معرض تقاسيم يشاطر الشعر بالرسم في قاعة المدينة:
عمان ـ “القدس العربي”: تستضيف قاعة المدينة بأمانة عمان الكبري معرضا للفنان التشكيلي والخطاط الأردني محمد أبو عزيز بعنوان تقاسيم إضافة إلي عرض فيلم للمخرج خليل قاموق، أما الثيمة التي تجمع هذين العملين فهي الوجوه، ومن الواضح ذلك الجهد المبذول من قبل الفنان أبو عزيز لصياغة حالة جمالية عالية تعبر عن دواخل النفوس وتفاصيلها بالألوان، وهو يشتغل بجرأة علي منح الألوان دلالاتها الخاصة التي تبدو لأول وهلة مستخدمة في المكان الخطأ أي ان الوجوه في الواقع عادة ذات لون واحد أو متدرج من الأبيض إلي الأسود أما الوجوه الخضراء أو الحمراء أو الزرقاء فإنها تأتي في معرض تقاسيم كمحاولة جمالية أولا ونفسية ثانيا للتعبير عما يري فيها الفنان، وأبو عزيز سبق له أن شارك في معارض جماعية أو استخدم قدراته في الخط العربي من أجل صياغة لوحات مشتركة علي الملح مع فنان فرنسي هو جان لو دو سوفرزاك، وهو هنا يوظف خبراته لينتج لوحته الخاصة أولا، ثم يتشارك في ثيمتها مع شعراء وفنانين آخرين.
يقول أبو عزيز عن هذه التجربة إنها مجموعة من الوجوه التعبيرية، قمت برسمها لما لأهمية الوجه من تعبير وتواصل بين بني البشر، وكوننا بصريين نحتاج لهذا التواصل من خلال العين، ومن ثم قمت بالتشبيك مع بعض الشعراء الأردنيين والعرب لمشاطرتي هذه التجربة الإنسانية فأكدت علي مشاطرة الشعر للرسم أما أسماء الشعراء المشاركين هنا فهم: عبـدالله رضـــوان – الأردن، فاطمة بوهراكة – المغرب، إسمــاعيل حماد – الأردن، بن يونس ماجن – المغرب/النص مترجم للفرنسية، حمد محمود الدوخي – العراق، صبــــا المبسـلط – الأردنعبد الرحمان البحياوي – المغرب/النص مترجم للفرنسية، ، محمد أبو عزيـز – الأردن/النص مترجم للفرنسية، مشهور أبو سندس – الأردن، منــــال الشيخ – العراق، ميسون يونس – الأردن/النص مترجم للفرنسية، نبيلة الخطيب – الأردن، وسـام جبران – فلسطين/النص مترجم للفرنسية.
أما بخصوص الفيلم الذي أخرجه خليل باموق وقدمه القاص رسمي أبو علي بصوته إضافة إلي توظيف مقطوعات موسيقية للفنان سعيد الشريبي من المغرب فيري أبو عزيز بأنه يجسد رحلة تمخضت عن التقاء ومشاطرة الشعر مع الرسم ربما قد تكون فريدة كأسلوب يتناولها المبدعون عامة، فاللوحة تتقدم لتحتل الصدارة ومن ثم يتأتي الشعر مما تختلجه الوجوه وتقاسيمها، كما أنني أقول بأن: الفنان يرسم ثلثي ذاته ويقول: لست أنا. ومن ثم يأتي دور الصورة المرئية والمسموعة لتثبت وتوثق التجربة بأسلوب ورؤية المخرج خليل قاموق صاحب الخبرة بهذا المجال. هذه هي الحالة الصحية التي تنشر الفنان وتدخله لعوالم أكثر رحابة بصورة حضارية وبصورة مرئية ومسموعة. وجوه عصية علي المعنيمن جهته قدم الناقد والباحث الجمالي المغربي