«إني أتهم» للبولندي رومان بولانسكي… فيلم ينتصر للمضطهدين والمظلومين

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
1

البندقية ـ «القدس العربي»: في فيلمه «إني أتهم»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي (28 أغسطس/آب إلى 7 سبتمبر/أيلول) ينتصر رومان بولانسكي لهؤلاء الذين يجدون أنفسهم موضع اتهام وشك وتنكيل وإدانة، لمجرد اختلافهم عن النسق العام للمجتمع، ينتصر لمن تلصق بهم الاتهامات لمجرد أنهم من عنصر آخر أو من دين آخر عن السواد الأعظم في المجتمع.

فيلم يدين في المقام الأول المؤسسة الاستخباراتية والفساد الذي ينخر فيها. في مستهل الفيلم يصحبنا بولانسكي في جولة في أروقة جهاز الاستخبارات العسكرية الفرنسية، حيث نرى المبنى بعيني الرئيس الجديد للجهاز. هناك تزكم أنفه رائحة عفنة عطنة: رائحة المجارير التي شُيد المبنى قربها. تلك الرائحة ليست إلا مؤشرا على الفساد والعفن داخل هذا الجهاز الذي يلفق الاتهامات يمينا ويسارا، والذي يختلق الأدلة اختلاقا.


يعود بنا الفيلم إلى نهايات القرن التاسع عشر في فرنسا، إلى قضية ألفريد درايفوس (لوي غاريل في أداء متميز)، الضابط اليهودي، الذي كان من خيرة طلاب الأكاديمية العسكرية وأنجبهم، والذي أصبح ضابطا صاحب سجل عسكري مشرف وسمعة لا غبار عليها، فجأة وبأدلة واهية للغاية، يجد درايفوس نفسه مدانا بالتخابر مع الألمان وببيع أسرار عسكرية فرنسية مهمة لهم. يحكم على درايفوس بالخيانة العظمى ويجرد من رتبته العسكرية وينكل به علنا، وينفى إلى قلعة في جزيرة نائية، تعرف بجزيرة الشيطان. يدفع درايفوس دوما ببراءته وبولائه للجيش ولفرنسا وطنه، ولكن بدون أن يجد له نصيرا.

«إني أتهم» أفضل أفلام المخرج البولندي المولد منذ أعوام، سيناريو الفيلم، الذي كتبه روبرت هاريس، محكم وقوي ويحتفظ باهتمامنا بالأحداث والشخصيات الرئيسية طوال الفيلم.

قد يرى البعض في الفيلم صرخة ضد معاداة السامية، ولكننا نراه في سياق أوسع وأكبر، فهو صرخة ضد كل من ينكل بهم لأنهم الأقلية المستضعفة، ولأنهم يختلفون في المعتقد عن غيرهم. يسرد الفيلم أيضا قصة نشر «إني أتهم»، رسالة إيميل زولا الشهيرة التي نشرها صحافيا والتي يكشف فيها الفساد الذي شهدته محاكمة درايفوس. طوال الفيلم يُبقي بولانسكي درايفوس في خلفية الحدث، هو في محبسه يتحمل بإباء وكرامة ورباطة جأش، التنكيل الذي يلقاه في سجنه. الشخصية الرئيسية الحقيقية في الفيلم هي الكولونيل بيكار (جون دوجاردان)، الرئيس الجديد للمخابرات العسكرية، الرجل الذي يؤمن بنزاهة المؤسسة العسكرية، والذي يسعى لتطهير جهاز المخابرات من الفساد والتحامل وتلفيق الاتهامات، تلك التركة التي خلفها له الرئيس السابق للجهاز. يحاول بيكار النفاذ إلى الحقيقة في قضية درايفوس وسط الترهيب والمحاولات المضنية لإثنائه عن البحث، وسط التعتيم والتضليل المتعمد له، ووسط محاولات النيل من سمعته واستغلال الثغرات في حياته الخاصة.
قصة درايفوس والتنكيل به والتدمير الممنهج لسمعته واضطهاده، ليست أمورا للتاريخ وحسب، وليست مجرد سرد لتاريخ غابر، فللقصة أبعاد معاصرة تماما وأبعاد نراها بأعيننا حاليا في كل صور التمييز والاضطهاد التي يشهدها العالم. قضية درايفوس أظهرت أن الاضطهاد يصبح أحيانا ممنهجا وقد تتبناه الدولة في سياساتها، وهو ما نراه الآن في كثير من أرجاء العالم في التعامل مع المهاجرين واللاجئين والأقليات العرقية والدينية. درايفوس، في ما يلاقه من عسف وتعسف وتنكيل، ليس إلا واحدا من هؤلاء المضطهدين. وفي عالم معاصر تشغله قضايا الخصوصية واقتحامها ويشغله أننا جميعا معرضون للانتهاك والاختراق المعلوماتي، يسلط الفيلم الضوء أيضا على انتهاك السلطات للمعلومات، وتحريفها وتفسيرها وفقا لما يخدم أغراضها. الأدلة التي جمعتها الاستخبارات عن درايفوس لا تزيد عن قصاصات ممزقة من خطابات بخط اليد، بخط قد يشبه خطه، ولكنه قد يشبه العشرات من الخطوط الأخرى. وتم إلصاق التهمة بدرايفوس لأن اتهامه يوافق هوى أحدهم ويتواءم مع تحيزات البعض.
«إني أتهم» أفضل أفلام المخرج البولندي المولد منذ أعوام، سيناريو الفيلم، الذي كتبه روبرت هاريس، محكم وقوي ويحتفظ باهتمامنا بالأحداث والشخصيات الرئيسية طوال الفيلم. قد يكون دور بيكار أفضل الأدوار التي أداها دوجاردان منذ دوره في فيلم «الفنان» (2011). في «إني أتهم» ينظر بولانسكي إلى حدث تاريخي بمرآة الحاضر. الفساد المؤسساتي والعفن الذي ينخر في عظام الجيش والاستخبارات، يعيد إلى الأذهان الفساد المؤسساتي الذي صوره بولانسكي في «تشايناتاون». يقدم بولانسكي في «إني أتهم» رسالة ممهورة بتوقيعه، كرسالة إيميل زولا، يدين فيها الظلم والاضطهاد وينتصر للمضطهدين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية