لا شك أن حرب اليمن الحالية تخفي وراءها الكثير من الدوافع والأسباب الجيوسياسية، كما أنها تخفي أيضا أسبابا ودوافع اقتصادية. وحيث أن النفط هو محرك الاقتصاد، بل هو محرك العلاقات بين الحكومات ومواطنيها، وفيما بين الدول وبعضها البعض في شبه الجزيرة العربية، فإن من الخطأ إهمال النظر في الدوافع والأسباب الاقتصادية للحرب في اليمن، التي بدأت بتدخل السعودية وعدد من حلفائها في اذار/مارس 2015 وما تزال مستمرة حتى الآن بدون نهاية في الأفق المنظور.
ويمكن القول بقدر كبير من الاطمئنان أن موقع اليمن الاستراتيجي، وثروته من النفط والغاز، على تواضعها الشديد حاليا، يمثلان معا أهم الدوافع القوية لشن الحرب على اليمن. وما تصوير هذه الحرب على إنها دينية، بين تحالف سني تقوده السعودية، وشيعي تقوده إيران، إلا واحدة من ملامح الغطاء الذي ترتديه.
إن موقع اليمن، جعله ضمن استراتيجية الإمارات للتمدد على طول سواحل القرن الافريقي الكبير. هذه الاستراتيجية الإماراتية للتمدد تقع المصالح الاقتصادية والتجارية في القلب منها. أما ثروة اليمن من النفط والغاز، وموقعه في قلب الحلم السعودي بإيجاد منفذ لتصدير النفط يتجنب المرور من مضيق هرمز، وسعي الرياض لإعداد خطط لاستغلال مخزون النفط والغاز المحتمل في منطقة الربع الخالي، الممتدة بين مناطق إنتاج النفط في المنطقة الشرقية في السعودية، وبين حدودها مع كل من الإمارات وسلطنة عمان واليمن، فتمثل الدوافع والأسباب التي وضعت اليمن بقوة على خريطة الطموحات الاستراتيجية للسعودية. الطموحات الجيوستراتيجية والإقتصادية لكل من السعودية والإمارات، تمثل في واقع الأمر محركات قوية للحرب التي يخوضها التحالف السعودي على اليمن.
ومع أن السعودية تملك ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم (حوالي 270 مليار برميل) بعد فنزويلا (303 مليارات برميل) بينما يمتلك اليمن ما يتراوح بين 3 إلى 4 مليارات برميل أي ما لا يتجاوز 1.5 في المئة من الاحتياطي السعودي، فإن السعودية لم تحقق اكتشافات نفطية كبيرة خلال العقود الأخيرة، وهي تطمح إلى ذلك عن طريق توسيع أنشطة التنقيب عن النفط والغاز في المناطق الواعدة ومنها منطقة صحراء الربع الخالي. كذلك فإن احتياطي اليمن من الغاز الطبيعي البالغ حوالي 11 تريليون قدم مكعب يتضاءل بشدة مقارنة بالاحتياطي السعودي البالغ حوالي 320 تريليون قدم مكعب، لا يجعل اليمن لاعبا مهما في سوق الغاز، لأنه لا يتجاوز 3.5 في المئة مما تملكه السعودية. فما هي إذن أهمية بلاد اليمن في الاستراتيجية النفطية السعودية؟
ما تزال بلاد اليمن تمثل ساحة بكرا لنشاط الشركات الدولية للنفط والغاز. ولم يكن يعمل فيها حتى قبل سيطرة أنصار الله (الحوثيين) على صنعاء في كانون الثاني/يناير عام 2015 غير عدد قليل من الشركات أهمها شركة توتال الفرنسية، وبجانبها عدد من الشركات الأقل أهمية مثل “هانت الأمريكية” و”إم أو” في النمساوية، و”نيكسين” الكندية و”سينوبيك” الصينية، ومؤسسة النفط الوطنية الكورية. ومع أن إنتاج النفط في اليمن سجل ذروة بلغت حوالي 457 ألف برميل يوميا في عام 2001 إلا أنه يواصل الانخفاض منذ ذلك الوقت، وزاد من حدة تراجعه ما يتعرض له اليمن من ظروف غير مواتية لعمل الشركات الدولية. وقد انسحبت فعلا كل الشركات الدولية بعد عام 2014 لكن بعضها بدأ يعود على استحياء في العامين الأخيرين. وطبقا للإحصاءات المتوفرة فإن إنتاج اليمن من النفط في كانون الأول/ديسمبر عام 2018 بلغ 38.3 ألف برميل يوميا (تقدره الحكومة بنحو 40 ألف برميل يوميا) وتستهدف الحكومة اليمنية أن يصل هذا العام إلى 75 ألف برميل يوميا. مقارنة بكمية بلغت 127 ألف برميل يوميا عام 2014 قبل اندلاع الحرب.
وتسهم صادرات النفط والغاز بما يعادل 90 في المئة من حصيلة الصادرات اليمنية ككل. وتستهدف الحكومة أن تصل إيرادات إلى 800 مليون دولار بنهاية العام الحالي، ترتفع إلى 1.2 مليار دولار عام 2020 مقارنة بقيمة تجاوزت 7 مليارات دولار في العام 2014. وتقوم الحكومة بتطوير ميناء بلحاف على بحر العرب، من أجل زيادة الطاقة التصديرية من حقول الغاز في شبوه ومأرب.