د. فريد زاهي مقاربة مكتوبة لتجربة تقاسيم الفنان أبو عزيز هنا جانب منها: الوجه جغرافية الجسد، ومجازه الكبير. لذا ليس من الغريب أن يشترك الوجه كما الجسد في كلمة صورة (راجع لسان العرب). بل ليس من الغريب أيضا أن يكون حسن الصورة تعبيرا عن حسن الوجه والجسد وتشوهه تشوه لهما معا. من جانب آخر يرتبط الوجه بالكتابة في تعددية معني كلمة صورة نفسها. فالصورة أيضا خط وكتابة وشبح وما تبع ذلك من المعاني. كل هذا يدعونا إلي مساءلة هذه الجغرافيا الأركيولوجية في محسوسيتها وتعاليها، وفي مجازيتها وحقيقتها. الوجه هوية الآخر بالنسبة لي. إنه وجوده المعلن الذي يخاطبني ويواجهني، ويتعري في كيانه أمامي. إنه ذلك الآخر وقد تحول إلي مفهوم، إلي مسألة وجودية. لا يعنيني جسد الآخر إلا من حيث أنه يسائلني ويموقعني إزاءه. وفي كل تواجه لا مجال أبدا للمواجهة بمعناها العنفي ولا للمجابهة، من حيث أنهما أشبه بالطقس الذي يجمع ديكين في حلبة صراع، أو ثورين في مرعي. من ثم يكون الوجه هوية ولا تحددا في الآن نفسه، سؤالا ويقينا، كينونة وفراغا. ربما كان هذا ما جعل الفن المعاصر يتجاوز الأيقونة والبورتريه بإفراغ الوجه وتلطيخه، بل أيضا بجعله مجالا لكل التناقضات البصرية والمنظورية الممكنة؛ ذلك أنه لا مجال للحديث عن إنسانية الإنسان الإشكالية في زمننا إلا بمساءلة الوجه والجسد بلا أعضاء (جيل دولوز). كما لا مجال لاكتناه الوجود التعددي للإنسان الحالي إلا بتفكيك مفهوم الوجه نفسه من حيث هو علامة، أو دال أو عنوان للروح. فبقدر ما يعين الوجه هوية الكائن بقدر ما ينزع عنه ذاتيته ليزج به في تعددية آسرة. هذا بالضبط هو ما جعل إمانويل ليفناس، يقول: ما يقوم به الجميل هو أنه يقلب جمال الوجه الأنثوي. لماذا؟ لأن الفن الكلاسيكي والحديث يحرم ذلك الجمال من عمقه ومن قلقه الجسماني، بجعله الجمال شكلا يغطي المادة اللامحددة للوحة أو المنحوتة. ولو كان ليفناس عالم جمال، أومؤرخا للفن، أو ناقدا فنيا علي الأقل، لرأي في التوجهات التكعيبية والتعبيرية في تشويهها للوجه السبيل الأقرب للتعبير عن ذلك العمق ولذلك القلق الوجودي. تقاسيم الوجه هي خطوطه وملامحه. إنها كتابته التي بها يعلن عن وجه العالم ووجهته. الوجه إذن نص بصري يتأرجح بين المرئي واللامرئي، بين الوجود لذاته والبينية الغيرية التي تجعل من كل وجه وجهة، ومن كل وجهة تواجها عينيا بيني وبين الآخر. الوجه برزخ لكل الصور التي تستحيل كيانا محسوسا وتتســــامي لتغدو كيانا متعاليا. وجه الحق ووجه العبد يتواصلان من خلال هذه الوجْهية التي عرف ابن عربي كيف يعبر عنها. من الجسد إلي الوجه تتقاطع الخطوط وتتوالي. وكأننا بمحمد أبو عزيز ينتقل من جسد الكينونة ورحم الوجود إلي مجازه الخصب، من خلال اعتماد التعامل نفسه مع الخطوط