تجربة البحث عن إجهاض سريع وقليل التكلفة. في الشهر الأول لم يكن حملها يعني لها شيئا. بطنها ما زالت على تسطحها إياه ولا إشارات تنبعث من الداخل تدل على أن شيئا تغيّر. حتى أن ما هي فيه يبدو أقل من أن يكون حدثا. كان عليها أن تراكم المجريات المتفرقّة التي تحدث لها، كي يصير لتجربتها أهمية تستحق الكتابة، أو أن تصير حدثا في حياتها. ثم أن يصير هذا: «الحدث»، بأل التعريف المستبعدة لإمكان أن يكون قد حدث لها شيء آخر ذو وقع مساوٍ. بدأ ذلك مع بلوغها السريع للذروة التي هي عملية الإجهاض، التي أجرتها لها تلك المرأة، مرتين، ولم تنجح، بل أدت إلى نزيف ملأ صفحات الرواية الصغيرة بتدفقه المتواصل. ثم، بعد عملية ثالثة أجريت لها في المستشفى الذي حُملت إليه غائبة عن الوعي، بدأت تدرك أنها خاضت أكثر تجارب حياتها أهمية، بل ظلّت مدركة لذلك حتى بعد كل ما عاشته في السنوات الخمس والثلاثين التي تلت. كأن ذلك الجسم جرى اختباره مرة واحدة، أو أن الكاتبة بقيت غارقة في ذكرى ذلك التحول الذي أصابه، فلم يعد كما كان، أو لم يعد هو ذاته. هي تجربة واحدة لم تتكّرر، ولم تُنسَ المشاعر والأفكار التي لازمت حدوثها، أو ربما كان ينبغي، لكي تُنقل التجربة إلى الكتابة، أن يجري تعظيمها.
في الصفحات الأخيرة من الكتاب نقرأ عن عودة الكاتبة إلى ممر كاردينيه في الدائرة السابعة عشرة لترى ماذا تغيّر في المكان الذي يقع فيه المنزل، حيث أجريت فيه عملية الإجهاض البائسة. كل شيء جرى وصفه، أو تذكّره، في تلك الصفحات، من الطريق إلى المقهى الذي كانت قد احتست فيه القهوة بانتظار حلول الموعد الذي أعطي لها، مرورا بالبيوت الصغيرة الباقية على الجانبين. هي خاتمة تناسب حدثا أوّلا، بل حدثا جللا ضخما كأن ما جرى هنا حرب تركت ساحتها على حالها لتجوال الزائرين.
٭ رواية آني إرنو «الحدث» نقلتها إلى العربية سحر ستّالة وصدرت عن «منشورات الجمل» في مئة صفحة- 2019
٭ روائي لبناني