وتظهر خريطة توزيع مناطق الإنتاج والتصدير، ما يؤكد التطابق بين الانتشار العسكري السعودي في اليمن منذ العام 2017 وتعزيز القوة العسكرية السعودية بعد الأول من آب/أغسطس الماضي، وبين المصالح النفطية للسعودية في اليمن. ويجري تركيز توزيع القوات السعودية التي دخلت اليمن، منذ أعلنت الإمارات انسحابها العسكري المباشرمن الحرب، في مناطق إنتاج النفط والغاز في شبوة ومأرب إضافة إلى المهرة، علما بأن الحليف الرئيسي للسعودية في اليمن، الفريق على محسن صالح نائب رئيس الجمهورية المنتمي إلى حركة الإصلاح (الإخوان المسلمين) لم يفرط أبدا في سيطرته على مأرب الغنية بالنفط والغاز منذ بدء الحرب حتى الآن. ويستعين الأحمر بمدد سعودي قوي ماليا وعسكريا، يضمن له استمرار نفوذه في قطاع النفط والغاز، ليس في مأرب فقط، ولكن في كل أنحاء اليمن، حيث يدير أبناءه وكالات توزيع النفط داخليا، ويتولون التعاقد مع شركات النفط الأجنبية، بعيدا عما يسمى السلطة “الشرعية” للرئيس عبدربه منصور هادي، الذي تحتضنه السعودية. وبسبب سيطرة على محسن الأحمر على قطاع النفط والغاز في اليمن، فإن السوق السوداء والتعاقدات الرمادية الغامضة هي التي تسود في هذا القطاع، ولا تحصل الحكومة من عائداته إلا الفتات الذي تسمح به السعودية ومعها الفريق على محسن الأحمر.
وعلى الرغم من وجود مجموعات تجارية قوية في اليمن مثل مجموعة العيسي، ومجموعة هايل سعيد، فإن محاولات كل منهما الدخول إلى سوق النفط ومشتقات الوقود باءت بالفشل، بسبب سيطرة الأحمر، والدعم العسكري الذي يتلقاه من الرياض. ويدير علي محسن الأحمر أنشطته النفطية من خلال أبنائه، وعن طريق (شركة بترول المسيلة) التي تتحكم في إنتاج وتصدير النفط في كل أنحاء اليمن تقريبا. وبعد الحرب، استطاع علي محسن الأحمر نقل أنشطة التصدير من ميناء راس عيسى على الساحل الغربي، إلى ميناء بئر علي في الجنوب، وهو الميناء الذي يخضع تماما لسيطرته عسكريا وإداريا وماليا ولوجيستيا. ويتوسع الأحمر حاليا في تطوير منشآت التصدير على الساحل الجنوبي لليمن بعيدا عن عدن، في منطقتي بلحاف والرضوم بمساعدة وحماية السعودية.
وتعمل السعودية حاليا، على تغيير الخريطة الجيوسياسية لتوزيع لثروة النفطية في اليمن، بما يعزز مصالحها، ومصالح حليفها المحلي الرئيسي علي محسن الأحمر، وبما يقطع الطريق على أي محاولة من أي طرف آخر، بما في ذلك الإمارات، للوصول إلى هذه الثروة أو المشاركة فيها. وقد تضمنت الإجراءات التي نفذتها السعودية في العامين الأخيرين ما يلي:
أولا: تطوير ميناء لتصدير النفط السعودي على بحر العرب، هو ميناء نشطون في محافظة المهرة، التي تقع على الحدود بين اليمن وسلطنة عمان. وقد بدأت السعودية إنشاء طريق مسفلت يربط منفذ خرخير الحدودي السعودي، الذي يتبع ولاية نجران إداريا، بميناء نشطون. وتقوم شركة أرامكو السعودية بإجراء بحوث ودراسات لمد خط أنابيب لتصدير النفط مواز للطريق، بعد أن تم إنشاء خزانات نفط ضخمة في مدينة خرخير، التي تم إخلاؤها تقريبا من السكان، تمهيدا لنقل النفط السعودي إلى الأسواق الخارجية. وتتولى قوات سعودية حاليا حماية مناطق عمل أرامكو داخل اليمن.
ثانيا: العمل مع علي محسن الأحمر على أن تصبح موانئ الجنوب في شبوة والمهرة هي الموانئ الرئيسية لتصدير النفط والغاز من اليمن إلى الخارج، ووقف استخدام خطوط الأنابيب الممتدة من حقول الغاز والنفط في مأرب وشبوة إلى ميناء رأس عيسى على الساحل الغربي. ويشمل ذلك تطوير مرافق تصدير النفط والغاز في منطقة الرضوم في شبوه، وتطوير مرافق الإنتاج في مصفاة صافر، سواء لإنتاج المشتقات النفطية أو غاز البوتاجاز للإنتاج المحلي.
ثالثا: توسيع مجالات نشاط الشركات الخاصة السعودية في قطاع البترول والغاز اليمني، على أن يكون النصيب الأعظم من هذه الأنشطة تحت سيطرة الفريق علي محسن الأحمر وشركة “بترومسيلة” وأبناء الأحمر الذين يتولون معه التعاقد مع الشركات الأجنبية للعمل في قطاع النفط اليمني، وفي إبرام عقود التنقيب والاستخراج والتصدير والتسويق.
بهذا تكون السعودية قد استطاعت قضم ثروة اليمن من النفط والغاز بمفردها، وفتحت لنفطها طريقا إلى بحر العرب، تاركة للإمارات مساحة ضئيلة لتحقيق مكاسب تجارية في عدن والساحل الغربي، وهو ما يفسر، اقتصاديا، جانبا من الصراع بين السعودية والإمارات على اليمن، وهو الصراع الذي لم يصل بعد إلى ذروته السياسية والعسكرية.