والألوان، وبانزياح أكبر باتجاه إيقاع أكثر إيغالا في الحركية، وأكثر امتشاقا لجغرافية التشظي. هذا الانزياح الكنائي هو في المنحي نفسه انتقال من الهلام الدلالي إلي جبة المعني. ربما لهذا السبب نراه يقتفي أثر بيكون في تحويل اللون إلي خط، والمساحات التحويلية الانتقالية إلي مجال لإيقاع العنف. تتضالع أوجه الوجه كي تخلق تعدده المنظوري. تصبح لنا عينا بها ندور من غير أن نقوم بذلك حول تضاريس الوجه وتعابيره الكاسحة. حين يتحول الوجه عن صورته يعانق كل الصور الممكنة، فيغدو مساحة مشرعة لكل الممكنات التعبيرية. حين يتحول إلي مساحة تتضاعف تقاسيمها وإيقاعاتها، وتتقاسم مع العالم جغرافيته الدفينة والمعلنة، يغدو الوجه مرآة مهشمة عليها تنطبع التفاصيل في لازمنية فظيعة. يعرف الفينومينولوجيون أن الألم يحول الوجه إلي تعبيرية لا حدود لها، فيما وراء التقصي والاستكشاف. الألم، كما الاغتراب، كما النفي، كما الاقتلاع والنوي، كل ذلك يحول وجهة الوجه، يمنحه وجهات أخر. فيغدو الوجه المحسوس أشبه بالوجه البلاغي الذي يعبر بمواربة وتخييل عن صدي الصوت، ووقع الصرخة. الوجه بذلك يستبيح لنفسه حركات الجسد وحركيته ويختزلها في ثناياه وتقاطيعه.
حركية الوجه تلك هي عنفه الذي يكشفه للآخر، في اللوحة، باللون، بتناضد المساحات اللامستوية، وتقعراتها وتضلُّعاتها، بمنحنياتها وتمرْئيها. الوجه يغدو أرضا متخيلة يمنحها الفنان لكل من لا تراب له إلا تراب جسده ووجهه. الوجه هنا قَفا العالم الذي لا يدير ظهره للوجهات العصية علي السؤال.
وجوه محمد أبو عزيز مشرعة علي الروح، تلك التي هجرت الجسد لتسكن العين، وتطل منهما علي احتمالات مستحيلة للمعني… . كلمات تساند اللوحات هنا مقاطع من بعض القصائد التي شاركت في مقاربة اللوحات بالكلمات لعدد من الشعراء العرب:(بن يونس ماجن/المغرب): وجوه كالكؤوس الفارغة/ذئاب ثملة/ تختبيء تحت/وجوه تتسلل ليلا/وتشيخ قبل موعد الشيب/وجوه يعاد معالجتها/ ولو انتهت مدة صلاحيتها/وجوه تبحث في وجوه الآخرين/عن مصيرها المعتم /في رحم المنعطفات/ وجوه تباع في المزاد العلني/وأسواق العولمة.(نبيلة الخطيب/الأردن): وجهي/ووجهي الذي راح يسردُ/كلّ الحكايات عَني/يُفصّلُ فيّ/ارتباكَ الفصول/أحَصّنه/بالرّزان الجليل/وأضفي عليه/وقارَ الأصيل/فيطرحُني../مثلما يطرحُ الأسئلة/وحينَ تفرّ الإجاباتُ يبكي../ ويقتادُ روحي../إلي المقصلة.(وسام م. جبران/فلسطين): وجهٌ/لا شيءْ/.. أنا وهُو/واحدٌ كُثُر/ـ تقولُ العَيْنُ للعينِ:/ تعالي إليَّ نُطفئُ الأفقَ ونخلُدُ إلينا/ هناكَ/في فِراشِ العِتْمَةِ، نغوصُ/فينا إليْناوهناك/حيثُ نموتُ نُبعَثُ/عندَ حافّة العُمُرْ/أنتِ، وأنا/واحدٌ كُثُر/وجهٌلا شيء/وجهٌ/هو/كلُّ شيء../سماؤهُ/فيها من رائحةِ تُرابهْ/وجهٌيبحثُ عن نفسِهِ في خرابِهْ.